في الاقتتال الأهلي الحاصل في السويداء ومحيطها، أي في المكان والزمان والمعنى الغلط، ومع كلّ الفظائع التي تضمّنته من قتل وتدمير وتشريد، ظنّ السوريون أنهم باتوا بمنجى منه بعد إسقاط نظام الأبد الأسدي الاستبدادي، ثمّة رصاصة أرادت قتل سوريا، وقتل معناها. كان حامل السلاح يسأل الضحيّة، الذي أخذه الرعب، عن هوّيته، فيجيبه بأنه سوري، كأنه بذلك يُفصح عن الهوّية التي تجمعهما، والتي يُفترض أن تعرّف بأنهما شريكان في الأرض، وفي البلد، وفي الآلام والآمال، لكنّ حامل السلاح في هوجته، كان يبحث عن هوّية أخرى، تبرّر الضغط على الزناد، وإطلاق رصاصة القتل، وهي هوّية ما قبل قيام سوريا كدولة، وكوطن لجماعة بشرية باتت تُعرف بالسوريين.

هذه الحادثة المؤلمة، والفظيعة بتفاصيلها وأبعادها، بين قاتل ومقتول، ومثلها حادثة اقتلاع جماعة بشرية من أرضها، ليست مجرّد حادثة فردية أو عرضية، من أي جهة أتت، أو مجرّد حادثة قتل أعمى، كما في كلّ الحروب الأهلية، إنما هي دلالة على شيء أكبر وأخطر، هي دلالة على قلق الهوّية في بلدان المشرق العربي.
في الحقيقة، ثمّة قلق هوّياتي مزمن في بلدان المشرق العربي، وبخاصّة في سوريا، بالنظر إلى النظام الذي تحكّم بالدولة وبالشعب وبالبلد طوال أكثر من خمسة عقود، إذ لم يعترف بحدود، بادّعاء أيديولوجية القومية، وبادّعاء القيام بدور قومي، ولم يعترف بمكانة المواطنة لمن يُفترض بأنهم مواطنوه في البلد، مما أدّى إلى تشوّش وجدان السوريين وإدراكاتهم السياسية.
هكذا، لم يستطع السوريون أن يكونوا عرباً بمعنى الكلمة، وفقاً لشعار البعث الأثير: “أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، لكنّهم، أيضاً، لم يستطيعوا أن يكونوا سوريين، والأهمّ من هذا وذاك أن أغلبيتهم ظلّت تُراوح عند هوّياتها الأوّلية الطائفية والإثنية والعشائرية، وكلّها هوّيات ما قبل الدولة والمواطنة والتمدين.
القصد أن القاتل، وهو على الأغلب، يجهل معنى سوريا، أو أن التعصب لهوّيته ما قبل السورية أصابه بالعمى، أتى من زمن مضى، أو من زمن تجمّد عند ما قبل قيام الدولة السورية في منتصف أربعينيات القرن الماضي، وهو آتٍ من منطقة محرومة، أو هامشية، أو كأنها خارج التاريخ، في أطراف سوريا، في الشمال والجنوب والشرق، بسبب قيام سلطة مركزية أكلت، أو استولت على كلّ شيء.
تتحمّل القيادة الانتقالية المسؤوليّة عمّا جرى في منطقة السويداء، لكونها هي المسؤولة عن كلّ شيء في البلد، فهي التي ذهبت نحو خيار الحلّ الأمني، بدل البقاء عند خيار الحوار والحلّ السياسي وإيجاد مخارج للمشاركة المشرّفة، التي لا تخلّ بمكانتها كسلطة، ولا تقلّل من حقّ ناس تلك المنطقة بتمثيل ذاتها عبر شخصيّات مدنية، لا دينية ولا طائفية، علماً أنها من المناطق المحسوبة على الثورة السورية، والتمرّد على نظام بشّار الأسد، بخلاف ما حصل في الساحل، مع عدم التبرير للانتهاكات في أي مكان، من أي طرف كان، وهو الأمر الذي كان اعترف به الرئيس السوري ذاته، واعداً بتقّصي الحقائق، مع وعد بمعاقبة المنتهكين.
أيضاً، القيادة هي المسؤولة، لأنها لم تفِ بتعهّداتها بوحدانية السلاح، ولأنها سمحت بخلق نوع من ازدواجية السلاح، عبر ما يسمى بـ”فزعة العشائر”، الأمر الذي سينعكس سلباً، في حال استمراره مستقبلاً، على سيادتها على أراضيها وحقّها في احتكار السلاح، كما سينعكس سلباً على وحدة الشعب السوري.
وأخيراً، هي المسؤولة عن سؤاله القاتل، الذي لم يقتل الرجل/ الضحيّة فقط، إنما قتل معه الدولة التي تمثّلها القيادة الانتقالية، وقتل معه معنى الوطنية والمواطنة، ومعنى سوريا ذاتها.
لم يكن حديث القيادة الانتقالية عن حماية الأقلّيات، أو المساواة بين مكوّنات سوريا، موفقاً، فهذه اللغة قديمة ومستهلكة، وهي على الأغلب تأتي لترضية الخارج، في حين تتأتّى هيبة الدولة من علاقتها بشعبها، ومن تقديمها “التنازلات” أو الحقوق له، وليس العكس.
والحقيقة أن السوريين بعد كلّ ما عانوه من نظام الاستبداد والإبادة الأبدي، من محو للسياسة والمشاركة، يستحقّون من قيادتهم الجديدة تمكينهم من حقوق المواطنة، والتعامل معهم ليس كمكوّنات جمعية، تستلب حقوق الفرد لصالح جماعات هوّياتية أوّلية، إنما كمواطنين أفراد، أحرار، ومتساوين، لإن إدراك هذه الحقيقة هو الذي يؤسّس للاستقرار وولادة سوريا الجديدة.
تلك هي الصيغة الكفيلة باستعادة السوريين حرّيتهم وكرامتهم، بغضّ النظر عن انتماءاتهم الأوّلية الطائفية والإثنية والعشائرية والمناطقية، وهذا هو ما ينزع فتيل التفجير في الساحل والجنوب والشرق السوري، أي بجعل الجميع يتمسّكون بحبل الوطنية السورية، باعتبار سوريا وطناً للجميع كأحرار ومتساوين، من سنّة وشيعة وعلويين ودروز واسماعيليين وأرثوذوكس وكاثوليك وبروتستانت، أو من عرب وكرد وتركمان وأشوريين وسريان، نساء ورجالاً.
لنلاحظ أننا قضينا عمراً ونحن نُحيل على الاستعمار، وعلى اتفاقية سايكس ـ بيكو مسؤوليّة التجزئة و”فرّق تسد”، التي قسّمت المشرق العربي، وحالت دون قيام وحدة عربية أو إسلامية، بحسب ما علّمتنا الأنظمة، في حين هي التي تتحمّل مسؤوليّة عدم قيام الدولة في بلداننا بوصفها دولة مؤسّسات وقانون ووأد مكانة المواطنة وحقوقها، وإبقائنا عند حيّز الهوّيات الأوّلية، حيث كلّ جماعة هوّياتية في مواجهة أخرى، في تطبيق عملي لسياسة “فرّق تسد”! ولعلّ حازم صاغية كان على حقّ عندما تحدّث ذات يوم عن أن الاستعمار “وحّد أكثر مما جزّأ أو مما فرّق” في بلداننا.
إقرأوا أيضاً:












