“التباكي على الخسائر والضحايا إبّان مواجهة ومقاومة العدو المجرم يصبح عزفاً وتحريضاً مجّانياً ورقصاً على جراح الشرفاء، وتهليلاً وتوظيفاً لئيماً وحاقداً لجرائم وغارات العدو”.
رئيس كتلة “حزب الله” النيابية محّمد رعد
لا شيء أقسى من أن نُمنَع من أن نحزن، ولا أعني هنا الحزن على الفَقْد وعلى الموت فقط، إنما أيضاً على خسارات تشمل البيت والأرض والذاكرة والماضي والحاضر والمستقبل.
نعم “حزب الله” يمارس علينا نحن شركاءه في الأرض وفي البلاد وفي الأهل والذاكرة، حظراً من نوع جديد، لم يسبق أن فرضته ديكتاتوريات على رعاياها، هو الحقّ في الحزن والألم! ليس ما نقصده هنا استنتاج مُوَلّد من فكرة أبعد قليلاً منه، فالمنع من الحزن ممارسة مباشرة وموثّقة بوقائع وأوامر صادرة عن الحزب. حزنك على فقدك وعلى خساراتك هو بمثابة “وهن لعزيمة الأمّة”. وصار للمنع جمهور ووسائل ضبط وشرطة وآليّات ولغة، والأهمّ صار الناس يخافون من المجاهرة بالحزن.
جاهزية هائلة للتعامل مع أيّ محاولة للتعبير عن الألم والحزن. جيوش إلكترونية، وأبواق ومؤثّرون، وشرطة “الانتصار” مبثوثة على وسائل التواصل، وفي مراكز النزوح، وعلى شاشات التلفزيون، وما يسمعه الصحافيون أمام الكاميرا مختلف عما يسمعونه حين يُطفئونها.
ما قاله رعد ليس أكثر من إحالة سياسية لممارسات يشهد عليها أيّ صحافي حاول الاقتراب من مناطق النازحين، ومن مخيّمات الإيواء والمدارس والمنشآت التي لجأوا إليها. فعلى باب كل منشأة يقف ناشطون من الحزب يمنعون أيّ صحافي من الاقتراب بمفرده من الناس واستصراحهم، منعاً لاحتمالات “وهن عزيمة الأمّة” بكلام عن التأسّف والألم على الخسائر التي جرّتها الحرب عليهم. وحدّد الحزب لوسائل الإعلام تدرّجاً في اختيار العبارات، وصف القتيل بالضحيّة خيانة، واعتباره شهيداً لا بأس به شرط أن تُسبق العبارة بكلمة ارتقى، لا بكلمة سقط، أما ما يريده الحزب فهو أن تُسبق عبارة الشهيد بعبارة السعيد.
يشعر “حزب الله” أن للحزن وظيفة سياسية لا تنسجم مع صورة الانتصار الذي يعلنه كل يوم. لكن أن نُمنَع نحن أمّ الصبي، من أن نُخرج ما تبقّى لنا من أنفاس وآلام، فهذا ما لم يسبق أن مورس على أحد. ثم إننا نحن الجنوبيين، لا بل الشيعة، أبناء الألم، ولم يسبق أن أخفينا حزننا على جدّنا الأوّل، فإذا بأحفاد يتنكّرون لهذا الإرث لأنه لا ينسجم مع انتصار لطالما زهدنا به، ولطالما لم نطلبه منذ عاشوراء، ولطالما أشهرنا حقّنا في البكاء، وزهدنا بما خلّفته المقتلة الأولى من “انتصارات” سجّلها مرتكبوها.
البكاء شعيرة الشيعة الأولى، وهم ذهبوا بها إلى حدود الندب والتطبير، ومنذ الفجيعة الأولى لم يطلبوا سلطة أو دولة، وإذ بمولودهم الجديد ينحرف بهم، طلباً لها وبذلاً لفجيعتهم الجديدة في معركة الدفاع عن ولاية فقيه لم يسبق أن أعطوه الولاية.
صعب ما يطلبه “حزب الله” منّا! فعلاً صعب. فالمشهد في الجنوب لا يحتمل منع الحزن، والألم أقوى من الجهد لتوريته. كيف بإمكان ابن بنت جبيل أو القنطرة ألّا يعتصره الألم. وعلى رغم ذلك، فإن ترسانة المنع ناشطة على نحو خطير. أيّ محاولة للبكاء يُردّ عليها بجيوش من “المنتصرين”، مستعينين بلغة أطلّت فجأة علينا مزوّدة بقاموس من العبارات التي استُدخلت لتلبّي مهمّة منع الحزن.
الضحايا تجاوزوا تعريف الشهداء وصاروا “سعداء”، وقتلانا لم يسقطوا إنما “ارتقوا”، وعبارات العزاء من المستحبّ الاستعاضة عنها بعبارات التهنئة.
نعم، هل تعرفون أن أهل الفقيد لا يجرؤون على تلقّي العزاء، ونحن المعزّين مجبرون على الاستعاضة عنها بالتهنئة! أيّ واحد منا لا يملك القدرة على تقديم التبريكات بالموت، من المستحسن أن يتفادى واجب العزاء.
هل من الممكن أن ينجح الحزب في منع الحزن؟ قد ينجح بإخفائه، طالما أن ثمّة من ينتظره ليحوّله إلى جوهر سياسي يستهدف الجماعة. لكنّ الفجيعة كبيرة ومن المستحيل ألا تتوَّج بالألم، فماذا نحن فاعلون! هل بإمكاننا أن نعيش بوجدانين، واحد لأنفسنا وثانٍ للأغيار؟
المطلوب منا أن نظهر أمام الكاميرات بوجوه مبتسمة ومنتصرة، وأن نأوي إلى فراشنا في الليل ونباشر البكاء على خسارتنا كل شيء. وأيّ وعي أو لا وعي سيشكّله هذا الفصام الذي وقعنا فيه، فصام الضحيّة المنتصرة؟
الخسارات كبيرة كبيرة، والمستقبل مفتوح على مزيد منها. الحزب قد ينتصر، من يدري، لكن ماذا عنّا نحن؟ ماذا عن أهل القنطرة التي كانت تلّة وصارت وادياً؟ وماذا عن المنازل التي هُدمت للمرّة الثالثة، والتي بُنيت بجهود استمرّت لعقود وعقود، ثم سوّاها الاحتلال بالأرض؟ الحزن والألم أقوى من إرادة الحزب بمنعهما. الجنوبيون يئنّون ويترنّحون تحت ركام منازلهم وفي أماكن نزوحهم… “النصر” تفصيل صغير أمام حجم النكبة.
الخسارة أعمق من هزيمة حزب ومن انتصاره، وأعمق أيضاً من تغيير مشهد راهن لقرية أو مدينة. لقد جُرفت حياة جماعة بكاملها، والحياة ليست ما تشهده البلدة في اللحظة التي سبقت تفجيرها، إنما ما تعاقب عليها من أجيال وحكايات ولهجات وإرث وملكيّات.
نعم نحن حيال وحش سبق أن اختبر الاجتثاث لدى جيراننا أهل الجليل، الذين نقلوا قراهم إلى المخيّمات، فصارت صفد حيّاً في مخيّم عين الحلوة، ويجاوره حيّ لأهل بلدة الصفصاف الجليلية أيضاً. لكنّنا أيضاً حيال شهوة انتصار لم تُمَارس على جيراننا من اللاجئين الفلسطينيين، فهؤلاء يمارسون حزنهم ويُشهرونه، لا بل إن ما نجحت به قضيّتهم، وهو قليل، فهو تقديمهم كضحايا. تجمعنا بهم الفجيعة والفقد، والأرجح أنه ستجمعنا بهم إقامة مديدة خارج البلاد.
إقرأوا أيضاً:












