تحتلّ المؤسّسات الدينية موقعاً مركزياً في بنية المجتمعات العربية، حيث لا يقتصر دورها على المجال التعبّدي، بل يمتدّ إلى مجالات اجتماعية وسياسية وثقافية متعدّدة، خاصّة في ظلّ ضعف الدولة الحديثة وتراجع قدرتها على إدارة الأزمات البنيوية.
وفي المجتمعات التعدّدية طائفياً، كما في لبنان، تتعاظم أدوار هذه المؤسّسات بوصفها مرجعيات تمثيلية ووسيطاً بين الجماعات والدولة.
ويُعدّ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى من أبرز النماذج على هذا الدور، منذ تأسيسه في عام 1969، في سياق تاريخي اتّسم بالتهميش الاجتماعي والسياسي للطائفة الشيعية.
الإطار النظري والمفاهيمي لدور المؤسّسات الدينية
تُعرَّف المؤسّسة الدينية بأنها بنية تنظيمية رسمية أو شبه رسمية تُعنى بتنظيم الشأن الديني، غير أنها في المجتمعات العربية تؤدّي وظائف إضافية ناتجة عن تداخل الدين بالسياسة والمجتمع (عبد الله العروي، مفهوم الدولة)، ويرى العروي أن ضعف تشكّل الدولة الحديثة أفسح المجال أمام الفاعلين التقليديين، وفي مقدّمتهم المؤسّسات الدينية، لملء الفراغ الوظيفي (المصدر نفسه).
يمكن حصر وظائف المؤسّسات الدينية في أربع وظائف أساسية:
الوظيفة القيمية: ترسيخ الأخلاق العامّة وضبط السلوك الاجتماعي.
الوظيفة الاجتماعية: الرعاية، التكافل، التعليم، والخدمات.
الوظيفة السياسية غير المباشرة: تمثيل الجماعة والدفاع عن مصالحها.
الوظيفة الأزموية: احتواء النزاعات وتخفيف حدّتها (محمّد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة).
غير أن هذه الوظائف تتحوّل إلى إشكاليّة حين تفقد المؤسّسة استقلالها، أو حين يتحوّل الدين إلى أداة تبرير للسلطة بدل أن يكون أداة نقد أخلاقي.
السياق التاريخي لنشأة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى
عانت الطائفة الشيعية في لبنان حتى ستينيات القرن العشرين، من تهميش سياسي وضعف في التمثيل المؤسّسي داخل بنية النظام الطائفي اللبناني، على الرغم من ثقلها الديموغرافي والاجتماعي. فقد اقتصر حضورها الرسمي على بعض المواقع السياسية المحدودة، إضافة إلى القضاء الجعفري المختصّ بالأحوال الشخصية، من دون وجود مرجعية مركزية تمثّلها على غرار دار الفتوى لدى المسلمين السنّة أو المجالس الدينية لدى الطوائف الأخرى (أحمد بيضون، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيّلة)، وقد انعكس هذا الغياب المؤسّسي حرماناً تنموياً واضحاً، لا سيّما في مناطق الجنوب والبقاع، حيث تداخل الإهمال الاقتصادي مع ضعف الخدمات الاجتماعية، ما عمّق الشعور بالغبن داخل الطائفة.
التحوّلات الاجتماعية والسياسية الممهِّدة للتأسيس
شهد لبنان منذ خمسينيات القرن العشرين تحوّلات اجتماعية واقتصادية متسارعة، تمثّلت في الهجرة الريفية الواسعة نحو المدن، وبروز أحياء فقيرة في أطراف بيروت، وتصاعد الوعي السياسي والاجتماعي لدى الفئات المهمَّشة.
وترافقت هذه التحوّلات مع تأثير التيّارات القومية والإصلاحية العربية، التي دفعت قطاعات من النخب الدينية الشيعية إلى إعادة التفكير في دور المؤسّسة الدينية وعلاقتها بالدولة والمجتمع (فوّاز طرابلسي، تاريخ لبنان الحديث).
وبرز الإمام موسى الصدر بوصفه الشخصيّة المحورية في بلورة مشروع إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. فقد دعا منذ وصوله إلى لبنان في عام 1959 إلى تنظيم شؤون الطائفة ضمن إطار مؤسّساتي قانوني، معتبراً أن غياب المرجعية الرسمية يُضعف موقع الشيعة داخل الدولة، ويحول دون مشاركتهم الفاعلة في الحياة الوطنية (محمّد مهدي شمس الدين، الإمام الصدر ومسيرة الحرمان).
وربط الصدر بين البعد الديني والبعد الاجتماعي، مؤكّداً أن الدين لا ينفصل عن قضايا العدالة والتنمية ورفع الحرمان، وأن المجلس المنشود يجب أن يكون أداة إصلاح لا أداة انعزال طائفي. تُوّجت الجهود بالقانون الصادر في 19 كانون الأوّل/ ديسمبر 1969، الذي نصّ على إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى كمؤسّسة رسمية معترف بها من الدولة اللبنانية، تتولّى شؤون الطائفة الدينية والاجتماعية، وتمثّلها أمام السلطات (هاني فحص، الإمام موسى الصدر: الحوار والانفتاح).
وفي عام 1970، انتُخب الإمام موسى الصدر أوّل رئيس للمجلس، ما منح المؤسّسة الجديدة شرعية دينية وشعبية، ورسّخ دورها في الحياة العامّة اللبنانية (وجيه كوثراني، الدولة والمجتمع في المشرق العربي).
تعكس نشأة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى تحوّلاً بنيوياً في موقع الطائفة الشيعية، إذ مثّل انتقالاً من التهميش إلى الفعل المؤسّسي، وتعبيراً عن تطوّر الفكر الديني الشيعي نحو الانخراط في الشأن العامّ، ومحاولة للتوفيق بين الانتماء الطائفي والالتزام بالوحدة الوطنية اللبنانية (رضوان السيّد، الجماعات الإسلامية والدولة).
واضطلع المجلس بدور اجتماعي واسع، تمثّل في الإشراف على الأوقاف والمؤسّسات الدينية، ودعم المدارس والمعاهد الدينية، ورعاية الجمعيّات الخيرية والخدمات الاجتماعية، فيما يؤكّد أستاذ العلوم السياسية هلال خشّان أن “هذا الدور ساهم في تعزيز التكافل الاجتماعي والحدّ من آثار الفقر والحرمان في المناطق الشيعية المهمّشة”، غير أنه ظلّ مرتبطاً بقدرة المجلس على تأمين الموارد، وبالتحوّلات السياسية التي أثّرت في استقلاليّته.
منذ تأسيسه، لم يقتصر دور المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على الشؤون الدينية والاجتماعية، بل اضطلع بدور سياسي وطني نابع من كونه مؤسّسة رسمية تمثّل شريحة واسعة من المواطنين اللبنانيين، وقد انطلق هذا الدور من رؤية تعتبر أن المشاركة في الشأن العامّ حقّ وواجب، وأن الدفاع عن العدالة الاجتماعية جزء لا يتجزّأ من الرسالة الدينية (موسى الصدر، خطب ومواقف)، كما شكّل المجلس حلقة وصل مؤسّساتية بين الطائفة الشيعية والدولة اللبنانية، إذ مثّل الطائفة في الحوار مع السلطات الرسمية، ونقل مطالب المناطق المحرومة إلى دوائر القرار، وساهم في إدماج الشيعة ضمن المعادلة الوطنية بدل بقائهم على هامشها (فوّاز طرابلسي، تاريخ لبنان الحديث)، وأكّد الإمام موسى الصدر أن هذا الدور لا يهدف إلى تعزيز الانغلاق الطائفي، بل إلى تحقيق المشاركة المتوازنة داخل الدولة الواحدة (محمّد مهدي شمس الدين، الإمام الصدر ومسيرة الحرمان).
إقرأوا أيضاً:
تميّز خطاب المجلس، ولا سيّما في مرحلته التأسيسية، بالتشديد على وحدة الكيان اللبناني، ورفض التقسيم والانعزال، وترسيخ مبدأ العيش المشترك الإسلامي – المسيحي، وقد عبّر الإمام الصدر في مناسبات عديدة عن التزام المجلس بالدفاع عن لبنان بوصفه وطناً نهائياً لجميع أبنائه، معتبراً أن الطوائف لا تُلغى، لكنّها تُنظَّم ضمن إطار الدولة (هاني فحص، الإمام موسى الصدر: الحوار والانفتاح).
مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، تراجع الدور الوطني للمجلس لصالح تصاعد القوى الحزبية والطائفية، ما حدّ من فاعليته كمؤسّسة جامعة، ويشير وجيه كوثراني في كتابه “المجتمع والدولة في لبنان” إلى أن الطائفية السياسية أعادت إنتاج المؤسّسات الدينية بوصفها أدوات في الصراع السياسي.
حاول المجلس خلال الحرب الأهلية أن يلعب دور الوسيط والضابط الاجتماعي، إلا أن الانقسام السياسي وضعف الإمكانات حدّا من تأثيره، كما واجه تحدّيات كبيرة خلال فترات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب.
في ظلّ الانهيار الاقتصادي الذي يشهده لبنان، برزت محدودية دور المجلس في تقديم حلول بنيوية، واقتصر حضوره غالباً على الخطاب الوعظي والمساعدات الاجتماعية الظرفية (أحمد بيضون، الطوائف في دولة ما بعد الطائف).
وعليه، تسجّل تجربة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إشكاليّات عدّة، من أبرزها: تسييس الدين وربط المؤسّسة بصراعات السلطة، وتراجع الدور النقدي لصالح الدور التبريري، والانحصار الطائفي وضعف الانفتاح الوطني، وتراجع الثقة المجتمعية بالمؤسّسة الدينية. في هذا السياق، يرى رضوان السيّد في كتابه “الجماعة والمجتمع في لبنان” أن أزمة المؤسّسات الدينية تكمن في فقدانها وظيفتها الأخلاقية النقدية في المجال العامّ.
واليوم، يواجه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أزمة في تحديد دوره ووظيفته داخل المشهدين السياسي والديني اللبنانيين. فبعد أن شكّل عند تأسيسه إطاراً جامعاً وفاعلاً، تراجع حضوره تدريجياً لصالح قوى سياسية حزبية باتت تمتلك تأثيراً أكبر على القاعدة الشعبية، ما أدّى إلى تقليص دوره التمثيلي، وتحويله في نظر كثيرين إلى مؤسّسة إدارية أكثر منها مرجعية قيادية (أحمد بيضون، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيّلة).
وتعود هذه الأزمة إلى تغيّر طبيعة العمل السياسي في لبنان، وصعود الفاعلين الحزبيين المسلّحين أو التنظيميين، وغياب رؤية استراتيجية واضحة لتجديد وظيفة المجلس.
من أبرز الإشكاليّات التي يعانيها المجلس، تآكل استقلاليّته النسبية عن الاصطفافات السياسية. فبدل أن يبقى مرجعية جامعة على مسافة واحدة من جميع القوى، بات يُنظر إليه أحياناً كجزء من التوازنات السياسية القائمة، الأمر الذي أضعف صدقيّته الوطنية والدينية لدى شرائح واسعة من اللبنانيين (رضوان السيّد، الجماعات الإسلامية والدولة).
وقد أدّى هذا الواقع إلى تراجع قدرته على لعب دور الوسيط، وضعف خطابه النقدي تجاه السلطة، وانحسار دوره كضمير أخلاقي في الحياة العامّة، وهذا يعني أنه يعاني من أزمة بنيوية في آليات القيادة واتّخاذ القرار، تتجلّى في الجمود المؤسّساتي، وضعف تداول المسؤوليّات، وغياب الشفافية والمساءلة الداخلية.
ويُضاف إلى ذلك عدم تحديث القوانين الناظمة لعمله بما يتلاءم مع التحوّلات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع اللبناني، ما جعل بنيته التنظيمية أقرب إلى النموذج التقليدي غير القادر على استيعاب متطلّبات العصر.
علاوة على ذلك، يشهد المجلس أيضاً، فجوة متزايدة بينه وبين الأجيال الشابّة، التي لم تعد ترى فيه إطاراً معبّراً عن تطلّعاتها أو قضاياها اليومية، خصوصاً في ظلّ التحوّلات الفكرية والثقافية، وتصاعد مطالب العدالة الاجتماعية، وانتشار الخطاب المدني والنقدي، وقد ساهم غياب الخطاب التجديدي، وضعف استخدام أدوات التواصل الحديثة في تعميق هذه القطيعة، ما أفقد المجلس جزءاً من حيويته الاجتماعية.
على المستوى الوطني، تراجع حضور المجلس كصوت جامع يدعو إلى الحوار والعيش المشترك، مقارنة بالمرحلة التأسيسية التي قادها الإمام موسى الصدر، ويُعزى ذلك إلى احتدام الانقسامات الطائفية، وتراجع الدولة المركزية، وصعوبة إنتاج خطاب وطني جامع في ظلّ الاستقطاب الحادّ.
ولمعالجة هذه الأزمات، لا بدّ من التشديد على المسارات الإصلاحية التالية:
أوّلاً: إعادة تعريف الدور عبر بلورة رؤية واضحة تؤكّد أن المجلس مرجعية دينية – وطنية مستقلّة، وليس بديلاً عن القوى السياسية أو تابعاً لها، وذلك من خلال تحصين قراراته عن الاصطفافات، واستعادة موقعه كجهة نقدية أخلاقية تدافع عن العدالة وحقوق المواطنين، كذلك عبر تحديث القوانين الداخلية، وتفعيل آليات الشفافية، وتوسيع المشاركة داخل هيئاته المختلفة.
ثانياً: الانتقال من خطاب وعظي تقليدي إلى خطاب اجتماعي – أخلاقي يعالج قضايا الفقر والفساد والمواطنة والدولة، وذلك من خلال إشراك الكفاءات الشابّة، وتبنّي أدوات تواصل حديثة، وفتح قنوات حوار مع المبادرات المدنية.
ثالثاً: إحياء إرث الإمام موسى الصدر القائم على الحوار، ورفض العنف، والدفاع عن الدولة بوصفها الإطار الناظم للتعدّدية (هاني فحص، الإمام موسى الصدر: الحوار والانفتاح)، ذلك أن أزمة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ليست معزولة عن أزمة النظام اللبناني ككلّ، غير أن خصوصيّته كمؤسّسة دينية رسمية تمنحه فرصة للعب دور إصلاحي متقدّم، إذا ما امتلك الجرأة على النقد الذاتي والتجديد المؤسّسي، فإما أن يستعيد موقعه كضمير ديني ووطني، وإما أن يستمرّ في التراجع بوصفه مؤسّسة رمزية محدودة التأثير (محمّد مهدي شمس الدين، الوصايا).
وبهذا ننتهي إلى خلاصة، أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مثّل في مراحل معيّنة، رافعة اجتماعية وسياسية للطائفة الشيعية، لكنّه واجه تحدّيات بنيوية حدّت من قدرته على لعب دور وطني جامع في إدارة الأزمات، فقدرة المؤسّسة الدينية على الإسهام في الحلّ مرهونة باستقلاليّتها، وبمدى التزامها بوظيفتها الأخلاقية النقدية في خدمة المجتمع والدولة.











