ثمّة قضايا استحالت، بتشعّب بنيتها وتراكم طبقاتها عبر الزمن، عقدةً دامية لا تُفكّ إلا بجراح. هكذا تبدو المسألة الكردية في شرق المتوسّط؛ تتفاوت حدّتها باختلاف مواطن الكرد، غير أنّ صورتها الأشدّ كثافة تتجلّى في كُردستان التركيّة.
منذ قيام الجمهورية الحديثة على يد مصطفى كمال، انفتح مسار الوجود الكردي هناك — سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا — على قدرٍ كبير من القسوة، فتهاوت الثقة بين الكرد والدولة التركيّة وانقطعت جسور التواصل، وبذلك انتفى شرط أي حلٍّ قليل الكلفة.
وبلغ الصراع الكردي-التركي ذروته مع بروز حزب العمال الكردستاني وإعلانه الكفاح المسلّح في مواجهة الدولة التركيّة ذات البنيّة القوميّة الصلبة. فاندفعت البلاد إلى حربٍ طويلةٍ بلا أفقٍ سوى القتل الذي لا حد له، سالت الدماءُ على الجانبين – بسخاءٍ أليمٍ – وثُبّت للصراع جوهرٌ ثأريٌّ. سقط مدنيون وقُتل جنود وأُحرِقت قرى وبلدات، حلّ الرصاص محلّ الحوار، والقسر مكان اللين، من دون أن يفضي ذلك في المحصّلة إلا إلى دائرة دموية مقفلة.
يُعلّمنا التاريخُ الحديث أن الطرق التي تتفادى الديمقراطية – بمعناها التوافقيِّ والدستوريِّ والحضاريِّ – إنما مسدودةٌ في جوهرها. وهكذا تعاقبت مساعي السلام بين الكرد والدولة التركيّة، غير أنها انهارت جميعها.
في شباط/ فبراير 2025، أُعلِنَ عن “عمليّة سلام” جديدة بين الدولة التركيّة من جهة، وزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، من جهة أخرى. وتبدو هذه العمليّة شاقّةً ومحفوفة بالمخاطرِ من كل صوبٍ – كما هو متوقّع – لكنّها في الوقت نفسه مُبشّرة، واحتمال نجاحها لا غبار عليه، وذلكَ لأسبابٍ موضوعيّة متعلّقة بالتغيير الجذريِّ في المنطقة بأسرِها.
بيد أنّ فهم هذا الصراع وتعقيداته لا يكتمل بمعادلات السياسة والعسكر وحدها؛ إنما يبدأ، أساساً، بالإصغاء إلى “قاعدته”، إلى تربتِه المبلّلة بالدمع والدّم، إلى من دفعوا أثمانه الفعليّة غاليّاً، إلى تلك الجمرة التي ينبغي أن تُطفأ أخيراً كي “لا تبكي أمّهاتٌ، مزيد من الأمهات”، على قول الأمِّ المفجوعة بيروزه كورت في حوارها المؤثّر مع الكاتب والصحافي الألماني المتخصّص في الشأن التركي، رافائيل غايغر، في صيف عام 2025.
في منزل بيروزه
مساءٌ صيفيٌّ لا يزال القيظ فيه مخيِّماً على إزمير؛ تجلسُ بيروزه كورت على أريكتها، نافذتها مشرّعةٌ والريح تعبث بالستارة؛ ومع كلّ رفرفة للستارة، يمتدُّ البصر إلى صفوف من المباني تنتهي عندها المدينةُ. يُحضِرُ أبناؤها الكبارُ الشّاي والبسكويت والبقلاوة، لتقول إنها كانت في يومٍ ما أمّاً لعدد كبير من الأطفال. “سبعة”، تقول بيروزه كورت، التي يناديها الجميع بالتركيّة بـ “بيروزه آنيه” – أي “الأمّ بيروزه” – ، حتى أولئك الذين لا تربطهم بها أيّة قرابة ينادونها هكذا. أحدُ أبنائها مات رضيعاً، واثنان، كما تقول، “صعدا إلى الجبل”. صورهما معلّقة في إطارات مذهّبة على الجدار المقابل. “شهداؤنا”، تقول.
التلفاز يعمل؛ قناة كردية تبثُّ من المنفى الأوروبيّ. حتى وقت قريب كانت هذه القناة تنقلُ أخبار الحرب الدائرة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، أما الآن، فتتحدّث عن السلام. لقد أعلن حزب العمال الكردستاني حلّ نفسه وقرّر نزع سلاحه، بعد ما يقرب من نصف قرن من الكفاح، وأكثر من أربعين ألف قتيل.
تتسلّل حرارة المساء من الخارج إلى غرفة الجلوس. على الشاشة، يظهر سياسي كردي يردّد: “دعونا نكتب التاريخ”. يجلس شاكر، زوج بيروزه كورت، بجوارها صامتاً. فالكلمةُ في العائلة لها. ثمّ تشرحُ لنا لمَ تتفهَّم قرار أبنائها بالقتال، ولماذا اليوم تنشد السلام.
تتحدث عن مدينتها، إزمير، المدينة المليونية على بحر إيجه، التي تهبط فيها هذه الأيام طائرات قادمة من نوتنغهام أو بريمن، محمّلةً بسيّاح من شمال أوروبا يبحثون عن الشمس. في أثناء حديثِها، تمتلئ مطاعم الكورنيش البحري بالروّاد. تقول: “الناس يأتون لقضاء العطلة هنا… أما أكراد إزمير، فقد صعدوا إلى الجبال كمقاتلي كريلّا”.
يُقال إن عددهم بلغ بضع مئات، فقط من إزمير. شابات وشبان يقاتلون الدولة التي نشأوا فيها. تماماً كما فعل ابنها آيدن وابنتها نُودَم.
تتحدثُ بخفوت بلغةٍ تعلّمتها في شبابِها، لتتمكّن من الحديث في المتجرِ والتفاهم مع الموظفين في الدوائر الرسميّة: بالتركيّة. حين قدمت بيروزه كورت إلى إزمير قادمة من قرية قرب ماردين جنوب شريق البلاد، لم تكن تعرف سوى الكردية. غادرت القرية مع زوجها عام 1989. وبعد عام أضرم جنود أتراك النيران في قريتهم.
تقول إن التمييز ضدّ الكرد لم يلفت انتباهها في إزمير إلا بعد سنوات من الاستقرار فيها، حين بدأت تفهم ما يقوله الأتراك. “لقد شعر أولادي أيضاً بذلك”، وتُضيف “شعروا بأنّنا كنّا دائماً الآخر؛ غرباء في وطننا وعلى أرضِنا”.
آيدِن، ابنها، كان يشعرُ بذلك، مثلاً، كلما أوقفته الشرطة وهو في طريقه إلى العمل، ما جعله يتأخّر غير مرّةٍ على عمله في مصنع النسيج. وفي البيت كان أطفالُها يشعرون بذلك أيضاً، لاسيما عندما كانوا يستمعون إلى الموسيقى الكردية، فتطلب منهم قائلةً: من الأفضل أن تخفضوا الصوت. أو ليلاً، عندما يسمعون صوتاً في الرواق فيظنون فوراً أنهم الشرطة. أو في المدينة، عندما يتحدثون في ما بينهم بالتركية لا بلغتهم الأم. وكذلك في ربيع 2011، حين اندلعت احتجاجات كردية في الجنوب الشرقي؛ ففي إحدى التظاهرات، أُطلق الرصاص على رجل فقُتِلَ، وكان أحد أقارب العائلة. سافر الأب لحضور الجنازة، وحين عاد إلى إزمير رأت نودَم صورة القتيل على بطاقة النعوة وردّدت: “سأثأر لك”.
هذا ما ترويه أمها اليوم. “لكنّها تفهَّمت الأمر” كما تقولُ؛ لقد فهمت لماذا ذهب ولداها إلى الجبل.
كذبت نودَم على والدتها، قالت إنها سترافق صديقةً إلى موقف الحافلات.
لوّحت لوالدتها التي كانت تقف عند النافذة في الطابق الخامس، حتى اختفت عن ناظرها. كان ذلك في عام 2014. لاحقًا، شاهدت بيروزه كورت وزوجها على التلفاز — عبر القناة الكردية — مقابلة مع ابنتهما، من الجبل.
أما آيدِن، الابن، فقد اضطر للالتحاق بالخدمة العسكرية. خدم في حكّاري، المحافظة الكُرديّة الواقعة في أقصى الشرق. في ذلك الحين، عام 2015، كانت تلك منطقةَ حرب. كان آيدِن جنديّاً في الجيش التُركيّ، بينما شقيقته مقاتلة على الجبهة المقابلة. رفاقه في الجيش كانوا يعرفون بالأمر. وحين عاد إلى إزمير، لم يقل شيئاً عن فترة خدمته، لكنه كان يكتب بغضبٍ على الإنترنت حين يشاهد تقارير من الجنوب الشرقي — كان غضبه موجّهاً ضدّ الدولة. “توقّف عن هذا”، قالت له أمّه، “قد يأتون ليأخذوك بسببه”. فأجابها: “كيف لي أن أحتمل هذا، يا أمي؟”.
بعد خمسة أشهر، اختفى. عاد إلى الشرق — لكن، هذه المرة، ضمن مجموعة YPG، القريبة من حزب العمال الكردستاني. لقد نجا آيدِن أثناء الخدمة العسكرية، لكنّه هذه المرّة، على الضفة الأخرى، سرعان ما لقي حتفه. قُتل في حكّاري، حيث كان يخدُم سابقاً كجندي.
إقرأوا أيضاً:
أما نودَم، فقد بقيت ضمن صفوف الحزب وقتاً أطول — عقداً كاملاً. “هكذا هي الأمور”، تقول بيروزه كورت – “أبناؤنا قُتلوا، ونحن نطلب السلام”. يحلّ الليل في إزمير. تنهض بيروزه من مكانها، لكن حكايتها لم تنته بعد. “إلى الغد”، تقول.
في إزمير تبدو الحرب بعيدةً للغاية؛ إنّها مدينة المعارضة التركيّة العلمانيّة المُحاطة بالشواطئ. ميكونوس اليونانيّة أقربُ إليها من جنوب شرقي البلاد. لكن ليس لهذا السببِ فحسب يبدو الصراع بعيداً، بل لأنّه كان دائمَ الحضور، منذ الثمانينات، يحتدُّ حيناً ويخفتُ حيناً آخر؛ اعتادت البلاد عليه، فهل ستعتاد الآن على السلام؟
بجانب مقهى في وسط المدينة يغدو الصراعُ قريباً بشكل مُفاجئ؛ فثمّة مكتبٌ صغيرٌ، تستندُ إلى جدرانه أطراف صناعيّة، وكأنّها تذكارٌ لما خلّفته الحربُ. يعودُ هذا المكتبُ الى جمعيّة تُدعى “عائلات الشهداء”. خلف طاولته يجلس أردَم جَرجي أوغلو، الذي قاتل سابقاً حين كان مجنّداً إلزاميّاً، أسوةً بمعظم الرجال الأتراك. لقد أُصِيبَ في الحربِ، وها هو يُرينا وسامَه. إنّه يجيءُ إلى هنا كلَّ يومٍ، يمرّ بالأطراف الصناعيّة هذه متذكّراً الحربَ. “تفضَّل بالجلوس”، يقول جرجي أوغلو، ويطلبُ لنا الشّاي.
سلام؟ “نحن نريده أيضاً”، يقول. “لكنّنا نريد أن نعرف أيضاً، من أجل ماذا قاتلنا إذن؟”، فالأمر يتعلّق بالاحترام، يردف. كيف يمكن أن يكون الرئيس الذي يحكم منذ عام 2003 قد اضطرّ إلى خوض الحرب طوال هذه المدة كي يعلنها منتهية الآن؟ ،”إذا كان الأمر بهذه البساطة”، يقول جَرجي أوغلو، “فلماذا لم يفعلوا ذلك قبل أن يموت الآلاف؟”.
السلام، كما يقول، لا يمكن فرضه من الأعلى. لكي يتحقّق، لا بدّ من أن يجلس شخص مثله إلى الطاولة مع عائلات كرديّة. مع عائلات كعائلة بيروزه كورت.
هل ستفعل؟ “نعم”، ثمّ يُضيف “ولمَ لا أفعل؟”. يقولُ جرجي أغلو إنّه يدركُ تماماً أن “أولئك أيضاً لم يصعدوا إلى الجبل من أجل اللهو.” لكنّه يشكّ في هذا السلام. يقول إنّ الرئيس لا يسعى من خلاله إلا الى صرف الأنظار عن الأزمة الاقتصادية، واستمالة أصوات الأكراد لولاية جديدة.
الحرب بعيدةٌ عن إزمير، إلا إذا التقيتَ عائلة مثل عائلة كورت، أو أنصتَّ لأحدٍ مثل أردم جرجي أوغلو، أو زرتَ مقبرة القتلى هناك فوق المدينة، حيث ينعون الجنود القتلى بإطلالةٍ على البحر المتوسّط، وينبعث من مكبّر صوتٍ تسجيلٌ لتلاوة إمام لا ينقطع طَوال النهار.
في فترة ما بعد الظهيرة؛ يجلسُ أبٌ على مقعدٍ قبالة أحد القبور. يقول إنّه يأتي إلى هنا كلّ يوم؛ “لقد تقاعدتُ، وبات لدي متّسع من الوقت، وهنا أجمل من المقهى بالنسبة إلي. في هذا المكان يمكنني أن أكون قريباً من ابني علي، الذي قُتل عام 2018 في مدينة عفرين السورية، خلال المعارك ضدّ وحدات حماية الشعب الكردية، المُقرّبة من حزب العمّال الكردستاني”.
وهناك، في أقصى المقبرة، ثمّة قبرٌ جديد: إسماعيل مادَن، قُتل في 29 حزيران/ يونيو 2025. كان قرارُ حلِّ حزب العمال الكردستاني قد أُعلِنَ حينها منذ مدّة. يقولُ الأبُ الواقفُ هناك عند القبرِ، والذي رفض الإفصاح عن اسمِه: “فليُقنعني” – يقصد الرئيس أردوغان – “فليُقنعني أنا، لا النواب الذين لم يفقدوا أبناءهم”.
يُحكى له عن بيروزه كورت، السيّدة الكردية من إزمير، التي تنشدُ السّلامَ وقد فقدت اثنين من أولادها على الطرف الآخر من الجبهة. حينها يروي الرجلُ أنّه، بعد مقتل علي، لم يعُد يسمح لابنه الثاني، الذي كان بدوره في الجيش، بالالتحاق بالخدمة. مات علي، وبقي شقيقه في المنزل. “لماذا”، يسأل الرجل، “لم تمنع أولادها من الذهاب إلى الجبل؟”.
لماذا؟
في المساء، عند الغروب، تجلسُ بيروزه كورت مجدداً على الأريكة. التلفاز يعمل، والأبناء يقدّمون القهوة التركية. تقول: “كيف كنت سأتمكّن من منعهم؟ لقد كانوا بالغين.” ثم تُضيف: “نعم، لقد قاتلوا من أجل الوجود الكردي”. “من أجل شعبنا، من أجل لغتنا”، يردفُ الأب — وكانت هذه أوّل مرّة يتكلّم فيها. “ذلك ما لا يستطيع الأتراك فهمه”، يقول أحد الأبناء الذين انضمّوا إلى الحديث، “إنهم يفتقرون إلى التعاطف”.
تروي بيروزه كورت عن جنازة آيدن، وكيف أنّه دُفن في البداية من دون اسم. كان ابنها قد مات، هذا ما علمته العائلة، لكن أين كان جثمانه؟ سافر الوالدان إلى الشرق وتفاوضا مع وكلاء النيابة العامة.
قالت لهم الأمُّ بيروزه: “أحضِروا لي ابني… حتى لو اضطررتُ أن أدفع لكم المال لأجل ذلك”.
استغرق الأمر سبع سنوات حتى لبّت الدولة مطلبهم. في كانون الثاني/ يناير 2023، نُقِلَت رفات آيدِن من أرضروم في شمال شرقي البلاد، عبر الجبال المغطاة بالثلوج إلى الجنوب الشرقي، إلى ديار بكر الكردية، حيث أرادوا دفنه. في ديار بكر، كما تقول كورت، واجهوا طوقاً من الشرطة. قال لها قائد الشرطة إنه سيُصادِرُ الجثمان مجدداً إذا مدح أحدهم حزب العمال الكردستاني أثناء الجنازة.
وفي الظلمة، أقام إمامٌ صلاة الجنازة، تحت أضواء كاشفة لآلةٍ ثقيلةٍ؛ لم يكن بحوزتهم تابوت، فقط الكيس الأبيض الذي سلّموا فيه جثمان آيدِن. بعد عام، علموا عبر التلفاز أنّ نودم قد لقيت حتفها في غارة جوية تركية استهدفت موقعاً لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق.
سلام؟
“سيستغرق الأمر وقتاً”، تقول بيروزه كورت. ينبغي الإفراج عن السجناء السياسيين؛ ثمّة عوزٌ إلى الثقّة، إلى اليقين بأنّ الشرطة لن تطرق بابنا ذات ليلة. في الواقع، تقول بيروزه ما كان يقصده المُحارب السابق، أردم جرجي أوغلو: السلام لا يُملى، بل يجب أن يجده المجتمع بنفسه.
“لكن لا ينبغي لنا تفويت هذه الفرصة”، تقول كورت؛ “حتى لو كان مجرّد مناورة سياسية من الرئيس، لا بأس”، وتضيف :”يجب ألا تبكي مزيدٌ من الأمهات”.













