يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن اليهودي العربي…

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في إسرائيل، يشكل اليهود الشرقيون (المزراحيم)، الذين يُطلق عليهم خطأً اسم “الشرقيين”، فئة يغلب عليها الطابع التقليدي والديني، وتتميز غالبًا بأسر كبيرة العدد. وعلى رغم ذلك، فقد انحاز بعضهم إلى اليسار، مثل حركة شبابية مغربية الأصل استلهمت نضال الأميركيين السود في الولايات المتحدة خلال ستينات القرن العشرين واتخذت اسم “الفهود السود”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

قبل بضعة أشهر، في ميامي، أطلق مواطن أميركي – يهودي النار على رجلين، أب وابنه، لأنه ظنّهما فلسطينيين (لأن بشرتهما كانت سمراء ويبدوان عربيين). حالة عادية من العنصرية البيضاء.

المفارقة أن الرجلين كانا في الواقع إسرائيليين من أصول عربية، أي من اليهود الشرقيين (المزراحيم). لكن بدل أن يُظهرا تعاطفًا مع من بدا أنهما الضحيتان الحقيقيتان للمعتدي، احتجّا على ما وصفاه بأنه “اعتداء معادٍ للسامية” استهدفهما.

كيف وصل الأمر بهؤلاء اليهود الإسرائيليين إلى إنكار أصولهم وهويتهم الأصلية كيهود عرب، وإلى هذا القدر من العداء تجاه شعب يتقاسمون معه الكثير؟

الإجابة هي… إسرائيل

عرب ويهود

في البدء كان الاسم، وليس لنا سوى اسمنا :العرب واليهود. كنا يهودًا عربًا أو عربًا يهودًا، أي عرب يدينون باليهودية. كنا مصريين.

كان اسم أبي جاك يوسف كوهين، وقد وُلد في القاهرة في السابع من مارس/ آذار 1919. (وبالنسبة الى اليهود الأرثوذكس، يوافق هذا التاريخ ذكرى ميلاد موسى عليه السلام، وكذلك وفاته). جاك هو يعقوب، اسم يهودي أُضفيت عليه صبغة فرنسية، في إشارة إلى الحقبة الاستعمارية التي بدأ فيها اليهود، بطريقة ما، يُدفعون نحو التماهي مع البياض الأوروبي.

أما يوسف فكان اسم جدي، يوسف إبراهيم. ويقضي التقليد العربي بأن يحمل الابن اسم أبيه الثاني. وكان اسم جدي الأكبر إبراهيم هارون، مثل أبيه هارون كوهين. أما أنا فأحمل  جوزيف، الترجمة الفرنسية ليوسف، اسمًا ثانيًا لي. وكان جدي الأكبر هارون يملك منزلًا عند مدخل حارة اليهود، الحي اليهودي القديم في القاهرة.

كنا يهودًا عربًا، أو عربًا يهودًا، في مصر منذ… الأزل.

كانت جدتي لأبي تُدعى سارة رولو. كان اسمها برتغاليًا، لكنها لم تكن تتحدث إلا العربية. كانت حمراء الشعر، وربما ورثت ذلك عن أسلافها الذين لجأوا من شبه الجزيرة الإيبيرية. وكانت تدير منزلًا ملتزمًا بأحكام الكشروت اليهودية الصارمة، لكن الطعام كان مصريًا، باستثناء بعض كعكات سمك القد.

وهذا يبيّن أن العروبة ليست مسألة عرق أو دين، بل حقيقة ثقافية مرتبطة باللغة وبطريقة معينة في الوجود في العالم، طريقة تتّسع لأشياء كثيرة. وقد يقول البعض إنها ترتبط أيضًا بالمعدة.

وليس ذلك من قبيل المصادفة. فعندما كانت العائلة ترغب في الاحتفال بمناسبة ما، كنا نذهب إلى مطعم لبناني. وقبل أن تصل الأطباق الرئيسية، كنا نحن الأطفال قد شبعنا من المقبلات: الزيتون، وورق العنب، والحمص بالطحينة، والطرامة، وكميات وفيرة من خبز البيتا.

وفي أمسيات الأحد، كانت عمتي جان تستقبل أصدقاء أبي بالشاي والقهوة التركية والحلويات، ومنها فطائر صغيرة محشوة بالتمر، أو كعك السمسم التقليدي. وخلال عيد الفصح اليهودي كانت تُقدَّم مربيات التمر أو جوز الهند، وكانت لذيذة بحق. وعندما كانوا لا يزالون يتمتعون بصحة جيدة، كانت زجاجات الويسكي أو العرق تظهر بدورها.

كانت أمي تُدعى ليلى فاندا ميدينا. ليلى، أي الليل، وميدينا مثل مدينة النبي محمد، المدينة المنورة، أي “المدينة” بالعربية، وهو الاسم الذي يُطلق اليوم على الأحياء التاريخية القديمة.

كانت إيطالية الأصل، تنحدر من يهود سفارديون استقروا في مدينة ليفورنو الإيطالية قبل أن يصلوا إلى الإسكندرية في أواخر القرن التاسع عشر.

لكن كلمة “ميدينا” في العبرية تعني “الدولة”؛ دولة إسرائيل.

انتهت التعارفات.

كان المجتمع اليهودي في القاهرة متنوعًا من حيث الأصول العرقية والطقوس الدينية والمطبخ: مغاربة ويمنيون وسفارديون ومصريون، إضافة إلى يهود أشكناز أوروبيين لجأوا إلى مصر، وكذلك جماعات منشقّة مثل القرائين الذين لا يعترفون بالتلمود ويصلّون جلوسًا على السجاد على غرار المسلمين، بل وكان يوجد في الماضي أيضًا السامريون. وكانت لكل جماعة معابدها الخاصة.

كما كان المجتمع متنوعًا طبقيًا؛ من رواد المجتمع الراقي وبلاط الملك فاروق، الذين بلغ بعضهم مناصب وزارية مثل يوسف قطاوي باشا، إلى سكان حارة اليهود الفقراء الذين لم يكونوا أفضل حالًا من جيرانهم المسلمين والمسيحيين.

وكانوا يمارسون يهودية متسامحة تأثرت بالإسلام بل وبالتصوف أيضًا، كما امتزجت ببعض المعتقدات الشعبية الشرقية والأفريقية.

وعلى الرغم من أن أعظم فلاسفة اليهود على الإطلاق، موسى بن ميمون (الرامبام)، تولّى رئاسة الطائفة اليهودية في القاهرة لمدة ثلاثين عامًا خلال القرن الثاني عشر، فإنه لم يستطع أن “يطهّر” اليهودية المحلية بالكامل من هذه التأثيرات المختلفة. بل إن ابنه وخليفته أدخل إلى الكنيس تلاوات عربية وطقوسًا صوفية.

وكانت المكانة الروحية المنسوبة إلى الرامبام كبيرة إلى درجة أن جدتي كانت تمضي أحيانًا الليل متمددة على الأرض الحجرية في “غرفته” داخل المعبد السفلي الذي يحمل اسمه، “راف موشيه”. وكانت تدخله حافية القدمين، شأنها شأن كثير من المؤمنين، ومن بينهم مسلمون، أملاً بأن يزورها في المنام أو يلهمها رؤى أثناء الليل. وبعد ذلك كان أحد الحاخامات يتولى تفسير تلك الأحلام.

لم تكن مصر العثمانية جنّة ولا ديمقراطية، لكن الاقتصادي اللبناني جورج قرم والمؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية إيلان بابيه يدعوان إلى إعادة النظر في نظام “الملل”، الذي أتاح لمختلف الجماعات الدينية أن تدير شؤونها بقدر من الاستقلالية في المجالات الدينية والمدنية والقضائية، وأن تمتلك مؤسساتها الخاصة، كما كان الحال لدى الجماعات اليهودية في المشرق.

ويمكن القول إن المشرق العثماني كان أشبه بنسيج أو فسيفساء من الثقافات والأديان، لكل جزء فيه مكانه ووظيفته، وإن لم يكن الاختلاط بينها واسعًا.

ولعل في ذلك ما يمكن أن يلهم تصور إطار فيدرالي أو كونفدرالي يتجاوز الدول الفاشلة التي خلّفتها اتفاقيات سايكس ـ بيكو، ويفتح أفقًا أفضل لمنطقة الهلال الخصيب.

غير أن التدخل الاستعماري كان السبب في ظهور أولى الشقوق داخل هذا التوازن العثماني الدقيق.

وقد ظهر ذلك في الإسكندرية مطلع القرن التاسع عشر، حين انقسمت الطائفة اليهودية بين من أرادوا البقاء عربًا محافظين على لغة أسلافهم وعاداتهم، وبين من اعتقدوا أن المستقبل سيكون أوروبيًا، فتبنّوا نموذجًا مؤسساتيًا مستوحى من البندقية وتحت النفوذ النمساوي ـ المجري.

وبعد ثلاثين عامًا، وتحديدًا سنة 1872، فرض الخديوي إسماعيل توحيد الطائفة تحت رعاية الإمبراطورية النمساوية المجرية.

كان الغرب قد انتصر.

وهل في ذلك ما يثير الدهشة؟

ليس كثيرًا.

فقد كان الخديوي يحلم بأن تصبح مصر جزءًا من أوروبا.

وفي الوقت نفسه، سنة 1870، أصدرت فرنسا تشريعًا منح الجنسية الفرنسية لخمسة وثلاثين ألف يهودي في الجزائر، كانوا عربًا وأمازيغ، الأمر الذي أحدث أول قطيعة بينهم وبين إخوانهم المسلمين الذين ظلوا خاضعين لقانون “الأهالي” الاستعماري.

وقبل ذلك بقرون، في القرن السادس عشر، عقد الملك الفرنسي فرانسوا الأول اتفاقًا مع السلطان سليمان القانوني لحماية الرعايا الفرنسيين ومسيحيي المشرق داخل الدولة العثمانية. ثم توسّع هذا النظام ليشمل رعايا الدول الغربية الأخرى، فيما عُرف بنظام “الامتيازات الأجنبية”.

ونتيجة لذلك ظهرت في مصر محاكم مختلطة تتألف من قاضٍ أوروبي وآخر مصري، وكانت غالبًا أكثر تساهلًا مع الأوروبيين من المحاكم المصرية الخالصة.

ولهذا السبب، من بين أسباب أخرى، حصل عدد كبير من المصريين، ومن بينهم يهود، على جنسيات أجنبية، وكانت الجنسية الإيطالية الأسهل نيلًا. وقد تمكن جدي الأكبر من الحصول عليها مقابل المال بطبيعة الحال.

وفي مطلع القرن العشرين لم تكن هناك جنسية مصرية بالمعنى الحديث؛ إذ كان الجميع رسميًا من رعايا الدولة العثمانية تحت “الحماية” البريطانية.

بعد الحرب العالمية الأولى تأسّس حزب الوفد، الذي قاد الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني، وكان شعاره: “مصر للمصريين”. وكان سعد زغلول أحد أبرز قادته، وقد نفته السلطات إلى باريس.

وشارك عمي فيكتور، إلى جانب يهود آخرين ناشطين في الحزب، في التظاهرات بوصفهم مصريين كسائر المصريين، وهم يهتفون: “اخرجوا أيها الإنكليز!”.

وفي عام 1939، عندما نُظِّمت مسألة الجنسية المصرية بصورة رسمية، اختار كل من جدي وأبي الحصول عليها. أما آخرون فلم يفعلوا ذلك، أو نسوا الأمر ببساطة، فبقوا عديمي الجنسية، وهو ما كانت له عواقب مأساوية لاحقًا.

في تلك الفترة كان التعليم الديني اليهودي يعتمد أساسًا على الحفظ الآلي للنصوص من دون فهم معانيها. وكان من لا ينتبه يتعرض للضرب على يديه بالعصا. ولم يكن في ذلك ما يوقظ الفضول أو التفكير.

في المقابل، أنشأ اليهود الأوروبيون، ولا سيما الفرنسيون منهم، شبكة من المدارس اليهودية العلمانية لتعليم أبناء الطبقة الوسطى ومواجهة تأثير المدارس الكاثوليكية الفرنسية وغيرها، التي كانت تؤدي أحيانًا إلى اعتناق بعض الشباب اليهود المسيحية. وقد درس والدي في مدرسة يسوعية فرنسية تدعى “خورنفش”، كانت تُعدّ نخب البلاد.

كما أسسوا مؤسسات خيرية للأطفال الفقراء، مثل مؤسسة “قطرة الحليب” الشهيرة. وفي إطار هذا التوجه نحو التحديث والأوربة، أوجدوا بيئة خصبة لأفكار الحداثة والاشتراكية والماسونية… وكذلك الصهيونية.

داخل الطائفة اليهودية نفسها، بدأ بعض الشبان المتأثرين ببؤس الشعب المصري واستغلاله في تشكيل النواة الأولى لما سيصبح لاحقًا الحزب الشيوعي المصري. فقد كان الصراع الطبقي قائمًا بين اليهود أيضًا.

وفي تلك الفترة شهدت الطائفة اليهودية في الإسكندرية تظاهرة للعاطلين عن العمل، خرج فيها يهود يحتجون على المؤسسة اليهودية نفسها، مطالبين بالخبز والعمل. وكان كثيرون يعيشون في فقر مدقع ولا يعتاشون إلا بفضل الصدقات. وقد لاقت الماركسية صدى لدى الأجيال الشابة، التي كانت أقل قابلية لتقبّل الخطاب الصهيوني، باستثناء جزء من الأشكناز.

فما الدافع إلى الهجرة نحو أرض لا تبعد سوى ساعات قليلة بالقطار، بينما كانت الحياة هنا تسير على ما يرام، ولم يكن هؤلاء قد عرفوا أهوال الاضطهاد الديني التي عرفها يهود أوروبا؟

كان هنري كورييل واحدًا من أولئك الشباب، وأحد أبرز وجوه الماركسية المصرية. وعلى الرغم من دفاعه عن جمال عبد الناصر، فقد طُرد من مصر باعتباره عديم الجنسية.

وبعد استقراره في فرنسا، دعم نضال الشعب الجزائري من أجل التحرر، وساهم في تنظيم قنوات التمويل والمساندة، ثم أسس منظمة “التضامن الدولي” التي درّبت ناشطين من حركات التحرر في ما أصبح يُعرف لاحقًا بالعالم الثالث.

كما لعب دورًا في الاتصالات الأولى بين أحد أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية والجنرال الإسرائيلي السابق متي بيليد الذي تحول إلى ناشط من أجل السلام. وقد اغتيل في باريس عام 1978، ويُعتقد أن منظمة الجيش السري الفرنسية (OAS) كانت وراء اغتياله، لأنها لم تغفر له دعمه لجبهة التحرير الوطني الجزائرية، وربما تم ذلك بتواطؤ من أجهزة الدولة.

وفي الوقت نفسه، كانت القومية العربية من جهة، والإسلام السياسي الذي مثّله حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية عام 1928 من جهة أخرى، ردّين مختلفين على الاضطراب الذي أحدثه الاستعمار الأوروبي.

في المشروع القومي العربي كان لليهود مكان. أما في المشروع الإسلامي السياسي فلم يكن لهم ذلك المكان.

ومع تقارب التيارين تدريجيًا، أخذت الهوية المصرية الجديدة تكتسب طابعًا إسلاميًا حصريًا أو شبه حصري، ما جعل وجود اليهود يبدو شيئًا زائدًا عن الحاجة.

لكن القضية الفلسطينية أصبحت محور الأحداث خلال تلك السنوات، مع مشروع التقسيم سنة 1947، ثم النكبة سنة 1948، وما تلاها من تطورات زادت الوضع تعقيدًا.

ففي عام 1947، وقبل التصويت في الأمم المتحدة، حذّر الصحافي المصري محمد حسنين هيكل من أن اعتماد مشروع التقسيم سيؤدي إلى كارثة بالنسبة إلى يهود البلدان العربية.

وفي ذلك الوقت، لم تكن أي دولة إفريقية أو آسيوية تقريبًا قد حصلت على استقلالها بعد، ولذلك لم تكن ممثلة في الأمم المتحدة. ويرى هيكل أن قرار التقسيم، الذي وافق عليه ستالين أيضًا، كان خطأً فادحًا.

ففلسطين كانت عربية تاريخيًا، مع وجود يهودي ومسيحي قديم، ومع غالبية سكانية مسلمة، لكنها بقيت جزءًا من العالم العربي. أما فكرة “الدولتين”، التي تبنتها الأحزاب الشيوعية الأرثوذكسية، فما تزال في نظره مجرد وهم، وشعار يُكرّر بلا نهاية من دون مضمون حقيقي، ويجب تجاوزُه.

حتى عام 1948، لم تكن هناك توترات فعلية بين الجماعات اليهودية وبقية المصريين. وخلال الحرب العالمية الثانية، كان كثير من الناس يأملون بانتصار رومل على مونتغمري.

لكن ذلك لم يكن بدافع معاداة اليهود، كما يُقال أحيانًا، بل لأن الشعوب الخاضعة للاستعمار، سواء في إفريقيا أو آسيا أو أميركا اللاتينية، كانت مستعدة للتحالف مع أي قوة يمكن أن تضع حدًا للهيمنة الاستعمارية التي كانت تعتبرها لا تُحتمل.

ويرى هيكل أن هذه الحقيقة لا تزال عسيرة الفهم على كثير من الفرنسيين الذين لم يتقبلوا بعد خسارتهم الاستعمارية وفقدان الجزائر. ولم يصبح وضع اليهود في مصر صعبًا حقًا إلا بعد أحداث 1948: التطهير العرقي في فلسطين، والنكبة، والهزيمة العسكرية المصرية.

ثم ازداد الأمر سوءًا سنة 1956، عندما شاركت إسرائيل، متحالفة مع فرنسا وبريطانيا، في الهجوم على قناة السويس ومصر. عندئذ أصبح بقاء كثير من اليهود في البلاد أمرًا بالغ الصعوبة. فالذين لم يحملوا الجنسية المصرية، ومن بينهم عديمو الجنسية، طُردوا باعتبارهم أجانب، وصادرت الدولة ممتلكاتهم.

وفي العراق، في الوقت نفسه، نفذت عناصر صهيونية سلسلة من الهجمات على معابد يهودية، نُسبت إلى السكان المحليين، ما دفع أعدادًا كبيرة من يهود العراق إلى مغادرة وطنهم التاريخي، بابل، والتوجه إلى الدولة اليهودية الجديدة التي أُقيمت في قلب المشرق.

وفي مصر أيضًا، وقعت سلسلة من التفجيرات نفذها عملاء إسرائيليون وبعض اليهود المصريين، وسرعان ما كُشف أمرهم وأُدينوا، في ما عُرف لاحقًا بـ”فضيحة لافون”، وهو ما أثار القلق والاضطراب داخل الطائفة اليهودية.

كما شهدت شوارع القاهرة اضطرابات قادتها جماعة الإخوان المسلمين، وانتهت بحريق القاهرة سنة 1952.

لكن في عام 1954، تولّى جمال عبد الناصر قيادة مصر، وأصبح رمزًا للقومية العربية وأحد أبرز قادة حركة التحرر من الاستعمار في القرن العشرين، إلى جانب جواهر لال نهرو في الهند، وتشو إن لاي في الصين، وجوزيف بروز تيتو في يوغوسلافيا، وغيرهم.

وفي عام 1955، انعقد مؤتمر باندونغ الذي أطلق حركة عدم الانحياز، وهي حركة بدت آنذاك قوة تاريخية لا يمكن وقفها. وقد بعث ذلك موجة من الأمل في العالم العربي كله، ولا سيما في فلسطين.

وبالنسبة إلى عبد الناصر، كانت مصر، بهذا الترتيب، دولة إفريقية ثم عربية ثم مسلمة، بعيدًا كل البعد عن أوهام بعض أسلافه الذين كانوا يتطلعون إلى الانتماء إلى أوروبا.

فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، طالبت الشعوب المستعمَرة بحريتها بعدما دفعت ثمنًا باهظًا من الدماء في الانتصار على دول المحور.

وفي الثامن من أيار/ مايو 1945 نفسه، يوم الاحتفال بالتحرير في أوروبا، قمعت فرنسا بعنف تظاهرة في سطيف بالجزائر، كان المشاركون فيها يطالبون بالمساواة في الحقوق.

وبعد سنوات قليلة، ومع اتفاقيات إيفيان وحرب التحرير الجزائرية التي خلّفت مئات الآلاف من الضحايا وأدت إلى محاولة انقلاب داخل فرنسا، اضطر المستوطنون الأوروبيون إلى العودة إلى فرنسا.

أما اليهود الجزائريون، الذين لم يكن معظمهم قد وطئت أقدامهم فرنسا من قبل، فقد وجدوا أنفسهم مضطرين إلى “العودة” إلى وطن لم يكن وطنهم الحقيقي، ولم يكن يرغب في استقبالهم بحماسة.

هذا الشعور المزدوج بالمرارة – تجاه “العرب” الذين اعتُبروا سبب الرحيل، وتجاه فرنسا التي استقبلتهم بريبة – دفع كثيرين منهم إلى الالتفاف حول الدولة الجديدة التي هزمت الجيوش العربية عام 1967، أي إسرائيل، لأنها أعادت إليهم إحساسًا بالفخر والقوة.

في إسرائيل، يشكل اليهود الشرقيون (المزراحيم)، الذين يُطلق عليهم خطأً اسم “الشرقيين”، فئة يغلب عليها الطابع التقليدي والديني، وتتميز غالبًا بأسر كبيرة العدد.

وعلى رغم ذلك، فقد انحاز بعضهم إلى اليسار، مثل حركة شبابية مغربية الأصل استلهمت نضال الأميركيين السود في الولايات المتحدة خلال ستينات القرن العشرين واتخذت اسم “الفهود السود”.

كان آباؤهم قد جاؤوا من المغرب بعد وعود بحياة أفضل، لكنهم أُسكنوا في مجمعات سكنية متواضعة على أطراف البلاد، واستُخدموا قوةً عاملة رخيصة، فتحولوا إلى طبقة عاملة إسرائيلية جديدة.

وقبلهم، وصل اليهود اليمنيون، القادمون من مجتمع تقليدي للغاية.

هؤلاء رُشّوا بمبيد “دي. دي. تي.” فور وصولهم، وتعرضوا لضغوط قوية للتخلي عن ثقافتهم ولغتهم العربية، التي اعتُبرت “لغة العدو”.

كما ظهرت اتهامات تتعلق باختفاء أطفال يمنيين وتسليمهم لعائلات أشكنازية أوروبية لتربيتهم، وهي قضية ما زالت تثير جدلًا واسعًا في إسرائيل حتى اليوم.

أما القادمون من العراق وإيران وكردستان وسوريا وتونس والجزائر والمغرب ولبنان، فقد وجدوا أنفسهم أيضًا أمام دولة تطالبهم بالتخلي عن هوياتهم الأصلية وثقافاتهم الخاصة كي يصبحوا مقبولين داخل المجتمع الجديد.

هذه العملية كانت شكلًا من أشكال الاغتراب المؤلم، وربما ساهمت في نشوء أزمات نفسية واجتماعية عميقة.

ومن دون الخوض في تحليلات نفسية جماعية معقدة، يقترح أن قمع الهوية الأصلية واللغة والثقافة يشبه نهرًا جوفيًا يظل مخفيًا زمنًا طويلًا قبل أن يعود إلى السطح في لحظة ما.

كانت إيلا شوحاط، وهي أكاديمية إسرائيلية من أصل عراقي، من أوائل من درسوا قضية المزراحيم من منظور سياسي واجتماعي.

وقد تصورت إمكانية قيام تحالف بين اليهود الشرقيين المضطهدين وبين الشعب الفلسطيني، بوصفه الضحية الأولى للمشروع الصهيوني.

ولهذا الغرض، زارت مدريد في أوائل التسعينات والتقت بعدد من المثقفين المقربين من منظمة التحرير الفلسطينية، ومن بينهم الشاعر الفلسطيني محمود درويش. غير أن عوامل عدة حالت دون تحقق هذا المشروع.

أول هذه العوامل أن المؤسسة الصهيونية الحاكمة كانت تقدم نفسها باعتبارها “يسارية” وتقودها الحركة العمالية، مع اتحاد الهستدروت بوصفه رمزها الرئيسي.

وبسبب التمييز الذي عانى منه المزراحيم على يد هذه النخب، أصبح كثير منهم ينفرون من كل ما يرتبط بالاشتراكية أو اليسار.

أما العامل الثاني، فتمثل في أن المحافظين والمتدينين وجدوا تمثيلهم السياسي داخل حزب شاس الديني وحزب الليكود.

وقد أدرك مناحيم بيغن منذ سبعينات القرن الماضي ثقل المزراحيم الانتخابي، فعمل على استقطابهم، ولا تزال صوره معلقة في كثير من أسواق القدس الشعبية.

أما العامل الثالث، فكان وصول جماعات مهاجرة جديدة، ومنها يهود إثيوبيا الذين وجدوا أنفسهم في أسفل السلم الاجتماعي أكثر من غيرهم.

وفي أسفل هذا السلم بقي الفلسطينيون، السكان الأصليون للبلاد، كما يحدث غالبًا في المجتمعات الاستيطانية الاستعمارية.

على الرغم من كل ذلك، تمكن بعض اليهود الشرقيين من الارتقاء اجتماعيًا، وتزاوج كثير منهم مع أشكناز، ولم يعد الوضع اليوم كما كان قبل أربعين أو خمسين عامًا.

ويمكن القول، مع هامش محدود من الخطأ، إن غالبية سكان إسرائيل اليوم، أو ما لا يقل عن نصفهم، ينحدرون من أصول يهودية عربية أو شرقية، وإن جزءًا كبيرًا منهم يتبنى اليوم أكثر أشكال الصهيونية يمينية، بما في ذلك فكرة “إسرائيل الكبرى” وبعض تصورات ما يسميه “اليهودية القومية”.

ومع ذلك، لا يوجد حزب سياسي مزراحي خالص يماثل، على سبيل المثال، الحزب الذي يمثل المهاجرين الروس، “إسرائيل بيتنا”.

وعلى رغم ذلك، تبقى مسألة الهوية المزراحية مهمة للغاية، لأنها تكسر السردية الصهيونية الأوروبية التقليدية التي تقدم اضطهاد اليهود بوصفه ظاهرة أبدية وغامضة لا تشبه أي شكل آخر من أشكال العنصرية المعروفة.

ويشير التاريخ إلى أن أراضي الإسلام، أو “دار الإسلام”، كما في الإمبراطورية العثمانية والأندلس، لم تشهد فقط تعايشًا بين المسلمين واليهود، بل شهدت أيضًا فترات ازدهار حقيقي للحياة اليهودية تحت الحكم الإسلامي.

وقد أدى ذلك إلى ظهور حضارة يهودية عربية أو يهودية إسلامية أصيلة.

مفهوم “الحضارة اليهودية ـ المسيحية”، الذي أصبح شائعًا في الخطاب الغربي الحديث، هو بناء فكري حديث نسبيًا، يهدف إلى تهميش البعد الإسلامي في تاريخ اليهود، وكأن هذا التاريخ كان أوروبيًا وأبيضَ حصريًا.

كما يرى أن هذا المفهوم يسمح بتجاهل قرون طويلة من الاضطهاد الذي تعرض له اليهود داخل أوروبا المسيحية.

ومن هذا المنظور، فإن تاريخ اليهود العرب يكشف، في رأيه، عن البعد الأوروبي المركزي والعنصري الموجود داخل الصهيونية الإسرائيلية، سواء في تعاملها مع الفلسطينيين أو مع كل ما يذكّر بالثقافة العربية اليهودية بين مواطنيها المزراحيم.

ولو أمكن تبني مقاربة مختلفة، لأصبح من الممكن إعادة اكتشاف شكل من أشكال اليهودية أكثر انفتاحًا وتسامحًا، شبيه بما عرفته مصر في الماضي؛ يهودية تأثرت بالإسلام كما تأثرت بالتراث اليوناني والروماني، وتنتمي إلى فضاء البحر الأبيض المتوسط المتعدد الثقافات.

الكاتب الإسرائيلي ألون مزراحي، الذي يدعو إلى تجاوز ما يراه ثقافة قائمة على الإحساس الدائم بالضحية.

ومن وجهة نظر مزراحي، فإن مثل هذا التحول من شأنه أن يضعف ما يسميه “اليهودية القومية”، التي يشبّهها بمخلوق فرانكنشتاين خرج عن سيطرة صانعه وانخرط في مشروع توسع وعنف لا حدود له.

علينا إحياء إرث اليسار الحقيقي في المنطقة، واستعادة مساهمات الحركات اليهودية العراقية والمصرية المناهضة للصهيونية والفاشية خلال ثلاثينات القرن العشرين، وكذلك استذكار شخصيات مثل إبراهام السرفاتي وهنري كورييل، كما علينا بلورة استراتيجية مشتركة للنضال المناهض للاستعمار تجمع الفلسطينيين واليهود الرافضين للصهيونية ضمن إطار أوسع لتحرير الشعوب من الهيمنة الإمبريالية.

ويذكّر بأن منظمة التحرير الفلسطينية أعلنت عام 1974 أن اليهود الراغبين في البقاء داخل فلسطين المحررة يمكنهم أن يكونوا جزءًا من دولة جديدة قائمة على المساواة في الحقوق.

وبعد أكثر من ثلاثين عامًا على اتفاقيات أوسلو، وفي ظل الحرب المستمرة في غزة والإبادة الجماعية الجارية، فإن السلام لا يمكن أن يتحقق مع دولة يصفها بأنها استعمارية وتفوقية، وتؤكد قوانينها أن حق تقرير المصير في فلسطين التاريخية يعود حصريًا الى الشعب اليهودي.

فإذا احتفظ الشعب الفلسطيني بما يكفي من الكرم، وإذا خضع اليهود الإسرائيليون، ولا سيما المزراحيم، لمراجعة عميقة لمعتقداتهم السياسية وتصالحوا مع أصولهم وهويتهم الأولى، فقد يصبح من الممكن بناء دولة علمانية يعيش فيها الجميع على أساس المساواة الكاملة في الحقوق، مع الاعتراف بالأضرار التي لحقت بالضحايا والعمل على جبرها.

يهود وعرب، معًا، في الوقت نفسه.

إن شاء الله.


لوران كوهين ميدينا، وُلد في باريس عام 1960 لأم إيطالية وأب مصري. درس الفنون الجميلة وعلوم التربية في برلين الغربية، ويقيم في برشلونة، إسبانيا، منذ عام 1991.

يعمل مترجمًا تحريريًا وفوريًا، وكان من المساهمين الأساسيين في تأسيس منظمة تجمع يهودًا وفلسطينيين في برشلونة عام 2009. ومنذ ذلك الحين، ينخرط كوهين بشكل واسع في حركة التضامن مع فلسطين، وفي جهود ترسيخ حركة يهودية دولية مناهضة للصهيونية.

كما يعمل على تفكيك الخلط بين الاحتجاج على سياسات إسرائيل ومعاداة السامية، ويرى في تقاليد اليهودية العربية مدخلًا لمساءلة الرواية الصهيونية الرسمية.

نُشر هذا المقال بالإسبانية، وهنا نعيد نشره بالعربية بطلب من الكاتب. 

في إسرائيل، يشكل اليهود الشرقيون (المزراحيم)، الذين يُطلق عليهم خطأً اسم “الشرقيين”، فئة يغلب عليها الطابع التقليدي والديني، وتتميز غالبًا بأسر كبيرة العدد. وعلى رغم ذلك، فقد انحاز بعضهم إلى اليسار، مثل حركة شبابية مغربية الأصل استلهمت نضال الأميركيين السود في الولايات المتحدة خلال ستينات القرن العشرين واتخذت اسم “الفهود السود”.


قبل بضعة أشهر، في ميامي، أطلق مواطن أميركي – يهودي النار على رجلين، أب وابنه، لأنه ظنّهما فلسطينيين (لأن بشرتهما كانت سمراء ويبدوان عربيين). حالة عادية من العنصرية البيضاء.

المفارقة أن الرجلين كانا في الواقع إسرائيليين من أصول عربية، أي من اليهود الشرقيين (المزراحيم). لكن بدل أن يُظهرا تعاطفًا مع من بدا أنهما الضحيتان الحقيقيتان للمعتدي، احتجّا على ما وصفاه بأنه “اعتداء معادٍ للسامية” استهدفهما.

كيف وصل الأمر بهؤلاء اليهود الإسرائيليين إلى إنكار أصولهم وهويتهم الأصلية كيهود عرب، وإلى هذا القدر من العداء تجاه شعب يتقاسمون معه الكثير؟

الإجابة هي… إسرائيل

عرب ويهود

في البدء كان الاسم، وليس لنا سوى اسمنا :العرب واليهود. كنا يهودًا عربًا أو عربًا يهودًا، أي عرب يدينون باليهودية. كنا مصريين.

كان اسم أبي جاك يوسف كوهين، وقد وُلد في القاهرة في السابع من مارس/ آذار 1919. (وبالنسبة الى اليهود الأرثوذكس، يوافق هذا التاريخ ذكرى ميلاد موسى عليه السلام، وكذلك وفاته). جاك هو يعقوب، اسم يهودي أُضفيت عليه صبغة فرنسية، في إشارة إلى الحقبة الاستعمارية التي بدأ فيها اليهود، بطريقة ما، يُدفعون نحو التماهي مع البياض الأوروبي.

أما يوسف فكان اسم جدي، يوسف إبراهيم. ويقضي التقليد العربي بأن يحمل الابن اسم أبيه الثاني. وكان اسم جدي الأكبر إبراهيم هارون، مثل أبيه هارون كوهين. أما أنا فأحمل  جوزيف، الترجمة الفرنسية ليوسف، اسمًا ثانيًا لي. وكان جدي الأكبر هارون يملك منزلًا عند مدخل حارة اليهود، الحي اليهودي القديم في القاهرة.

كنا يهودًا عربًا، أو عربًا يهودًا، في مصر منذ… الأزل.

كانت جدتي لأبي تُدعى سارة رولو. كان اسمها برتغاليًا، لكنها لم تكن تتحدث إلا العربية. كانت حمراء الشعر، وربما ورثت ذلك عن أسلافها الذين لجأوا من شبه الجزيرة الإيبيرية. وكانت تدير منزلًا ملتزمًا بأحكام الكشروت اليهودية الصارمة، لكن الطعام كان مصريًا، باستثناء بعض كعكات سمك القد.

وهذا يبيّن أن العروبة ليست مسألة عرق أو دين، بل حقيقة ثقافية مرتبطة باللغة وبطريقة معينة في الوجود في العالم، طريقة تتّسع لأشياء كثيرة. وقد يقول البعض إنها ترتبط أيضًا بالمعدة.

وليس ذلك من قبيل المصادفة. فعندما كانت العائلة ترغب في الاحتفال بمناسبة ما، كنا نذهب إلى مطعم لبناني. وقبل أن تصل الأطباق الرئيسية، كنا نحن الأطفال قد شبعنا من المقبلات: الزيتون، وورق العنب، والحمص بالطحينة، والطرامة، وكميات وفيرة من خبز البيتا.

وفي أمسيات الأحد، كانت عمتي جان تستقبل أصدقاء أبي بالشاي والقهوة التركية والحلويات، ومنها فطائر صغيرة محشوة بالتمر، أو كعك السمسم التقليدي. وخلال عيد الفصح اليهودي كانت تُقدَّم مربيات التمر أو جوز الهند، وكانت لذيذة بحق. وعندما كانوا لا يزالون يتمتعون بصحة جيدة، كانت زجاجات الويسكي أو العرق تظهر بدورها.

كانت أمي تُدعى ليلى فاندا ميدينا. ليلى، أي الليل، وميدينا مثل مدينة النبي محمد، المدينة المنورة، أي “المدينة” بالعربية، وهو الاسم الذي يُطلق اليوم على الأحياء التاريخية القديمة.

كانت إيطالية الأصل، تنحدر من يهود سفارديون استقروا في مدينة ليفورنو الإيطالية قبل أن يصلوا إلى الإسكندرية في أواخر القرن التاسع عشر.

لكن كلمة “ميدينا” في العبرية تعني “الدولة”؛ دولة إسرائيل.

انتهت التعارفات.

كان المجتمع اليهودي في القاهرة متنوعًا من حيث الأصول العرقية والطقوس الدينية والمطبخ: مغاربة ويمنيون وسفارديون ومصريون، إضافة إلى يهود أشكناز أوروبيين لجأوا إلى مصر، وكذلك جماعات منشقّة مثل القرائين الذين لا يعترفون بالتلمود ويصلّون جلوسًا على السجاد على غرار المسلمين، بل وكان يوجد في الماضي أيضًا السامريون. وكانت لكل جماعة معابدها الخاصة.

كما كان المجتمع متنوعًا طبقيًا؛ من رواد المجتمع الراقي وبلاط الملك فاروق، الذين بلغ بعضهم مناصب وزارية مثل يوسف قطاوي باشا، إلى سكان حارة اليهود الفقراء الذين لم يكونوا أفضل حالًا من جيرانهم المسلمين والمسيحيين.

وكانوا يمارسون يهودية متسامحة تأثرت بالإسلام بل وبالتصوف أيضًا، كما امتزجت ببعض المعتقدات الشعبية الشرقية والأفريقية.

وعلى الرغم من أن أعظم فلاسفة اليهود على الإطلاق، موسى بن ميمون (الرامبام)، تولّى رئاسة الطائفة اليهودية في القاهرة لمدة ثلاثين عامًا خلال القرن الثاني عشر، فإنه لم يستطع أن “يطهّر” اليهودية المحلية بالكامل من هذه التأثيرات المختلفة. بل إن ابنه وخليفته أدخل إلى الكنيس تلاوات عربية وطقوسًا صوفية.

وكانت المكانة الروحية المنسوبة إلى الرامبام كبيرة إلى درجة أن جدتي كانت تمضي أحيانًا الليل متمددة على الأرض الحجرية في “غرفته” داخل المعبد السفلي الذي يحمل اسمه، “راف موشيه”. وكانت تدخله حافية القدمين، شأنها شأن كثير من المؤمنين، ومن بينهم مسلمون، أملاً بأن يزورها في المنام أو يلهمها رؤى أثناء الليل. وبعد ذلك كان أحد الحاخامات يتولى تفسير تلك الأحلام.

لم تكن مصر العثمانية جنّة ولا ديمقراطية، لكن الاقتصادي اللبناني جورج قرم والمؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية إيلان بابيه يدعوان إلى إعادة النظر في نظام “الملل”، الذي أتاح لمختلف الجماعات الدينية أن تدير شؤونها بقدر من الاستقلالية في المجالات الدينية والمدنية والقضائية، وأن تمتلك مؤسساتها الخاصة، كما كان الحال لدى الجماعات اليهودية في المشرق.

ويمكن القول إن المشرق العثماني كان أشبه بنسيج أو فسيفساء من الثقافات والأديان، لكل جزء فيه مكانه ووظيفته، وإن لم يكن الاختلاط بينها واسعًا.

ولعل في ذلك ما يمكن أن يلهم تصور إطار فيدرالي أو كونفدرالي يتجاوز الدول الفاشلة التي خلّفتها اتفاقيات سايكس ـ بيكو، ويفتح أفقًا أفضل لمنطقة الهلال الخصيب.

غير أن التدخل الاستعماري كان السبب في ظهور أولى الشقوق داخل هذا التوازن العثماني الدقيق.

وقد ظهر ذلك في الإسكندرية مطلع القرن التاسع عشر، حين انقسمت الطائفة اليهودية بين من أرادوا البقاء عربًا محافظين على لغة أسلافهم وعاداتهم، وبين من اعتقدوا أن المستقبل سيكون أوروبيًا، فتبنّوا نموذجًا مؤسساتيًا مستوحى من البندقية وتحت النفوذ النمساوي ـ المجري.

وبعد ثلاثين عامًا، وتحديدًا سنة 1872، فرض الخديوي إسماعيل توحيد الطائفة تحت رعاية الإمبراطورية النمساوية المجرية.

كان الغرب قد انتصر.

وهل في ذلك ما يثير الدهشة؟

ليس كثيرًا.

فقد كان الخديوي يحلم بأن تصبح مصر جزءًا من أوروبا.

وفي الوقت نفسه، سنة 1870، أصدرت فرنسا تشريعًا منح الجنسية الفرنسية لخمسة وثلاثين ألف يهودي في الجزائر، كانوا عربًا وأمازيغ، الأمر الذي أحدث أول قطيعة بينهم وبين إخوانهم المسلمين الذين ظلوا خاضعين لقانون “الأهالي” الاستعماري.

وقبل ذلك بقرون، في القرن السادس عشر، عقد الملك الفرنسي فرانسوا الأول اتفاقًا مع السلطان سليمان القانوني لحماية الرعايا الفرنسيين ومسيحيي المشرق داخل الدولة العثمانية. ثم توسّع هذا النظام ليشمل رعايا الدول الغربية الأخرى، فيما عُرف بنظام “الامتيازات الأجنبية”.

ونتيجة لذلك ظهرت في مصر محاكم مختلطة تتألف من قاضٍ أوروبي وآخر مصري، وكانت غالبًا أكثر تساهلًا مع الأوروبيين من المحاكم المصرية الخالصة.

ولهذا السبب، من بين أسباب أخرى، حصل عدد كبير من المصريين، ومن بينهم يهود، على جنسيات أجنبية، وكانت الجنسية الإيطالية الأسهل نيلًا. وقد تمكن جدي الأكبر من الحصول عليها مقابل المال بطبيعة الحال.

وفي مطلع القرن العشرين لم تكن هناك جنسية مصرية بالمعنى الحديث؛ إذ كان الجميع رسميًا من رعايا الدولة العثمانية تحت “الحماية” البريطانية.

بعد الحرب العالمية الأولى تأسّس حزب الوفد، الذي قاد الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني، وكان شعاره: “مصر للمصريين”. وكان سعد زغلول أحد أبرز قادته، وقد نفته السلطات إلى باريس.

وشارك عمي فيكتور، إلى جانب يهود آخرين ناشطين في الحزب، في التظاهرات بوصفهم مصريين كسائر المصريين، وهم يهتفون: “اخرجوا أيها الإنكليز!”.

وفي عام 1939، عندما نُظِّمت مسألة الجنسية المصرية بصورة رسمية، اختار كل من جدي وأبي الحصول عليها. أما آخرون فلم يفعلوا ذلك، أو نسوا الأمر ببساطة، فبقوا عديمي الجنسية، وهو ما كانت له عواقب مأساوية لاحقًا.

في تلك الفترة كان التعليم الديني اليهودي يعتمد أساسًا على الحفظ الآلي للنصوص من دون فهم معانيها. وكان من لا ينتبه يتعرض للضرب على يديه بالعصا. ولم يكن في ذلك ما يوقظ الفضول أو التفكير.

في المقابل، أنشأ اليهود الأوروبيون، ولا سيما الفرنسيون منهم، شبكة من المدارس اليهودية العلمانية لتعليم أبناء الطبقة الوسطى ومواجهة تأثير المدارس الكاثوليكية الفرنسية وغيرها، التي كانت تؤدي أحيانًا إلى اعتناق بعض الشباب اليهود المسيحية. وقد درس والدي في مدرسة يسوعية فرنسية تدعى “خورنفش”، كانت تُعدّ نخب البلاد.

كما أسسوا مؤسسات خيرية للأطفال الفقراء، مثل مؤسسة “قطرة الحليب” الشهيرة. وفي إطار هذا التوجه نحو التحديث والأوربة، أوجدوا بيئة خصبة لأفكار الحداثة والاشتراكية والماسونية… وكذلك الصهيونية.

داخل الطائفة اليهودية نفسها، بدأ بعض الشبان المتأثرين ببؤس الشعب المصري واستغلاله في تشكيل النواة الأولى لما سيصبح لاحقًا الحزب الشيوعي المصري. فقد كان الصراع الطبقي قائمًا بين اليهود أيضًا.

وفي تلك الفترة شهدت الطائفة اليهودية في الإسكندرية تظاهرة للعاطلين عن العمل، خرج فيها يهود يحتجون على المؤسسة اليهودية نفسها، مطالبين بالخبز والعمل. وكان كثيرون يعيشون في فقر مدقع ولا يعتاشون إلا بفضل الصدقات. وقد لاقت الماركسية صدى لدى الأجيال الشابة، التي كانت أقل قابلية لتقبّل الخطاب الصهيوني، باستثناء جزء من الأشكناز.

فما الدافع إلى الهجرة نحو أرض لا تبعد سوى ساعات قليلة بالقطار، بينما كانت الحياة هنا تسير على ما يرام، ولم يكن هؤلاء قد عرفوا أهوال الاضطهاد الديني التي عرفها يهود أوروبا؟

كان هنري كورييل واحدًا من أولئك الشباب، وأحد أبرز وجوه الماركسية المصرية. وعلى الرغم من دفاعه عن جمال عبد الناصر، فقد طُرد من مصر باعتباره عديم الجنسية.

وبعد استقراره في فرنسا، دعم نضال الشعب الجزائري من أجل التحرر، وساهم في تنظيم قنوات التمويل والمساندة، ثم أسس منظمة “التضامن الدولي” التي درّبت ناشطين من حركات التحرر في ما أصبح يُعرف لاحقًا بالعالم الثالث.

كما لعب دورًا في الاتصالات الأولى بين أحد أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية والجنرال الإسرائيلي السابق متي بيليد الذي تحول إلى ناشط من أجل السلام. وقد اغتيل في باريس عام 1978، ويُعتقد أن منظمة الجيش السري الفرنسية (OAS) كانت وراء اغتياله، لأنها لم تغفر له دعمه لجبهة التحرير الوطني الجزائرية، وربما تم ذلك بتواطؤ من أجهزة الدولة.

وفي الوقت نفسه، كانت القومية العربية من جهة، والإسلام السياسي الذي مثّله حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية عام 1928 من جهة أخرى، ردّين مختلفين على الاضطراب الذي أحدثه الاستعمار الأوروبي.

في المشروع القومي العربي كان لليهود مكان. أما في المشروع الإسلامي السياسي فلم يكن لهم ذلك المكان.

ومع تقارب التيارين تدريجيًا، أخذت الهوية المصرية الجديدة تكتسب طابعًا إسلاميًا حصريًا أو شبه حصري، ما جعل وجود اليهود يبدو شيئًا زائدًا عن الحاجة.

لكن القضية الفلسطينية أصبحت محور الأحداث خلال تلك السنوات، مع مشروع التقسيم سنة 1947، ثم النكبة سنة 1948، وما تلاها من تطورات زادت الوضع تعقيدًا.

ففي عام 1947، وقبل التصويت في الأمم المتحدة، حذّر الصحافي المصري محمد حسنين هيكل من أن اعتماد مشروع التقسيم سيؤدي إلى كارثة بالنسبة إلى يهود البلدان العربية.

وفي ذلك الوقت، لم تكن أي دولة إفريقية أو آسيوية تقريبًا قد حصلت على استقلالها بعد، ولذلك لم تكن ممثلة في الأمم المتحدة. ويرى هيكل أن قرار التقسيم، الذي وافق عليه ستالين أيضًا، كان خطأً فادحًا.

ففلسطين كانت عربية تاريخيًا، مع وجود يهودي ومسيحي قديم، ومع غالبية سكانية مسلمة، لكنها بقيت جزءًا من العالم العربي. أما فكرة “الدولتين”، التي تبنتها الأحزاب الشيوعية الأرثوذكسية، فما تزال في نظره مجرد وهم، وشعار يُكرّر بلا نهاية من دون مضمون حقيقي، ويجب تجاوزُه.

حتى عام 1948، لم تكن هناك توترات فعلية بين الجماعات اليهودية وبقية المصريين. وخلال الحرب العالمية الثانية، كان كثير من الناس يأملون بانتصار رومل على مونتغمري.

لكن ذلك لم يكن بدافع معاداة اليهود، كما يُقال أحيانًا، بل لأن الشعوب الخاضعة للاستعمار، سواء في إفريقيا أو آسيا أو أميركا اللاتينية، كانت مستعدة للتحالف مع أي قوة يمكن أن تضع حدًا للهيمنة الاستعمارية التي كانت تعتبرها لا تُحتمل.

ويرى هيكل أن هذه الحقيقة لا تزال عسيرة الفهم على كثير من الفرنسيين الذين لم يتقبلوا بعد خسارتهم الاستعمارية وفقدان الجزائر. ولم يصبح وضع اليهود في مصر صعبًا حقًا إلا بعد أحداث 1948: التطهير العرقي في فلسطين، والنكبة، والهزيمة العسكرية المصرية.

ثم ازداد الأمر سوءًا سنة 1956، عندما شاركت إسرائيل، متحالفة مع فرنسا وبريطانيا، في الهجوم على قناة السويس ومصر. عندئذ أصبح بقاء كثير من اليهود في البلاد أمرًا بالغ الصعوبة. فالذين لم يحملوا الجنسية المصرية، ومن بينهم عديمو الجنسية، طُردوا باعتبارهم أجانب، وصادرت الدولة ممتلكاتهم.

وفي العراق، في الوقت نفسه، نفذت عناصر صهيونية سلسلة من الهجمات على معابد يهودية، نُسبت إلى السكان المحليين، ما دفع أعدادًا كبيرة من يهود العراق إلى مغادرة وطنهم التاريخي، بابل، والتوجه إلى الدولة اليهودية الجديدة التي أُقيمت في قلب المشرق.

وفي مصر أيضًا، وقعت سلسلة من التفجيرات نفذها عملاء إسرائيليون وبعض اليهود المصريين، وسرعان ما كُشف أمرهم وأُدينوا، في ما عُرف لاحقًا بـ”فضيحة لافون”، وهو ما أثار القلق والاضطراب داخل الطائفة اليهودية.

كما شهدت شوارع القاهرة اضطرابات قادتها جماعة الإخوان المسلمين، وانتهت بحريق القاهرة سنة 1952.

لكن في عام 1954، تولّى جمال عبد الناصر قيادة مصر، وأصبح رمزًا للقومية العربية وأحد أبرز قادة حركة التحرر من الاستعمار في القرن العشرين، إلى جانب جواهر لال نهرو في الهند، وتشو إن لاي في الصين، وجوزيف بروز تيتو في يوغوسلافيا، وغيرهم.

وفي عام 1955، انعقد مؤتمر باندونغ الذي أطلق حركة عدم الانحياز، وهي حركة بدت آنذاك قوة تاريخية لا يمكن وقفها. وقد بعث ذلك موجة من الأمل في العالم العربي كله، ولا سيما في فلسطين.

وبالنسبة إلى عبد الناصر، كانت مصر، بهذا الترتيب، دولة إفريقية ثم عربية ثم مسلمة، بعيدًا كل البعد عن أوهام بعض أسلافه الذين كانوا يتطلعون إلى الانتماء إلى أوروبا.

فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، طالبت الشعوب المستعمَرة بحريتها بعدما دفعت ثمنًا باهظًا من الدماء في الانتصار على دول المحور.

وفي الثامن من أيار/ مايو 1945 نفسه، يوم الاحتفال بالتحرير في أوروبا، قمعت فرنسا بعنف تظاهرة في سطيف بالجزائر، كان المشاركون فيها يطالبون بالمساواة في الحقوق.

وبعد سنوات قليلة، ومع اتفاقيات إيفيان وحرب التحرير الجزائرية التي خلّفت مئات الآلاف من الضحايا وأدت إلى محاولة انقلاب داخل فرنسا، اضطر المستوطنون الأوروبيون إلى العودة إلى فرنسا.

أما اليهود الجزائريون، الذين لم يكن معظمهم قد وطئت أقدامهم فرنسا من قبل، فقد وجدوا أنفسهم مضطرين إلى “العودة” إلى وطن لم يكن وطنهم الحقيقي، ولم يكن يرغب في استقبالهم بحماسة.

هذا الشعور المزدوج بالمرارة – تجاه “العرب” الذين اعتُبروا سبب الرحيل، وتجاه فرنسا التي استقبلتهم بريبة – دفع كثيرين منهم إلى الالتفاف حول الدولة الجديدة التي هزمت الجيوش العربية عام 1967، أي إسرائيل، لأنها أعادت إليهم إحساسًا بالفخر والقوة.

في إسرائيل، يشكل اليهود الشرقيون (المزراحيم)، الذين يُطلق عليهم خطأً اسم “الشرقيين”، فئة يغلب عليها الطابع التقليدي والديني، وتتميز غالبًا بأسر كبيرة العدد.

وعلى رغم ذلك، فقد انحاز بعضهم إلى اليسار، مثل حركة شبابية مغربية الأصل استلهمت نضال الأميركيين السود في الولايات المتحدة خلال ستينات القرن العشرين واتخذت اسم “الفهود السود”.

كان آباؤهم قد جاؤوا من المغرب بعد وعود بحياة أفضل، لكنهم أُسكنوا في مجمعات سكنية متواضعة على أطراف البلاد، واستُخدموا قوةً عاملة رخيصة، فتحولوا إلى طبقة عاملة إسرائيلية جديدة.

وقبلهم، وصل اليهود اليمنيون، القادمون من مجتمع تقليدي للغاية.

هؤلاء رُشّوا بمبيد “دي. دي. تي.” فور وصولهم، وتعرضوا لضغوط قوية للتخلي عن ثقافتهم ولغتهم العربية، التي اعتُبرت “لغة العدو”.

كما ظهرت اتهامات تتعلق باختفاء أطفال يمنيين وتسليمهم لعائلات أشكنازية أوروبية لتربيتهم، وهي قضية ما زالت تثير جدلًا واسعًا في إسرائيل حتى اليوم.

أما القادمون من العراق وإيران وكردستان وسوريا وتونس والجزائر والمغرب ولبنان، فقد وجدوا أنفسهم أيضًا أمام دولة تطالبهم بالتخلي عن هوياتهم الأصلية وثقافاتهم الخاصة كي يصبحوا مقبولين داخل المجتمع الجديد.

هذه العملية كانت شكلًا من أشكال الاغتراب المؤلم، وربما ساهمت في نشوء أزمات نفسية واجتماعية عميقة.

ومن دون الخوض في تحليلات نفسية جماعية معقدة، يقترح أن قمع الهوية الأصلية واللغة والثقافة يشبه نهرًا جوفيًا يظل مخفيًا زمنًا طويلًا قبل أن يعود إلى السطح في لحظة ما.

كانت إيلا شوحاط، وهي أكاديمية إسرائيلية من أصل عراقي، من أوائل من درسوا قضية المزراحيم من منظور سياسي واجتماعي.

وقد تصورت إمكانية قيام تحالف بين اليهود الشرقيين المضطهدين وبين الشعب الفلسطيني، بوصفه الضحية الأولى للمشروع الصهيوني.

ولهذا الغرض، زارت مدريد في أوائل التسعينات والتقت بعدد من المثقفين المقربين من منظمة التحرير الفلسطينية، ومن بينهم الشاعر الفلسطيني محمود درويش. غير أن عوامل عدة حالت دون تحقق هذا المشروع.

أول هذه العوامل أن المؤسسة الصهيونية الحاكمة كانت تقدم نفسها باعتبارها “يسارية” وتقودها الحركة العمالية، مع اتحاد الهستدروت بوصفه رمزها الرئيسي.

وبسبب التمييز الذي عانى منه المزراحيم على يد هذه النخب، أصبح كثير منهم ينفرون من كل ما يرتبط بالاشتراكية أو اليسار.

أما العامل الثاني، فتمثل في أن المحافظين والمتدينين وجدوا تمثيلهم السياسي داخل حزب شاس الديني وحزب الليكود.

وقد أدرك مناحيم بيغن منذ سبعينات القرن الماضي ثقل المزراحيم الانتخابي، فعمل على استقطابهم، ولا تزال صوره معلقة في كثير من أسواق القدس الشعبية.

أما العامل الثالث، فكان وصول جماعات مهاجرة جديدة، ومنها يهود إثيوبيا الذين وجدوا أنفسهم في أسفل السلم الاجتماعي أكثر من غيرهم.

وفي أسفل هذا السلم بقي الفلسطينيون، السكان الأصليون للبلاد، كما يحدث غالبًا في المجتمعات الاستيطانية الاستعمارية.

على الرغم من كل ذلك، تمكن بعض اليهود الشرقيين من الارتقاء اجتماعيًا، وتزاوج كثير منهم مع أشكناز، ولم يعد الوضع اليوم كما كان قبل أربعين أو خمسين عامًا.

ويمكن القول، مع هامش محدود من الخطأ، إن غالبية سكان إسرائيل اليوم، أو ما لا يقل عن نصفهم، ينحدرون من أصول يهودية عربية أو شرقية، وإن جزءًا كبيرًا منهم يتبنى اليوم أكثر أشكال الصهيونية يمينية، بما في ذلك فكرة “إسرائيل الكبرى” وبعض تصورات ما يسميه “اليهودية القومية”.

ومع ذلك، لا يوجد حزب سياسي مزراحي خالص يماثل، على سبيل المثال، الحزب الذي يمثل المهاجرين الروس، “إسرائيل بيتنا”.

وعلى رغم ذلك، تبقى مسألة الهوية المزراحية مهمة للغاية، لأنها تكسر السردية الصهيونية الأوروبية التقليدية التي تقدم اضطهاد اليهود بوصفه ظاهرة أبدية وغامضة لا تشبه أي شكل آخر من أشكال العنصرية المعروفة.

ويشير التاريخ إلى أن أراضي الإسلام، أو “دار الإسلام”، كما في الإمبراطورية العثمانية والأندلس، لم تشهد فقط تعايشًا بين المسلمين واليهود، بل شهدت أيضًا فترات ازدهار حقيقي للحياة اليهودية تحت الحكم الإسلامي.

وقد أدى ذلك إلى ظهور حضارة يهودية عربية أو يهودية إسلامية أصيلة.

مفهوم “الحضارة اليهودية ـ المسيحية”، الذي أصبح شائعًا في الخطاب الغربي الحديث، هو بناء فكري حديث نسبيًا، يهدف إلى تهميش البعد الإسلامي في تاريخ اليهود، وكأن هذا التاريخ كان أوروبيًا وأبيضَ حصريًا.

كما يرى أن هذا المفهوم يسمح بتجاهل قرون طويلة من الاضطهاد الذي تعرض له اليهود داخل أوروبا المسيحية.

ومن هذا المنظور، فإن تاريخ اليهود العرب يكشف، في رأيه، عن البعد الأوروبي المركزي والعنصري الموجود داخل الصهيونية الإسرائيلية، سواء في تعاملها مع الفلسطينيين أو مع كل ما يذكّر بالثقافة العربية اليهودية بين مواطنيها المزراحيم.

ولو أمكن تبني مقاربة مختلفة، لأصبح من الممكن إعادة اكتشاف شكل من أشكال اليهودية أكثر انفتاحًا وتسامحًا، شبيه بما عرفته مصر في الماضي؛ يهودية تأثرت بالإسلام كما تأثرت بالتراث اليوناني والروماني، وتنتمي إلى فضاء البحر الأبيض المتوسط المتعدد الثقافات.

الكاتب الإسرائيلي ألون مزراحي، الذي يدعو إلى تجاوز ما يراه ثقافة قائمة على الإحساس الدائم بالضحية.

ومن وجهة نظر مزراحي، فإن مثل هذا التحول من شأنه أن يضعف ما يسميه “اليهودية القومية”، التي يشبّهها بمخلوق فرانكنشتاين خرج عن سيطرة صانعه وانخرط في مشروع توسع وعنف لا حدود له.

علينا إحياء إرث اليسار الحقيقي في المنطقة، واستعادة مساهمات الحركات اليهودية العراقية والمصرية المناهضة للصهيونية والفاشية خلال ثلاثينات القرن العشرين، وكذلك استذكار شخصيات مثل إبراهام السرفاتي وهنري كورييل، كما علينا بلورة استراتيجية مشتركة للنضال المناهض للاستعمار تجمع الفلسطينيين واليهود الرافضين للصهيونية ضمن إطار أوسع لتحرير الشعوب من الهيمنة الإمبريالية.

ويذكّر بأن منظمة التحرير الفلسطينية أعلنت عام 1974 أن اليهود الراغبين في البقاء داخل فلسطين المحررة يمكنهم أن يكونوا جزءًا من دولة جديدة قائمة على المساواة في الحقوق.

وبعد أكثر من ثلاثين عامًا على اتفاقيات أوسلو، وفي ظل الحرب المستمرة في غزة والإبادة الجماعية الجارية، فإن السلام لا يمكن أن يتحقق مع دولة يصفها بأنها استعمارية وتفوقية، وتؤكد قوانينها أن حق تقرير المصير في فلسطين التاريخية يعود حصريًا الى الشعب اليهودي.

فإذا احتفظ الشعب الفلسطيني بما يكفي من الكرم، وإذا خضع اليهود الإسرائيليون، ولا سيما المزراحيم، لمراجعة عميقة لمعتقداتهم السياسية وتصالحوا مع أصولهم وهويتهم الأولى، فقد يصبح من الممكن بناء دولة علمانية يعيش فيها الجميع على أساس المساواة الكاملة في الحقوق، مع الاعتراف بالأضرار التي لحقت بالضحايا والعمل على جبرها.

يهود وعرب، معًا، في الوقت نفسه.

إن شاء الله.


لوران كوهين ميدينا، وُلد في باريس عام 1960 لأم إيطالية وأب مصري. درس الفنون الجميلة وعلوم التربية في برلين الغربية، ويقيم في برشلونة، إسبانيا، منذ عام 1991.

يعمل مترجمًا تحريريًا وفوريًا، وكان من المساهمين الأساسيين في تأسيس منظمة تجمع يهودًا وفلسطينيين في برشلونة عام 2009. ومنذ ذلك الحين، ينخرط كوهين بشكل واسع في حركة التضامن مع فلسطين، وفي جهود ترسيخ حركة يهودية دولية مناهضة للصهيونية.

كما يعمل على تفكيك الخلط بين الاحتجاج على سياسات إسرائيل ومعاداة السامية، ويرى في تقاليد اليهودية العربية مدخلًا لمساءلة الرواية الصهيونية الرسمية.

نُشر هذا المقال بالإسبانية، وهنا نعيد نشره بالعربية بطلب من الكاتب. 

|

اشترك بنشرتنا البريدية