في 2013، عندما بدأ فلتان الحرب في سوريا، اعتقلت المخابرات السورية إحدى صديقاتنا. وعلى الفور، بادر صديق مشترك خبير بأمور الرشوة، أي خبير بمن يقبل الرشوة وما هي تسعيرة كل حالة، بالذهاب إلى فرع الأمن كي يرشي الضابط المسؤول هناك وإطلاق سراح صديقتنا. وبعدما أخذ الضابط النقود وبدأ بإجراءات الإفراج عنها، سأله الصديق: “سيدي، شو هي التهمة التي اعتقلتم من أجلها صديقتي؟”. أجاب الضابط: “النيل من هيبة الدولة!”.
تفاجأ صديقنا وتحدّث بلهجته الشامية المسايرة، والتي تهدف إلى تهدئة النفوس: “شو نيل ما نيل سيدي؟ الكل عم نيل! أنا عم نيل، وأنت عم تنيل! والتلفزيونات والعالم بالشوارع عم تنيل! مو بيناتنا النيل سيدي هالأيام، والكل عم نيل الكل”.
بعيداً عمّن نال مِن مَن، حيث الجميع يتصارع مع الجميع، والجميع ينيل من الجميع، ما هو أمر هيبة الدولة هذه؟ تختلط الكلمة بين الهيبة كمصدر للفخر وهيئة تفرض الاحترام والتبجيل، والهيبة التي تأتي ممن يهاب أمراً أو يهاب هذه “الهيئة نفسها”.
المضحك في موضوع هيبة الدولة أنها لا تأتي إلا في سياق التهمة، ولا يتم التطرق إليها إلا عندما يشعر من هم مسؤولون في دولة ما بأنهم غير مهابين، وأنهم معرضون للسخرية أو الانتقاد أو المساءلة. فلا تأتي هيبة الدولة من هيبتها حقيقة، بل من إقناع الناس بأنها يجب أن تكون مهابة. وتزداد جرعة الطلب للحصول على الهيبة كلما تضعضعت هذه الدولة.
لعلّ تهمة النيل من هيبة الدولة إحدى التهم الأكثر تداولاً للاعتقال وإذلالاً للناس وتكميماً للأفواه، وكأن النيل من هيبة الدولة شماعة لفرض الترويض على الناس، من دون أن يعرفوا من هي الدولة التي لا يجب النيل منها. هل هي شخص الرئيس؟ هل هي الحكومة؟ هل هي المخابرات؟ (بخاصة أن عناصر مخابرات الأسد كانوا الأشهر بربط أنفسهم بالدولة: نحنا الدولة ولاك! وعناصر الدولة الحالية تبنوا الموقف نفسه ليصبحوا مع الدولة)؟ هل هي الوطنية وإحساس الانتماء؟
ولعل السؤال الآن: هل يهاب رئيس الجمهورية الدولة؟
وكما كانت تهمة “النيل من هيبة الدولة” الاكثر استخداماً أثناء حكم الأسد، استمر استخدامها في “سوريا الجديدة”، إذ وجّهها النائب العام في دمشق إلى جانب تهم أخرى، إلى الناشطة غادة الشعراني، بعدما صرخت بوجه محافظ السويداء، كما وُجهت إلى الصحافية نور سليمان إثر منشور على فايسبوك مع أمر بتوقيفها.
الدولة فكرة عابرة للرؤساء والحكومات، لكن في تجربتنا السورية ومع وجود آل الأسد في سدة الحكم لما يزيد عن النصف قرن، تم الانجراف لخلط التسميات والمفاهيم والكلمات، لتصبح الدولة وهيبتها أمراً هلامياً متداخلاً بين شخص الرئيس وعناصر الأمن والحكومة والوزراء، وكل ما هو بعيد عن الناس وعن الأرض.
وكي تكون الدولة دولة، لا بد لها من خصائص عدة، أهمها وجود الشعب، بالإضافة إلى الأرض ومفهوم السيادة والقانون. أما في سوريا المتهالكة، فهناك إصرار على وجود هيبة لدولة قائمة على جيش مفكّك، وسيادة منتهكة وأراض مسلوبة وفئات شعبية بدأت بفقدان الثقة بالعلاقة مع الحكومة السابقة والحالية، وبالتشاركية. وبعدما أصبح موضوع الدولة مهدداً بتعنّتها على عدم التشاركية، وأصبحت الأرض منتهَكَة من أقوى جيوش العالم بما فيها الجيش الأميركي والروسي والإيراني والتركي وأقوى الميليشيات الأجنبية، بات الشعب هو المسؤول عن أن تكون لهذه الدولة هيبتها.
كان على السلطة الجديدة أن ترتكز على العوامل التي بقيت للعبور بسوريا إلى احتمالات أفضل مما نشهده الآن. وكانت المفاجأة السعيدة التي أزهت السوريين، أن احتمال الاقتتال والحرب الأهلية والانتقامات والفلتان الطائفي لم يحدث في الأشهر الأولى. وأحد أهم عوامل هذه المفاجأة كان الشعب نفسه، والمجتمع المنهك من حرب وفلتان أمني وشحن طائفي، والمتطلع إلى الراحة وعودة الخدمات والرغبة في حياة السلم.
لم يتم البناء على هذا العامل مع سلطة الأمر الواقع، ومع رفض التشاركية والتعنت، بدأ الشعب يتململ. وتدريجياً، وبعدما فقدت الدولة سيادة الأرض بقصف إسرائيلي أينما اتّفق، وتوسع رقعة الميليشيات وضياع دور الجيش، وغياب واضح لدور القانون والمحاسبة، بدأت الدولة بخسارة الشعب، عندما شعر هذا الشعب أنه بات مطالباً باحترام هيبة الأمر الواقع، أو هيبة سنية الدولة.
عندما تشكّلت الحدود السياسية للدول، كانت فكرة السيادة هي المعيار الأول لاستقرار الدول وحكامها وشعوبها. وكانت الهيبة المفترضة موجّهة إلى الدول التي تفكر بشن الحروب عليها، وبالتالي كان لا بد لأي دولة أن تحفظ كرامتها عبر حماية حدودها، وتدافع عن استقلال قرارها، وتظهر قدرتها على ردع أي تهديد خارجي. لم تكن الهيبة حينها مرتبطة بسلوك الأفراد داخل الدولة تجاه حكامهم، بل كانت تعبيراً عن توازن قوى، وسيادة فعلية، وحرص على عدم التبعية.
لكن مع مرور الزمن، وخصوصاً في دول ما بعد الاستعمار أو الدول ذات الأنظمة الشمولية، نُقلت فكرة الهيبة من مجال العلاقات الدولية إلى المجال الداخلي، فصارت الهيبة تُقاس بمقدار الخوف الذي يشعر به المواطن تجاه السلطة، لا بمكانة الدولة في محيطها. حصل هذا التحول حول السيادة من أداة لحماية المجتمع إلى وسيلة لتقييده.
إقرأوا أيضاً:
ركزت غالبية الآراء العالمية عند مقاربة شكل الدولة، على السيطرة على حدود البلاد، وعلى استحواذ العنف، ولكن لم تتطلب الدولة هذه الهيبة عندما بدأ التفكير بها، ولم تتطرف الدول بمسألة الهيبة إلا في الحالات التي وقعت الدولة فيها تحت حكم سلطات شمولية. وكانت أكثر الدول التي أصرت على ضرورة وجود هيبة لها في عصرنا الحديث، هي الدول العربية. فضمن دول قلقة، تبدو بعيدة عن الفكر المؤسساتي، تختلط مكانة الرئيس على سبيل المثال بمكانة الزعيم وتصبح هيبة منصب الرئيس مرتبطة بالهيبة من الزعيم.
وكان عبد الناصر السباق إلى تحويل صورته من رئيس إلى زعيم. وتوالت الأمثلة بعده من حافظ الأسد، إلى صدام حسين، إلى القذافي، ولدينا الآن أحمد الشرع الذي تورط، عن قصد أو بدون قصد، بهذا الخلط بين الرئيس والزعيم. وبهذا التحول من الرئيس إلى الزعيم، يصبح هذا الزعيم رمزاً للسيطرة على الجماعة، وتصبح الهيبة هيبة من زعيم لا من منصب بيروقراطي اسمه رئيس الدولة.
وفي حالتنا وأمام الهرولة نحو تسميات مثل السيد الرئيس، والدولة، ومؤسسات الدولة، وجيش الوطن، ومع وجود فراغ واضح أمام قدرة هذه التسميات على أن تكون فعالة وملموسة، يصبح التجييش تجاه هذه العبارة مسؤولية شعبية. وهناك الكثير ممن بتنا نراهم على السوشيال ميديا أو على البرامج الحوارية التلفزيونية وهم يتحدثون عن هيبة الدولة، وكأن هذه الهيبة هي هيبتهم الشخصية. ويتم الاستطراد في هذا التجييش من دون المساءلة الأولية: لماذا يجب على المواطن أن يهاب دولته؟ ولعل السؤال الأهم: ألا يجب أن تهاب الدولة مواطنيها؟
مع استسهال اللغو وتبني مفردات من منطلق التعود عليها، بتنا وسط الكثير ممن يريدون أن يعيشوا في دولة فعلاً، ولكن وقبل المطالبة بألا يمس أحدهم هيبة الدولة، على الدولة أن تكون دولة، بمؤسسات وآليات محاسبة، وفصل السلطات، وإحساس مشترك بالرغبة في أن نكون في دولة ينتمي إليها سكانها، بغض النظر عمّن يحكمها. فالمؤسسات الحقيقية تضمن العلاقة التشاركية بدلاً من أن تبقى الدولة مرتبطة برؤساء يأتون ويمضون.
هناك رموز تاريخية ساهمت في تأسيس الدول أو إعادة تشكيلها. وعلى رغم المكانة الرمزية والكارزمية الكبيرة التي اكتسبوها، لم يكن هناك سن لقوانين دائمة تحظر انتقادهم أو السخرية منهم في معظم الدول الديمقراطية. ولم يحدث أن حاكمت دولة ديمقراطية بحدود مهابة في العالم أحد مواطنيها بتهمة النيل من هيبة الدولة. تم تناول هذه الشخصيات المؤسسية والكارزمية في أعمال أدبية وصحافية ونقدية وكاريكاتورية متعددة. وعلى رغم أن بعض هذه الأعمال أثارت جدلاً أو استياءً مجتمعياً، إلا أن التعامل معها بقي على الغالب ضمن نطاق النقاش العام، لا التجريم القانوني.
لكن في أنظمة مثل النظام السوري، تسود حالة من الحذر المفرط تجاه “تهمة” النيل من هيبة الدولة. وقد تم توسيع هذا الحذر ليشمل أفراداً وجماعات باتوا يعتبرون أي نقد لشخص الرئيس بمثابة إهانة شخصية لهم، أو إهانة جماعية لمجتمع بكامله. ذلك لأن المفاهيم قد اختلطت، فتم اختزال الرئيس في الدولة، والدولة بمؤسساتها متداخلة مع عواطف الوطنية، ويصبح أي نوع من السخرية أو النقد لأي من هذه التسميات المختلطة والمتداخلة ببعضها، مساساً بالهوية الجمعية.
ويزداد الأمر تعقيداً مع وجود سلطة الأمر الواقع التي أتت من تاريخ سلفي وكانت فرعاً من القاعدة. هل يعتبر هذا الكلام الآن نيلاً من هيبة الدولة؟ وإن قلنا الجولاني بدلاً من الرئيس أحمد الشرع، هل نكون قد نلنا من هيبة الدولة؟ هل بات اسمه الجهادي والذي جعل منه رئيساً، نيلاً من هيبة الدولة؟ وهل يعتبر توصيف سلطة الأمر الواقع تهمة أيضاً؟
قد يسود الاعتقاد بأن الإجابات عن الأسئلة السابقة وتوجيه الاتهام، محصوران على من يتحسسون من النيل من هيبة الدولة، ومن يعتبرون أنفسهم الدولة. ولكن الإجابة الحقيقية هي أن تكون هناك دولة، وإلا لن يبق لنا إلا محاولات مخجلة للتستير على هيبة سوريا المنتهكة.
إقرأوا أيضاً:












