ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن “سوزي الأردنيّة” التي لا نحبّها في العلن!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

 بعد الحكم عليها بالحبس عامين وغرامة 200 ألف جنيه بتهمة “الإساءة الى قيم الأسرة المصرية”، خرجت سوزي الأردنية منهارة في لايف عبر حسابها على تيك توك، لا تعرف لماذا تعاقَب على ما اعتبره المجتمع “إفيه” تم تداوله في المسلسلات كافة خلال العام الفائت.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“أنا مش عارفة إيه اللي هيحصلي الأيام الجاية… أنا مش عارفة أنا هختفي ولا هتحبس ولا هعمل إيه، أنا والله العظيم ضحية وصغيرة ومكنتش أعرف إيه اللي هيحصلي… أنا بس كنت عاوزة أأمن مستقبل إخواتي وأهلي، أنا معملتش أي حاجة… عشان قولت الشارع اللي وراه، طب ما الممثلين كلها قالتها، بتقبضوا عليا ليه… أنا محتاجة الناس تقف معايا أنا طول عمري عمود البيت رغم سني الصغير… أنا مش عارفة حاجة”

 بعد الحكم عليها بالحبس عامين وغرامة 200 ألف جنيه بتهمة “الإساءة الى قيم الأسرة المصرية”، خرجت سوزي الأردنية منهارة في لايف عبر حسابها على تيك توك، لا تعرف لماذا تعاقَب على ما اعتبره المجتمع “إفيه” تم تداوله في المسلسلات كافة خلال العام الفائت.

 استأنفت النيابة المصرية على الحكم الأول ببراءة سوزي من التهمة نفسها قبل شهور، بحجة أن “100 ألف جنيه كفالة لا تكفي لتعويض قيم الأسرة المصرية”، وأن خروج الطفلة سوزي من دون سجن سيدفع العالم نحو هاوية “الشارع اللي وراه”. 

فيما خشيت النيابة من خطر سوزي على “قيم الأسرة المصرية”، لم تخشَ الممثلة وابنة عائلة أديب “أميرة أديب” من القيم ذاتها حين وضعت صورها وفيديوهاتها الحميمية مع شريكها الأجنبي على صفحتها الرسمية عبر موقع إنستغرام، لم تنزعج أميرة حتى من التعليقات التي سبّتها واتهمتها بالانحلال، فهي لا تهتم لما سيقال، والنيابة المصرية بالتأكيد لا تطالع صفحة ابنة عائلة أديب، لكنها تحاصر “المطريّة” وما شابهها. 

عبر منصة تيك توك، تحصد فيديوهات سوزي الأردنية نسب مشاهدات عالية للغاية، نحن أمام “ريالتي شو” يقترب من الحياة الواقعية لغالبية المصريين الذين يعيش 60 في المئة منهم تحت خط الفقر. 

 فتاة في سن المراهقة، تشبه بنات جيلها في غالبيتهم، تحمل التناقضات ذاتها، بين حب أهلها ونفورها عنهم، الرغبة في الحصول على الحب وكراهيتها للقيود والتحكم، البحث عن المثالية وفي الوقت نفسه الاستمتاع بالحياة، عاشت سوزي 11 عاماً من عمرها في الأردن فحازت منها اللقب ولم تحظ بالجنسية، فحملت جنسية مصر وتمنت لو لم تعد إليها. 

“آه… الشارع يلي وراه”

لن أدّعي المثالية، ففيما ظهر فيديو سوزي الأردنية الأول وهجومها على أبيها بسبب سرقته أموالها، تحاملتُ عليها مثل الجميع، كرهت نبرة صوتها وهي تقول لأبيها “هعملك محضر إبن فاجرة دلوقتي“، كيف تجرؤ تلك الصغيرة على توجيه إهانة لسلطة أبيها، لماذا تعترض حتى وإن استباحها الأب وسرق مالها، هل يبرر ذلك أن تتطاول عليه، غضبت مثل الكثيرين من الآباء والأمهات، لا أعرف ربما خوفاً أن أفاجأ ذات يوم بابني الذي يقل عمره عن عمر سوزي بعامين، يحادثني  وأبيه بالطريقة ذاتها، أو ربما لأن جيلنا اعتاد الصمت على المكاره، فلماذا تخرج تلك الفتاة عما آلفناه طيلة عمرنا؟! 

لم أشارك في البداية شيئاً من أخبار سوزي أو فيديوهاتها، ولم أعلق على حبسها يوماً على أثر انتفاضة النيابة المصرية للحفاظ على قيم الأسرة، فحبست الطفلة ليومين وخرجت بعدها وهي تحتضن أبيها وقد تعلمت الدرس “أنت ومالك لأبيك وللنيابة”. 

العجيب أن غالبية مسلسلات شهر رمضان الماضي وموسم ما بعد رمضان استخدمت إيفيه سوزي الشهير”آه… الشارع اللي وراه”، بل أيضاً المسلسل الذي سجل أعلى نسبة مشاهدة، والذي جسدت فيه ليلى زاهر شخصية فتاة تبحث عن تريند التيك توك مستعينة بكاريكاتور سوزي الأردنية، وهو ما جعل الفتاة الصغيرة تعود مجدداً للظهور والانتشار لكن ليس كهادمة لقيم الأسرة بل كبطلة يسعى الجميع الى الاستفادة منها. 

لماذا أحببت سوزي؟  

كانت نقطة التحول في علاقتي بسوزي الأردنية، حين مر أمامي مصادفة فيديو لها يسألها فيه أحد متابعيها: “انتي ليه مش بتهتمي بأخواتك وتصرفي عليهم زي ما بتهتمي وتصرفي على نفسك؟”.

لم تجمل سوزي ردها، بل أجابت مباشرة: “انا مش أمهم، ثم أكملت أنا إخواتي براعيهم وأهتم بيهم وكل حاجة بس في الآخر أنا أختهم مش أمهم، هما مش مسؤوليتي ومش هشيل كل حاجة”. 

لخصت الفتاة الصغيرة بتلقائية عقدة أجيال كثيرة، وقالت “أنا مش أمهم ومش هشيل كل حاجة”.  هنا كان التحول في علاقتي بسوزي الأردنية وبداية نظرة مختلفة لفتاة ترفض أن تكون من القطيع.  

ما وصلت إليه سوزي قبل أن تبدأ عقدها الثاني من عمرها، كلّفني وكّلف جيلي أربعة عقود كاملة وخمس أطباء نفسيين والكثير جداً من تساؤلات جلد الذات، وتروما الطفولة وربما محاولات الانتحار لكي نصل الى النتيجة ذاتها “احنا مش أمهم”، ليس لأشقائنا فقط بل لكل ما أحاط بنا من علاقات سواء الأهل أو الأصدقاء أو علاقات العمل أو الحب والزواج، كنا أمهات للجميع. فلم ينجح أحد وتفوّقت سوزي. 

“أنا مش عارفة إيه اللي هيحصلي الأيام الجاية… أنا مش عارفة أنا هختفي ولا هتحبس ولا هعمل إيه، أنا والله العظيم ضحية وصغيرة ومكنتش أعرف إيه اللي هيحصلي”

“تلفزيون واقع” المطرية 

بدأت بمتابعة ريالتي شو سوزي الأردنية، تتغير الفتاة كل يوم، تكبر وتنضج وتحب وتغضب وتثور، تصلي خشية الله، ولا تخشى جمهورها وترتدي الحجاب أحياناً انصياعاً لرغبتهم، تحتضن أختيها، تضحك دوماً حتى عندما تخبرها طبيبة نفسية أرادت توجيه مساعدة لها أنها لديها مشكلة عقلية مثل شقيقتها التوأم التي تعاني من مرض عقلي، تضحك سوزي أمام الكاميرا وربما تبكي خلفها. 

في الشهور الأخيرة، تصدرت سوزي الأردنية تريند المصريين، حب وخطوبة، 33 في المئة في الثانوية العامة، مشاكل وانفصال ثم محاولات للعودة ثم تخطي وتجاوز، وسفر وعمل وعلاقة جديدة، ثم قرار جديد بحبسها بعد استئناف النيابة، وكفالة لخروجها، أحداث متسارعة يومية في حياة طفلة لم تتجاوز الثامنة عشرة، كل يوم هناك فيديو جديد يدفعني الى أن أحبها أكثر. 

ترفض الصغيرة أن يضربها خطيبها، على رغم محبتها له، لكنها ترفض تعنيفه المستمر، لا تريد لحياتها أن تكون نسخة من حياة أمها، ثم تأتي الى الدنيا بأطفال تحملهم جريرتها كما فعلت أمها معها، فكانت تخبرهم كل يوم أنها تكرههم وأنهم السبب لاستمرارها في حياتها مع والدهم.  

في فيديو آخر بعد انتهاء الخطبة، ترفض ما يفعله خطيبها السابق بخصوص التشهير بها في البرامج التلفزيونية ومواقع التواصل، لكنها مع ذلك ترفض أن تستخدم أسلوبه تبادله الاتهامات نفسه، فكانت ترقص وتضحك وتنشر مقاطع عن مدى قوتها وقدرتها على التخطي. ثم تبكي وحيدة… لست وحدك يا سوزي. 

لو تتبعت حياة سوزي ستجدها تتمحور حول عائلتها، فهي تستيقظ صباحاً لتنفيذ تعليمات أمها بالاهتمام بإخوتها و تجهيز الفطور لهم وترتيب المنزل وتأدية الصلاة، تمشط شعر شقيقتها المريضة وتلعب بطريقتها مع الشقيقة الأصغر، ثم تعود الأم الى المنزل وتخرج سوزي الى حياتها. 

بالنسبة الى كثيرين، سوزي مجرد تريند وسينتهي، إيفيه مر يوماً على حياتهم، لكن بالنسبة الى آخرين لن تمر سوزي، إذ كشف سفرها لدولة الإمارات في نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي عن وجه آخر لها، فعلى رغم أنها في رحلة عمل قيل إنها دعاية لإحدى الشركات الإماراتية بمبلغ يتجاوز الخمسة ملايين جنيه، إلا أنها ذهبت خصيصاً لمقابلة “فهودي” الشاب الإماراتي من ذوي الهمم، الذي يحب فيديوهاتها ويتابعها باستمرار على تيك توك، قابلته سوزي في أحد المولات بدبي، واحتضنته ورقصت معه في مشهد لا يحمل شبهة الترند، فقد كان الصبي نسخة عن شقيقتها التي تحب. 

الغالب غالب… “ترند إيجيبت” 

في التوقيت ذاته، احتل ترند المصريين ريالتي شو آخر، لكنه هذه المرة قادم من “إيجيبت” -لقب ساخر أطلقه المصريون على شباب الكمبوندات الأغنياء- بين دبي والساحل وفيلا العائلة في الكمبوند،  كانت مشاهد ريالتي شو “الغالب غالب” عن حياة  الإنفلونسر وسيدة الأعمال الطموحة وصاحبة براند المايوهات، هادية غالب. 

 أسرة مصرية أخرى، تعيش حياة لا يحصل عليها سوى 10 في المئة من المصريين الذين يتجاوز عددهم الـ106 ملايين نسمة، أب عاش في الخليج غالبية عمره، يساعد ابنته على بدء مشروعها الخاص بمليون دولار، ثم تنحيه الابنة جانباً وتعامله كضيف على العمل وليس مؤسّسه. 

نتابع في ريالتي شو هادية حياة عائلية مختلفة لا تثير حفيظة النيابة المصرية، لكنها مع ذلك لم تسلم من انتقادات المصريين التي ترى في تعامل هادية وأمها مع والدها نموذج اًلا يحتذى في احترام دور الأب الذي ساعد ابنته بمليون دولار. 

بين غالب، والد هادية، وأيمن، والد سوزي، اختلافات عدة، أبرزها وجود الأم، ففي حياة سوزي لا تظهر الأم أبداً، فقط عبر مداخلات صوتية تحمل توجيهاً أو طلباً من الابنة، لكن في حياة هادية لا تفارق الأم كل المشاهد، تشاركها أفكار العمل والبحث عن عريس، والرد على المتنمرين، والتعامل مع أبيها الذي لا تكف الأم والابنة عن تجاهله، بينما يستشعر المصريون حرجه، فيتعاطفون معه في أكثر من مقطع، ضد الزوجة التي لم تحسن معاملة زوجها ولا تربية الابنة. 

النسوية بين هادية وسوزي 

في وسط زخم الدعم لسلطة الأب في الغالب غالب، ظهرت الناشطة النسوية، غدير أحمد، لتدعم تعامل هادية وأمها، هنا وجد المصريون ضحيتهم المناسبة ليست هادية سيدة الأعمال، بل غدير أحمد الناشطة النسوية. 

هناك قرابة الألف مشاركة من منشور غدير، تراها في غالبيتها ابنة عاقة، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تدافع فيها الناشطة النسوية عن الانفلونسر هادية غالب، فقد كتبت عنها مدافعة في معركة the blind date ثم كتبت عنها مرة أخرى كنموذج مظلوم من المجتمع لأنها فقط متحققة ولا تعيش في صعبانيات.

 في كل ذلك لم تعر الناشطة النسوية انتباهاً لسوزي الأردنية ابنة المطرية، التي حوكمت مرتين بتهمة الإساءة لقيم الأسرة المصرية والتي تعيش حياة مستغلَّة فيها من كل من حولها. 

في عام 2012، أتذكر لقاء صحافياً جمعني بغدير أحمد القادمة من الريف للدراسة والعمل في القاهرة، التي أسست حملة “ثورة البنات”، وكانت “حملة استرجل و ماتركبش عربة السيدات”، أو أنشطتها.  آنذاك، كانت غدير تشبه إلى حد كبير سوزي الأردنية، فتاة مصرية عادية تهتم لما يشغل بال الملايين من الفتيات من أبناء الطبقة الوسطى وما دونها، فخاضت حملات ضد التحرش والختان والعنف الأسري،  قبل أن تحمل لقب ناشطة نسوية وتنشغل بالموعد الأعمى لهادية غالب.

جدير بالذكر أن الصفحة الرسمية لحملة “ثورة البنات” التي أسستها غدير أحمد  قد توقفت عن نشر أي منشورات نسوية منذ عام 2020، وأن آخر منشوراتها كان عن نقد منشور للمجلس القومي للمرأة في أعقاب عاصفة التنين التي مرت بها البلاد في آذار/ مارس 2020، وفي المنشور صورة لإمرأة استمرت في عملها في بيع الخضار في أسوأ الظروف المناخية، وهو ما اعتبرته الصفحة الناشطة في حقوق المرأة نوعاً من التضليل، لأن هذه الصورة تثبت خللاً في النظام الاجتماعي الذي لا يحمي المرأة المصرية الفقيرة، وقد تخلت عنها مؤسسات الدولة بل وأيضاً “تقتات على معاناتها”. 

21.10.2024
زمن القراءة: 7 minutes

 بعد الحكم عليها بالحبس عامين وغرامة 200 ألف جنيه بتهمة “الإساءة الى قيم الأسرة المصرية”، خرجت سوزي الأردنية منهارة في لايف عبر حسابها على تيك توك، لا تعرف لماذا تعاقَب على ما اعتبره المجتمع “إفيه” تم تداوله في المسلسلات كافة خلال العام الفائت.

“أنا مش عارفة إيه اللي هيحصلي الأيام الجاية… أنا مش عارفة أنا هختفي ولا هتحبس ولا هعمل إيه، أنا والله العظيم ضحية وصغيرة ومكنتش أعرف إيه اللي هيحصلي… أنا بس كنت عاوزة أأمن مستقبل إخواتي وأهلي، أنا معملتش أي حاجة… عشان قولت الشارع اللي وراه، طب ما الممثلين كلها قالتها، بتقبضوا عليا ليه… أنا محتاجة الناس تقف معايا أنا طول عمري عمود البيت رغم سني الصغير… أنا مش عارفة حاجة”

 بعد الحكم عليها بالحبس عامين وغرامة 200 ألف جنيه بتهمة “الإساءة الى قيم الأسرة المصرية”، خرجت سوزي الأردنية منهارة في لايف عبر حسابها على تيك توك، لا تعرف لماذا تعاقَب على ما اعتبره المجتمع “إفيه” تم تداوله في المسلسلات كافة خلال العام الفائت.

 استأنفت النيابة المصرية على الحكم الأول ببراءة سوزي من التهمة نفسها قبل شهور، بحجة أن “100 ألف جنيه كفالة لا تكفي لتعويض قيم الأسرة المصرية”، وأن خروج الطفلة سوزي من دون سجن سيدفع العالم نحو هاوية “الشارع اللي وراه”. 

فيما خشيت النيابة من خطر سوزي على “قيم الأسرة المصرية”، لم تخشَ الممثلة وابنة عائلة أديب “أميرة أديب” من القيم ذاتها حين وضعت صورها وفيديوهاتها الحميمية مع شريكها الأجنبي على صفحتها الرسمية عبر موقع إنستغرام، لم تنزعج أميرة حتى من التعليقات التي سبّتها واتهمتها بالانحلال، فهي لا تهتم لما سيقال، والنيابة المصرية بالتأكيد لا تطالع صفحة ابنة عائلة أديب، لكنها تحاصر “المطريّة” وما شابهها. 

عبر منصة تيك توك، تحصد فيديوهات سوزي الأردنية نسب مشاهدات عالية للغاية، نحن أمام “ريالتي شو” يقترب من الحياة الواقعية لغالبية المصريين الذين يعيش 60 في المئة منهم تحت خط الفقر. 

 فتاة في سن المراهقة، تشبه بنات جيلها في غالبيتهم، تحمل التناقضات ذاتها، بين حب أهلها ونفورها عنهم، الرغبة في الحصول على الحب وكراهيتها للقيود والتحكم، البحث عن المثالية وفي الوقت نفسه الاستمتاع بالحياة، عاشت سوزي 11 عاماً من عمرها في الأردن فحازت منها اللقب ولم تحظ بالجنسية، فحملت جنسية مصر وتمنت لو لم تعد إليها. 

“آه… الشارع يلي وراه”

لن أدّعي المثالية، ففيما ظهر فيديو سوزي الأردنية الأول وهجومها على أبيها بسبب سرقته أموالها، تحاملتُ عليها مثل الجميع، كرهت نبرة صوتها وهي تقول لأبيها “هعملك محضر إبن فاجرة دلوقتي“، كيف تجرؤ تلك الصغيرة على توجيه إهانة لسلطة أبيها، لماذا تعترض حتى وإن استباحها الأب وسرق مالها، هل يبرر ذلك أن تتطاول عليه، غضبت مثل الكثيرين من الآباء والأمهات، لا أعرف ربما خوفاً أن أفاجأ ذات يوم بابني الذي يقل عمره عن عمر سوزي بعامين، يحادثني  وأبيه بالطريقة ذاتها، أو ربما لأن جيلنا اعتاد الصمت على المكاره، فلماذا تخرج تلك الفتاة عما آلفناه طيلة عمرنا؟! 

لم أشارك في البداية شيئاً من أخبار سوزي أو فيديوهاتها، ولم أعلق على حبسها يوماً على أثر انتفاضة النيابة المصرية للحفاظ على قيم الأسرة، فحبست الطفلة ليومين وخرجت بعدها وهي تحتضن أبيها وقد تعلمت الدرس “أنت ومالك لأبيك وللنيابة”. 

العجيب أن غالبية مسلسلات شهر رمضان الماضي وموسم ما بعد رمضان استخدمت إيفيه سوزي الشهير”آه… الشارع اللي وراه”، بل أيضاً المسلسل الذي سجل أعلى نسبة مشاهدة، والذي جسدت فيه ليلى زاهر شخصية فتاة تبحث عن تريند التيك توك مستعينة بكاريكاتور سوزي الأردنية، وهو ما جعل الفتاة الصغيرة تعود مجدداً للظهور والانتشار لكن ليس كهادمة لقيم الأسرة بل كبطلة يسعى الجميع الى الاستفادة منها. 

لماذا أحببت سوزي؟  

كانت نقطة التحول في علاقتي بسوزي الأردنية، حين مر أمامي مصادفة فيديو لها يسألها فيه أحد متابعيها: “انتي ليه مش بتهتمي بأخواتك وتصرفي عليهم زي ما بتهتمي وتصرفي على نفسك؟”.

لم تجمل سوزي ردها، بل أجابت مباشرة: “انا مش أمهم، ثم أكملت أنا إخواتي براعيهم وأهتم بيهم وكل حاجة بس في الآخر أنا أختهم مش أمهم، هما مش مسؤوليتي ومش هشيل كل حاجة”. 

لخصت الفتاة الصغيرة بتلقائية عقدة أجيال كثيرة، وقالت “أنا مش أمهم ومش هشيل كل حاجة”.  هنا كان التحول في علاقتي بسوزي الأردنية وبداية نظرة مختلفة لفتاة ترفض أن تكون من القطيع.  

ما وصلت إليه سوزي قبل أن تبدأ عقدها الثاني من عمرها، كلّفني وكّلف جيلي أربعة عقود كاملة وخمس أطباء نفسيين والكثير جداً من تساؤلات جلد الذات، وتروما الطفولة وربما محاولات الانتحار لكي نصل الى النتيجة ذاتها “احنا مش أمهم”، ليس لأشقائنا فقط بل لكل ما أحاط بنا من علاقات سواء الأهل أو الأصدقاء أو علاقات العمل أو الحب والزواج، كنا أمهات للجميع. فلم ينجح أحد وتفوّقت سوزي. 

“أنا مش عارفة إيه اللي هيحصلي الأيام الجاية… أنا مش عارفة أنا هختفي ولا هتحبس ولا هعمل إيه، أنا والله العظيم ضحية وصغيرة ومكنتش أعرف إيه اللي هيحصلي”

“تلفزيون واقع” المطرية 

بدأت بمتابعة ريالتي شو سوزي الأردنية، تتغير الفتاة كل يوم، تكبر وتنضج وتحب وتغضب وتثور، تصلي خشية الله، ولا تخشى جمهورها وترتدي الحجاب أحياناً انصياعاً لرغبتهم، تحتضن أختيها، تضحك دوماً حتى عندما تخبرها طبيبة نفسية أرادت توجيه مساعدة لها أنها لديها مشكلة عقلية مثل شقيقتها التوأم التي تعاني من مرض عقلي، تضحك سوزي أمام الكاميرا وربما تبكي خلفها. 

في الشهور الأخيرة، تصدرت سوزي الأردنية تريند المصريين، حب وخطوبة، 33 في المئة في الثانوية العامة، مشاكل وانفصال ثم محاولات للعودة ثم تخطي وتجاوز، وسفر وعمل وعلاقة جديدة، ثم قرار جديد بحبسها بعد استئناف النيابة، وكفالة لخروجها، أحداث متسارعة يومية في حياة طفلة لم تتجاوز الثامنة عشرة، كل يوم هناك فيديو جديد يدفعني الى أن أحبها أكثر. 

ترفض الصغيرة أن يضربها خطيبها، على رغم محبتها له، لكنها ترفض تعنيفه المستمر، لا تريد لحياتها أن تكون نسخة من حياة أمها، ثم تأتي الى الدنيا بأطفال تحملهم جريرتها كما فعلت أمها معها، فكانت تخبرهم كل يوم أنها تكرههم وأنهم السبب لاستمرارها في حياتها مع والدهم.  

في فيديو آخر بعد انتهاء الخطبة، ترفض ما يفعله خطيبها السابق بخصوص التشهير بها في البرامج التلفزيونية ومواقع التواصل، لكنها مع ذلك ترفض أن تستخدم أسلوبه تبادله الاتهامات نفسه، فكانت ترقص وتضحك وتنشر مقاطع عن مدى قوتها وقدرتها على التخطي. ثم تبكي وحيدة… لست وحدك يا سوزي. 

لو تتبعت حياة سوزي ستجدها تتمحور حول عائلتها، فهي تستيقظ صباحاً لتنفيذ تعليمات أمها بالاهتمام بإخوتها و تجهيز الفطور لهم وترتيب المنزل وتأدية الصلاة، تمشط شعر شقيقتها المريضة وتلعب بطريقتها مع الشقيقة الأصغر، ثم تعود الأم الى المنزل وتخرج سوزي الى حياتها. 

بالنسبة الى كثيرين، سوزي مجرد تريند وسينتهي، إيفيه مر يوماً على حياتهم، لكن بالنسبة الى آخرين لن تمر سوزي، إذ كشف سفرها لدولة الإمارات في نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي عن وجه آخر لها، فعلى رغم أنها في رحلة عمل قيل إنها دعاية لإحدى الشركات الإماراتية بمبلغ يتجاوز الخمسة ملايين جنيه، إلا أنها ذهبت خصيصاً لمقابلة “فهودي” الشاب الإماراتي من ذوي الهمم، الذي يحب فيديوهاتها ويتابعها باستمرار على تيك توك، قابلته سوزي في أحد المولات بدبي، واحتضنته ورقصت معه في مشهد لا يحمل شبهة الترند، فقد كان الصبي نسخة عن شقيقتها التي تحب. 

الغالب غالب… “ترند إيجيبت” 

في التوقيت ذاته، احتل ترند المصريين ريالتي شو آخر، لكنه هذه المرة قادم من “إيجيبت” -لقب ساخر أطلقه المصريون على شباب الكمبوندات الأغنياء- بين دبي والساحل وفيلا العائلة في الكمبوند،  كانت مشاهد ريالتي شو “الغالب غالب” عن حياة  الإنفلونسر وسيدة الأعمال الطموحة وصاحبة براند المايوهات، هادية غالب. 

 أسرة مصرية أخرى، تعيش حياة لا يحصل عليها سوى 10 في المئة من المصريين الذين يتجاوز عددهم الـ106 ملايين نسمة، أب عاش في الخليج غالبية عمره، يساعد ابنته على بدء مشروعها الخاص بمليون دولار، ثم تنحيه الابنة جانباً وتعامله كضيف على العمل وليس مؤسّسه. 

نتابع في ريالتي شو هادية حياة عائلية مختلفة لا تثير حفيظة النيابة المصرية، لكنها مع ذلك لم تسلم من انتقادات المصريين التي ترى في تعامل هادية وأمها مع والدها نموذج اًلا يحتذى في احترام دور الأب الذي ساعد ابنته بمليون دولار. 

بين غالب، والد هادية، وأيمن، والد سوزي، اختلافات عدة، أبرزها وجود الأم، ففي حياة سوزي لا تظهر الأم أبداً، فقط عبر مداخلات صوتية تحمل توجيهاً أو طلباً من الابنة، لكن في حياة هادية لا تفارق الأم كل المشاهد، تشاركها أفكار العمل والبحث عن عريس، والرد على المتنمرين، والتعامل مع أبيها الذي لا تكف الأم والابنة عن تجاهله، بينما يستشعر المصريون حرجه، فيتعاطفون معه في أكثر من مقطع، ضد الزوجة التي لم تحسن معاملة زوجها ولا تربية الابنة. 

النسوية بين هادية وسوزي 

في وسط زخم الدعم لسلطة الأب في الغالب غالب، ظهرت الناشطة النسوية، غدير أحمد، لتدعم تعامل هادية وأمها، هنا وجد المصريون ضحيتهم المناسبة ليست هادية سيدة الأعمال، بل غدير أحمد الناشطة النسوية. 

هناك قرابة الألف مشاركة من منشور غدير، تراها في غالبيتها ابنة عاقة، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تدافع فيها الناشطة النسوية عن الانفلونسر هادية غالب، فقد كتبت عنها مدافعة في معركة the blind date ثم كتبت عنها مرة أخرى كنموذج مظلوم من المجتمع لأنها فقط متحققة ولا تعيش في صعبانيات.

 في كل ذلك لم تعر الناشطة النسوية انتباهاً لسوزي الأردنية ابنة المطرية، التي حوكمت مرتين بتهمة الإساءة لقيم الأسرة المصرية والتي تعيش حياة مستغلَّة فيها من كل من حولها. 

في عام 2012، أتذكر لقاء صحافياً جمعني بغدير أحمد القادمة من الريف للدراسة والعمل في القاهرة، التي أسست حملة “ثورة البنات”، وكانت “حملة استرجل و ماتركبش عربة السيدات”، أو أنشطتها.  آنذاك، كانت غدير تشبه إلى حد كبير سوزي الأردنية، فتاة مصرية عادية تهتم لما يشغل بال الملايين من الفتيات من أبناء الطبقة الوسطى وما دونها، فخاضت حملات ضد التحرش والختان والعنف الأسري،  قبل أن تحمل لقب ناشطة نسوية وتنشغل بالموعد الأعمى لهادية غالب.

جدير بالذكر أن الصفحة الرسمية لحملة “ثورة البنات” التي أسستها غدير أحمد  قد توقفت عن نشر أي منشورات نسوية منذ عام 2020، وأن آخر منشوراتها كان عن نقد منشور للمجلس القومي للمرأة في أعقاب عاصفة التنين التي مرت بها البلاد في آذار/ مارس 2020، وفي المنشور صورة لإمرأة استمرت في عملها في بيع الخضار في أسوأ الظروف المناخية، وهو ما اعتبرته الصفحة الناشطة في حقوق المرأة نوعاً من التضليل، لأن هذه الصورة تثبت خللاً في النظام الاجتماعي الذي لا يحمي المرأة المصرية الفقيرة، وقد تخلت عنها مؤسسات الدولة بل وأيضاً “تقتات على معاناتها”.