ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن حق فلسطينيي سوريا في المواطنة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ربما قد تفسّر الأعباء والتحديات التي يواجهها النظام السياسي الانتقالي الجديد في سوريا، على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيرته وتردّده في توضيح سياساته الداخلية والخارجية، وضمنها سياسته إزاء الفلسطينيين، بيد أن هذا الأمر يضع الفلسطينيين، الذين شاركوا السوريين مأساتهم، في حال من القلق والترقب، علماً أنهم شركاء للسوريين في المصير، وفي الألم والأمل، ما يعني أن إنصافهم يستحق سياسة واضحة ومطمئنة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم توجد مسألة فلسطينية في سوريا، تتعلق باللاجئين الفلسطينيين المقيمين فيها، منذ مجيء عشرات الألوف منهم إليها، عقب النكبة (1948)، على النحو الذي وُجدت فيه في لبنان، مثلاً، بحكم تكوينه التاريخي، وتركيبته الطائفية الخاصة، وضعف استقراره السياسي والاجتماعي.

لكن بعد ظهور الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ظهر أن ثمة مسألة سورية عند الفلسطينيين عموماً، أي في سوريا وخارجها، نشأت بدفع من سياسات نظام الأسد (الأب والابن، 1970 ـ 2024)، في محاولته استخدام قضيتهم، كورقة للاستحواذ على الشرعية، وتغطية سياساته الداخلية إزاء شعبه، المتعلقة بفرض السلطة الأمنية، ومصادرة الحقوق والحريات، والهيمنة على موارد البلد، وتعزيز المكانة الإقليمية، من ضمنها ابتزاز الدول العربية والمزايدة عليها، فضلاً عن استخدام قضية فلسطين كورقة مساومة، لصالح سياساته، في المعادلات السياسية الدولية والإقليمية.

هكذا بقي مجتمع الفلسطينيين اللاجئين في سوريا، داخل المخيمات وخارجها، طوال قرابة ثمانية عقود، عند حدود القانون 260 (لعام 1956)، القاضي بمنحهم حقوقاً مدنية، باستثناء الحق السياسي المتعلق بالانتخاب والترشيح. وعلى رغم بعض الثغرات او النواقص والاجحافات، المتضمنة في ذلك القانون، إلا أن نظام الأسد، لا سيما في عهد الابن، ظل يقضم في حيثياته، بخاصة بما يتعلق بمسألة الملكية والتوظيف والقيود المدنية.

من هم فلسطينيو سوريا بعد ثمانية عقود؟

على ذلك، فإن السؤال عن مكانة فلسطينيي سوريا، اليوم، هو وليد المرحلة السابقة، علماً أنه يُطرح بعد قرابة 80 عاماً على النكبة، وهو وقت طويل جداً، عدا عن أن إبقاء اللاجئين عند حيز قانون ضيق، يتعلق بالسماح لهم بالإقامة، وبعض الحقوق المدنية، يخالف منطق، أو فلسفة، “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” (1948)، الذي ينص على حق أي انسان بالحصول على جنسية، أو مواطنة دولة، من دون أن يلغي، أو ينهي، ذلك حقه، بمواطنته الأصلية، كما ينص على المساواة بين البشر، بغض النظر عن أي أمر كان.

أيضاً، يكشف هذا السؤال خواء الادعاءات التي تبناها النظام “القومي”، وتالياً نظام “المقاومة والممانعة”، إذ لا يمكن فهم واقع أن الفلسطيني، وهو عربي، غريب في وطنه العربي، ولا سيما في سوريا، وذلك بحسب المنظومة “الأيديولوجية”، أو الادعائية للنظام، إلا على طريقة فهمنا المخاتلة التي قام بها ذلك النظام، أو غيره، برفعه شعارات وممارسة نقيضها، كمثل ادعاء احتضان قضية فلسطين ومرمطة شعبها، وكمثل مصير الادعاءات الأخرى المتعلقة بالوحدة والحرية والاشتراكية، التي آلت بالممارسة إلى عكسها تماماً، بدليل الخراب الحاصل في سوريا في ظل ذلك النظام البائد.  

واقع فلسطينيي سوريا اليوم

في سوريا، اليوم، أي بعد انهيار نظام الأسد، وقيام الدولة السورية الجديدة، تجدر ملاحظة وضعية الفلسطينيين في الجوانب المهمة الآتية: 

أولاً: لا يشكل الفلسطينيون كتلة كبيرة في المجتمع السوري، وفي معادلاته الداخلية، إذ كانت نسبتهم لا تزيد عن 3 بالمئة من عدد السكان، يقطنون في 12 مخيماً، قبل العام 2011. أما بعد اندلاع الثورة السورية، فقد انخفض عددهم بمقدار 40 ـ 50 بالمئة، لا سيما مع مغادرة كتلة كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين سوريا، في لجوء ثان، مع النكبة السورية، إسوة بملايين السوريين الذين باتوا لاجئين في دول أخرى.  

ويمكن أن نذكّر هنا بدمار مخيمات عدة، ولا سيما مخيم اليرموك (قرب دمشق)، الذي كان يعد بمثابة عاصمة للاجئين الفلسطينيين، وأهم تجمّع لكفاءاتهم المدنية، عدا عن أنه كان بمثابة أهم مركز للحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج، بعد اجتياح لبنان (1982). 

ثانياً: طوال وجودهم، سلّم الفلسطينيون بمكانتهم في سوريا كلاجئين، وككتلة اجتماعية خارج المواطنة من الناحية القانونية، لذا لم يظهر في تاريخهم أي حركة سياسية أو مدنية تطالب بغير الحقوق المدنية، وضمنها حق التملك والمساواة في التوظيف بحسب الكفاءة. 

ثالثاً: لم ينخرط الفلسطينيون في الأحزاب السياسية السورية، وظلّوا على هامشها، باستثناء حالات فردية، طبعاً، فضلاً عن وجود فلسطينيين في الحزب الحاكم، “البعث”. ويبدو أن انخراط غالبيتهم كان بدواعٍ براغماتية، لغرض التوظيف والحصول على مكانة أو امتيازات معينة. 

رابعاً: ثمة شعور بالفراغ يتنامى عند فلسطينيي سوريا (ولبنان أيضاً)، في ظل غياب مرجعية وطنية لهم، بخاصّة مع تهميش منظمة التحرير، وحال الانقسام في حركتهم الوطنية، وهو وضع ينمّي عندهم سلوكيات انكفائية، إزاء التعاطي مع أي حراكات سياسية في البلد.

خامساً: لعب انقسام القوى السياسية الفلسطينية حول ما حدث في سوريا، دوراً في زيادة حذر الفلسطينيين، وإصرارهم على النأي بالنفس والتمسّك بتجنيب المخيمات تداعيات الصراع في سوريا، من دون أن ينجحوا بذلك بسبب سياسات النظام، وبعض الفصائل الموالية له. 

ما تقدم يؤكد محدودية دور، أو تأثير، اللاجئين الفلسطينيين في سوريا في الأحداث، وفي الحياة السياسية، على رغم من أن دورهم في تمدين سوريا ربما أكبر من نسبتهم العدّدية.

التغيير السوري ومجتمع اللاجئين الفلسطينيين

الآن، ربما قد تفسّر الأعباء والتحديات التي يواجهها النظام السياسي الانتقالي الجديد في سوريا، على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيرته وتردّده في توضيح سياساته الداخلية والخارجية، وضمنها سياسته إزاء الفلسطينيين، بيد أن هذا الأمر يضع الفلسطينيين، الذين شاركوا السوريين مأساتهم، في حال من القلق والترقب، علماً أنهم شركاء للسوريين في المصير، وفي الألم والأمل، ما يعني أن إنصافهم يستحق سياسة واضحة ومطمئنة.

بيد أن ذلك لا يعني عدم وجود توجّهات سلبية قياساً إلى المرحلة السابقة، باستثناء بعض التوجّهات التي اعتُبرت عفوية وتم التراجع عنها، مثل إغفال مسألة السوريين ومن في حكمهم، أي الفلسطينيين، في بعض التعاميم، ولا سيما تلك المتعلقة بمكانة الفلسطيني السوري وحقوقه في العمل والتعليم والتملّك. 

هكذا ثمة خيارات عدة، في هذا المجال، الأول، البقاء على الوضع الراهن، أي اعتبار الفلسطينيين لاجئين، بكامل الحقوق المدنية، الاقتصادية والاجتماعية، باستثناء الحق في الانتخاب والترشيح، مع السعي الى ترميم الثغرات في هذا القانون، ولا سيما على ضوء التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. 

الثاني، النكوص عن هذه المكانة، واعتبار الفلسطينيين بمثابة مقيمين، من تابعية دولة أخرى، بما يقيد الحقوق التي يتمتعون بها، وهو الأمر الذي أثار ضجة قبل فترة، وتم التراجع عنه (كما قدمنا). بيد أن هذا التوجه غير عملي، ولا ينصف الفلسطينيين، ويتناقض مع المعايير الدولية وحقوق الإنسان، والمصير المشترك. 

الثالث، منح الفلسطينيين حقوق المواطنة الكاملة أسوة بالسوريين، بخاصة ونحن نتحدث عن جيلين أو ثلاثة من الفلسطينيين لا يعرفون لهم وطناً آخر، غير سوريا؛ وربما أن ضم القيود المدنية للاجئين إلى القيد المدني السوري يصبّ في هذا الاتجاه. 

فلسطينيو سوريا ومسألة المواطنة

في الواقع، لا جديد في منح دولة عربية حق المواطنة للفلسطينيين اللاجئين، فهذا حصل في الأردن (في العام 1948)، وفي حينه امتنعت سوريا ومصر لأسباب وطنية، ولبنان (لأسباب خاصة طائفية أساساً)، عن ذلك، بل إن النظام العربي، الذي حال دون قيام كيان سياسي للفلسطينيين بعد النكبة (حكومة عموم فلسطين، 1949) حال دون قيام منح الجامعة العربية اللاجئين الفلسطينيين جوازات سفر فلسطينية، بدعوى الحفاظ على هوية اللاجئ ومكانته.

هكذا، تمت مرمطة الفلسطينيين، وامتهان كرامتهم، بحجة الحفاظ على هويتهم الوطنية، في حين كان ذلك مجرد حجة لحجز إمكانات التطور عند الفلسطينيين، والتبرؤ من قضيتهم؛ فوق ذلك فإن الأنظمة العربية حالت دون شمول اللاجئين الفلسطينيين في إطار المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، والتي تقدم لهم الحماية القانونية والإنسانية، وفضلت إحالة اللاجئين الى منظمة أخرى هي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، تنصلاً منها من تحمّل أي مسؤولية، إزاء اللاجئين الفلسطينيين في أراضيها.

عموماً، فإن طرح فكرة إعطاء الفلسطينيين السوريين حقوق المواطنة في سوريا، يأتي في ظروف مؤاتية، وقد انهارت، أو تكشفت الادعاءات السابقة، وباتت ثمة حاجة الى رؤية مختلفة للحركة الوطنية الفلسطينية، ولمجمل قضايا الصراع ضد إسرائيل.

فضلاً عن ذلك، فإن حق المواطنة للفلسطينيين السوريين يستمد مشروعيته من حقوق الإنسان، ومن واقع التاريخ والجغرافيا والاجتماع والثقافة، أي انتماء الفلسطينيين كما السوريين إلى أرومة قومية واحدة؛ إذ لا يمكن لأي مواطن ألماني أو فرنسي أو صيني أن يفهم كيف أن الفلسطينيين، كعرب، يعيشون كلاجئين في بلدان عربية.

أيضاً، فإن هذا الطرح بات يستمد مشروعيته الراهنة، من حقيقتين إضافيتين، الأولى، أن الفلسطينيين في سوريا كانوا شركاء في الألم والأمل، مع إخوتهم السوريين، وهذا يعني أنهم شركاء في مستقبل سوريا أيضاً، وهذا لا يقلل من فلسطينيتهم ولا من وطنيتهم. والثانية، أن السوريين (وضمنهم الفلسطينيون السوريون)، الذين لجأوا الى الدول الغربية، استحقوا مكانة المواطنة في بلدان أجنبية غريبة تماماً عنهم، لمجرد البقاء فيها أربع أو خمس سنوات، في حين أن الفلسطينيين اللاجئين، في سوريا منذ قرابة ثمانية عقود، لم يحظوا بهذه المكانة. 

وأعتقد أن معظم من تبقى من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا (حوالى 50 بالمئة) يرون في منحهم المواطنة خلاصاً وإنصافاً لهم بعد قرابة الثمانية عقود من اللجوء، وبعد 14 سنة من المعاناة، والتضحيات، مثلهم مثل السوريين. 

عموماً، ومنعاً لأي التباس أو مزايدة، يمكن طرح هذه المسألة في باب الخيارات الشخصية، بعد ترسيمها دستورياً في سوريا، بحيث يُخيَّر الفلسطيني بين الحصول على المواطنة السورية والاحتفاظ بمكانة اللاجئ، مع التمتع بحقوق مدنية كاملة. لكن ذلك يفترض أن يتم بالتفاهم مع منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، بحيث يُمنح الذين يختارون الاحتفاظ بمكانة اللجوء جواز سفر فلسطينياً بكامل الصلاحية، بضمانة من جامعة الدول العربية، كي لا تتكرر تجربة “حكومة عموم فلسطين” التي أُفشلت (1948-1963). 

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 04.09.2026

لبنان: مليار دولار قد يستعيدها المودعون من مجالس إدارات المصارف 

محامو المصارف يستعينون بدفاعهم عن فعلة موكليهم بعبارة رهيبة، تتمثل بأن ما أقدم عليه موكلوهم عندما أنقذوا ودائعهم الشخصية من الفعلة التي ارتكبوها بحق زبائنهم هو "قانوني وإن كان غير أخلاقي"، ويبدو أنهم بصدد الاستعانة بهذه المعادلة في المرحلة التي تعقب اعترافهم بفعلتهم "القانونية وغير الأخلاقية".
18.08.2026
زمن القراءة: 6 minutes

ربما قد تفسّر الأعباء والتحديات التي يواجهها النظام السياسي الانتقالي الجديد في سوريا، على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيرته وتردّده في توضيح سياساته الداخلية والخارجية، وضمنها سياسته إزاء الفلسطينيين، بيد أن هذا الأمر يضع الفلسطينيين، الذين شاركوا السوريين مأساتهم، في حال من القلق والترقب، علماً أنهم شركاء للسوريين في المصير، وفي الألم والأمل، ما يعني أن إنصافهم يستحق سياسة واضحة ومطمئنة.

لم توجد مسألة فلسطينية في سوريا، تتعلق باللاجئين الفلسطينيين المقيمين فيها، منذ مجيء عشرات الألوف منهم إليها، عقب النكبة (1948)، على النحو الذي وُجدت فيه في لبنان، مثلاً، بحكم تكوينه التاريخي، وتركيبته الطائفية الخاصة، وضعف استقراره السياسي والاجتماعي.

لكن بعد ظهور الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ظهر أن ثمة مسألة سورية عند الفلسطينيين عموماً، أي في سوريا وخارجها، نشأت بدفع من سياسات نظام الأسد (الأب والابن، 1970 ـ 2024)، في محاولته استخدام قضيتهم، كورقة للاستحواذ على الشرعية، وتغطية سياساته الداخلية إزاء شعبه، المتعلقة بفرض السلطة الأمنية، ومصادرة الحقوق والحريات، والهيمنة على موارد البلد، وتعزيز المكانة الإقليمية، من ضمنها ابتزاز الدول العربية والمزايدة عليها، فضلاً عن استخدام قضية فلسطين كورقة مساومة، لصالح سياساته، في المعادلات السياسية الدولية والإقليمية.

هكذا بقي مجتمع الفلسطينيين اللاجئين في سوريا، داخل المخيمات وخارجها، طوال قرابة ثمانية عقود، عند حدود القانون 260 (لعام 1956)، القاضي بمنحهم حقوقاً مدنية، باستثناء الحق السياسي المتعلق بالانتخاب والترشيح. وعلى رغم بعض الثغرات او النواقص والاجحافات، المتضمنة في ذلك القانون، إلا أن نظام الأسد، لا سيما في عهد الابن، ظل يقضم في حيثياته، بخاصة بما يتعلق بمسألة الملكية والتوظيف والقيود المدنية.

من هم فلسطينيو سوريا بعد ثمانية عقود؟

على ذلك، فإن السؤال عن مكانة فلسطينيي سوريا، اليوم، هو وليد المرحلة السابقة، علماً أنه يُطرح بعد قرابة 80 عاماً على النكبة، وهو وقت طويل جداً، عدا عن أن إبقاء اللاجئين عند حيز قانون ضيق، يتعلق بالسماح لهم بالإقامة، وبعض الحقوق المدنية، يخالف منطق، أو فلسفة، “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” (1948)، الذي ينص على حق أي انسان بالحصول على جنسية، أو مواطنة دولة، من دون أن يلغي، أو ينهي، ذلك حقه، بمواطنته الأصلية، كما ينص على المساواة بين البشر، بغض النظر عن أي أمر كان.

أيضاً، يكشف هذا السؤال خواء الادعاءات التي تبناها النظام “القومي”، وتالياً نظام “المقاومة والممانعة”، إذ لا يمكن فهم واقع أن الفلسطيني، وهو عربي، غريب في وطنه العربي، ولا سيما في سوريا، وذلك بحسب المنظومة “الأيديولوجية”، أو الادعائية للنظام، إلا على طريقة فهمنا المخاتلة التي قام بها ذلك النظام، أو غيره، برفعه شعارات وممارسة نقيضها، كمثل ادعاء احتضان قضية فلسطين ومرمطة شعبها، وكمثل مصير الادعاءات الأخرى المتعلقة بالوحدة والحرية والاشتراكية، التي آلت بالممارسة إلى عكسها تماماً، بدليل الخراب الحاصل في سوريا في ظل ذلك النظام البائد.  

واقع فلسطينيي سوريا اليوم

في سوريا، اليوم، أي بعد انهيار نظام الأسد، وقيام الدولة السورية الجديدة، تجدر ملاحظة وضعية الفلسطينيين في الجوانب المهمة الآتية: 

أولاً: لا يشكل الفلسطينيون كتلة كبيرة في المجتمع السوري، وفي معادلاته الداخلية، إذ كانت نسبتهم لا تزيد عن 3 بالمئة من عدد السكان، يقطنون في 12 مخيماً، قبل العام 2011. أما بعد اندلاع الثورة السورية، فقد انخفض عددهم بمقدار 40 ـ 50 بالمئة، لا سيما مع مغادرة كتلة كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين سوريا، في لجوء ثان، مع النكبة السورية، إسوة بملايين السوريين الذين باتوا لاجئين في دول أخرى.  

ويمكن أن نذكّر هنا بدمار مخيمات عدة، ولا سيما مخيم اليرموك (قرب دمشق)، الذي كان يعد بمثابة عاصمة للاجئين الفلسطينيين، وأهم تجمّع لكفاءاتهم المدنية، عدا عن أنه كان بمثابة أهم مركز للحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج، بعد اجتياح لبنان (1982). 

ثانياً: طوال وجودهم، سلّم الفلسطينيون بمكانتهم في سوريا كلاجئين، وككتلة اجتماعية خارج المواطنة من الناحية القانونية، لذا لم يظهر في تاريخهم أي حركة سياسية أو مدنية تطالب بغير الحقوق المدنية، وضمنها حق التملك والمساواة في التوظيف بحسب الكفاءة. 

ثالثاً: لم ينخرط الفلسطينيون في الأحزاب السياسية السورية، وظلّوا على هامشها، باستثناء حالات فردية، طبعاً، فضلاً عن وجود فلسطينيين في الحزب الحاكم، “البعث”. ويبدو أن انخراط غالبيتهم كان بدواعٍ براغماتية، لغرض التوظيف والحصول على مكانة أو امتيازات معينة. 

رابعاً: ثمة شعور بالفراغ يتنامى عند فلسطينيي سوريا (ولبنان أيضاً)، في ظل غياب مرجعية وطنية لهم، بخاصّة مع تهميش منظمة التحرير، وحال الانقسام في حركتهم الوطنية، وهو وضع ينمّي عندهم سلوكيات انكفائية، إزاء التعاطي مع أي حراكات سياسية في البلد.

خامساً: لعب انقسام القوى السياسية الفلسطينية حول ما حدث في سوريا، دوراً في زيادة حذر الفلسطينيين، وإصرارهم على النأي بالنفس والتمسّك بتجنيب المخيمات تداعيات الصراع في سوريا، من دون أن ينجحوا بذلك بسبب سياسات النظام، وبعض الفصائل الموالية له. 

ما تقدم يؤكد محدودية دور، أو تأثير، اللاجئين الفلسطينيين في سوريا في الأحداث، وفي الحياة السياسية، على رغم من أن دورهم في تمدين سوريا ربما أكبر من نسبتهم العدّدية.

التغيير السوري ومجتمع اللاجئين الفلسطينيين

الآن، ربما قد تفسّر الأعباء والتحديات التي يواجهها النظام السياسي الانتقالي الجديد في سوريا، على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيرته وتردّده في توضيح سياساته الداخلية والخارجية، وضمنها سياسته إزاء الفلسطينيين، بيد أن هذا الأمر يضع الفلسطينيين، الذين شاركوا السوريين مأساتهم، في حال من القلق والترقب، علماً أنهم شركاء للسوريين في المصير، وفي الألم والأمل، ما يعني أن إنصافهم يستحق سياسة واضحة ومطمئنة.

بيد أن ذلك لا يعني عدم وجود توجّهات سلبية قياساً إلى المرحلة السابقة، باستثناء بعض التوجّهات التي اعتُبرت عفوية وتم التراجع عنها، مثل إغفال مسألة السوريين ومن في حكمهم، أي الفلسطينيين، في بعض التعاميم، ولا سيما تلك المتعلقة بمكانة الفلسطيني السوري وحقوقه في العمل والتعليم والتملّك. 

هكذا ثمة خيارات عدة، في هذا المجال، الأول، البقاء على الوضع الراهن، أي اعتبار الفلسطينيين لاجئين، بكامل الحقوق المدنية، الاقتصادية والاجتماعية، باستثناء الحق في الانتخاب والترشيح، مع السعي الى ترميم الثغرات في هذا القانون، ولا سيما على ضوء التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. 

الثاني، النكوص عن هذه المكانة، واعتبار الفلسطينيين بمثابة مقيمين، من تابعية دولة أخرى، بما يقيد الحقوق التي يتمتعون بها، وهو الأمر الذي أثار ضجة قبل فترة، وتم التراجع عنه (كما قدمنا). بيد أن هذا التوجه غير عملي، ولا ينصف الفلسطينيين، ويتناقض مع المعايير الدولية وحقوق الإنسان، والمصير المشترك. 

الثالث، منح الفلسطينيين حقوق المواطنة الكاملة أسوة بالسوريين، بخاصة ونحن نتحدث عن جيلين أو ثلاثة من الفلسطينيين لا يعرفون لهم وطناً آخر، غير سوريا؛ وربما أن ضم القيود المدنية للاجئين إلى القيد المدني السوري يصبّ في هذا الاتجاه. 

فلسطينيو سوريا ومسألة المواطنة

في الواقع، لا جديد في منح دولة عربية حق المواطنة للفلسطينيين اللاجئين، فهذا حصل في الأردن (في العام 1948)، وفي حينه امتنعت سوريا ومصر لأسباب وطنية، ولبنان (لأسباب خاصة طائفية أساساً)، عن ذلك، بل إن النظام العربي، الذي حال دون قيام كيان سياسي للفلسطينيين بعد النكبة (حكومة عموم فلسطين، 1949) حال دون قيام منح الجامعة العربية اللاجئين الفلسطينيين جوازات سفر فلسطينية، بدعوى الحفاظ على هوية اللاجئ ومكانته.

هكذا، تمت مرمطة الفلسطينيين، وامتهان كرامتهم، بحجة الحفاظ على هويتهم الوطنية، في حين كان ذلك مجرد حجة لحجز إمكانات التطور عند الفلسطينيين، والتبرؤ من قضيتهم؛ فوق ذلك فإن الأنظمة العربية حالت دون شمول اللاجئين الفلسطينيين في إطار المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، والتي تقدم لهم الحماية القانونية والإنسانية، وفضلت إحالة اللاجئين الى منظمة أخرى هي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، تنصلاً منها من تحمّل أي مسؤولية، إزاء اللاجئين الفلسطينيين في أراضيها.

عموماً، فإن طرح فكرة إعطاء الفلسطينيين السوريين حقوق المواطنة في سوريا، يأتي في ظروف مؤاتية، وقد انهارت، أو تكشفت الادعاءات السابقة، وباتت ثمة حاجة الى رؤية مختلفة للحركة الوطنية الفلسطينية، ولمجمل قضايا الصراع ضد إسرائيل.

فضلاً عن ذلك، فإن حق المواطنة للفلسطينيين السوريين يستمد مشروعيته من حقوق الإنسان، ومن واقع التاريخ والجغرافيا والاجتماع والثقافة، أي انتماء الفلسطينيين كما السوريين إلى أرومة قومية واحدة؛ إذ لا يمكن لأي مواطن ألماني أو فرنسي أو صيني أن يفهم كيف أن الفلسطينيين، كعرب، يعيشون كلاجئين في بلدان عربية.

أيضاً، فإن هذا الطرح بات يستمد مشروعيته الراهنة، من حقيقتين إضافيتين، الأولى، أن الفلسطينيين في سوريا كانوا شركاء في الألم والأمل، مع إخوتهم السوريين، وهذا يعني أنهم شركاء في مستقبل سوريا أيضاً، وهذا لا يقلل من فلسطينيتهم ولا من وطنيتهم. والثانية، أن السوريين (وضمنهم الفلسطينيون السوريون)، الذين لجأوا الى الدول الغربية، استحقوا مكانة المواطنة في بلدان أجنبية غريبة تماماً عنهم، لمجرد البقاء فيها أربع أو خمس سنوات، في حين أن الفلسطينيين اللاجئين، في سوريا منذ قرابة ثمانية عقود، لم يحظوا بهذه المكانة. 

وأعتقد أن معظم من تبقى من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا (حوالى 50 بالمئة) يرون في منحهم المواطنة خلاصاً وإنصافاً لهم بعد قرابة الثمانية عقود من اللجوء، وبعد 14 سنة من المعاناة، والتضحيات، مثلهم مثل السوريين. 

عموماً، ومنعاً لأي التباس أو مزايدة، يمكن طرح هذه المسألة في باب الخيارات الشخصية، بعد ترسيمها دستورياً في سوريا، بحيث يُخيَّر الفلسطيني بين الحصول على المواطنة السورية والاحتفاظ بمكانة اللاجئ، مع التمتع بحقوق مدنية كاملة. لكن ذلك يفترض أن يتم بالتفاهم مع منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، بحيث يُمنح الذين يختارون الاحتفاظ بمكانة اللجوء جواز سفر فلسطينياً بكامل الصلاحية، بضمانة من جامعة الدول العربية، كي لا تتكرر تجربة “حكومة عموم فلسطين” التي أُفشلت (1948-1963).