ليس عجيباً إصرار كثر ممّن يسمّون بـ “الناشطين التغييريين” على تناول الانتماءات المناطقية والطائفية في لبنان من منظور السلطات الرجعية الطائفية التي يدّعون محاربتها، فيما هم يضربون بسيفها، ويتحدّثون بلغتها، ويحلّلون بمنطقها، ويحسبون بقوانينها. وهم يزدادون إلحاحًا، ويبرزون كمحلّلين، تحديدا في فترات ما قبل الانتخابات النيابية والبلدية، حيث يطلّ علينا في كل فترة “ناشطٌ كواليسيّ” و”محلّل سياسي” جديد، مروّجاً لنفسه كفاعلٍ في حقل السياسة، ومقدّماً أوراق اعتماده لأكثر من طرفٍ في آن واحد. وعادةً ما يتمحور تركيز “الناشطين البيارتة” حول إيصال تلك الأوراق إلى رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد الحريري، في محاولة لاستغلال ما تبقّى من رصيدٍ سياسي لدى “تيار المستقبل” في بيروت.
هذا التكرار المملّ لظهور هذا النموذج “الناشطي” المبتذل، الذي لا يحاكي ببنية تفكيره النظام السياسي الطائفي الذي يزعم معارضته فحسب، بل ويساهم بفعالية في تنميط شرائح واسعة من المجتمع اللبناني، ليس ظاهرة فردية استثنائية، بل هو نتاج للعوامل المادية التاريخية الممتدة في تربة النظام اللبناني واقتصاده الريعي، والذي ينتج باستمرار مثل هذه النماذج كأحد أشكال تكيّف بنيته الداخلية وتجدّدها. فالطائفية ليست مجرّد انتماء ديني أو ثقافي، بل هي نظام متكامل له بنيته التحتية المادية وآلياته الاقتصادية وقوانينه وثقافته. والنظام الطائفي لا يكرّس فقط منطق الصدام الهوياتي والثقافي بين الطوائف من خارج، بل ينتج داخل الطوائف نفسها نمطيةً قسرية تلغي كل اختلافٍ في الفكر والسياسة بين أفرادها، وتستبدله بأحاديةٍ ثقيلةٍ لا تفتقر إلى الحيوية فحسب، بل وتحاول محو أي أثرٍ لها عبر إعادة اختراع صورة البيئة الاجتماعية المطبّعة مع الأفكار المحافِظة وسريعة التأثر بالتوترات الطائفية العابرة للحدود اللبنانية.
ماذا خلف استسهال تنميط “البيارتة”؟
الصورة التعميمية والاستلابية المصطنعة التي تفترض أن أهالي بيروت يشتركون في الأفكار نفسها حول جميع القضايا السياسية والاجتماعية والحقوقية، وتختزلهم في خانات ثابتة من دون أي اعتبارٍ لآرائهم الشخصية بغية خلق “هوية” اجتماعية أو طائفية تدلّ على انتماءٍ مشابه لذاك الذي تمكّن “حزب الله” من خلقه في ما يسمّى زوراً بـ “البيئة الحاضنة” في مناطق أخرى ذات غالبية سكانية من الطائفة الشيعية. هذه الصورة التي يحاول البعض تثبيتها باستمرار في بيروت ليست سوى أداة رخيصة تُستخدَم لتهميش الأصوات المتنوعة من جهة، ولضمان تسلّق الدوائر النخبوية البيروتية التي لم تُحقّق لعقود أي إنجازات تُذكر لمصلحة سكان المدينة من جهة أخرى.
المضحك أن أصحاب هذه الميول الناشطية “المصادفويّة” الذين يُقدِّمون أنفسهم على أنهم “تغييريين”، يعتبرون أنفسهم ثاقبي الفكر وحادّي الذكاء لاكتشافهم مفاتيح النظام الطائفي وشبكة التحالفات المالية والسياسية والميليشياوية العميقة، وأطر توزيع الموارد والسلطة التي يرتكز عليها، وهم وحدهم القادرون، بخطاب شعبوي مبتذل، أن يصنعوا من تلك المفاتيح مطرقةً يُهشِّمون بها من يشاؤون، ساعة يشاؤون. فيتحوّل خطاب “التغيير” فجأة من خطابٍ رافضٍ للتوظيف السياسي والاقتصادي للانتماءات الطائفية والمناطقية، إلى توظيف الانتماءات نفسها لإعادة إنتاج لغة النظام نفسه، ضد أيّ كان، وفي أي لحظة كانت، لكن بغلافٍ تغييري.
أما على مستوى القوى السياسية التقليدية ذات التوجه الطائفي السني في بيروت بشقّها الغربي، فهي تعيش في صراعٍ مستمر بين حاجتها إلى فرض التماثل الاجتماعي والطائفي لإعادة تشكيل “البيئة الحاضنة” التي كانت مؤيدة سابقاً لـ “تيار المستقبل”، وواقع الوجود الفعلي للتباينات الداخلية على مستوى العاصمة بكاملها، حتى ضمن أصغر أحيائها الداخلية، بخاصة بعد دخول التيار في أزمة مالية منذ أكثر من عشر سنوات، وما تبعها من أزمات تنظيمية وسياسية.
تناقصت قدرة “الزعامات” الطائفية والمحلية البيروتية التقليدية على فرض انضباط موحّد وشامل على جميع سكان المدينة، وفي المقابل، تفاقم خطاب الإقصاء بحجة حماية “البيارتة” من التهديدات الخارجية ومن كل ما يتعارض مع الثقافة المزعومة للمجتمع البيروتي، على رغم أن بيروت التاريخية لم تكن يوماً محافظةً أو متجانسة ثقافياً، بل كانت فسيفساء حيّة من التوجهات المتنوعة والمتناقضة إلى أقصى الحدود: من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن التيارات الدينية السلفية إلى العلمانية الراديكالية. بالتالي، فإن استسهال اختزال هذه المدينة إلى هوية واحدة هو تشويه لروحها الحقيقية. سواء مارس هذا الاختزال ليبراليٌ أو يساريٌ يبالغُ في إظهار صورة “البيارتة” على أنهم متحرّرون تماماً، أو مسيحي أصولي أو إسلامي سلفي يبالغُ في إظهار صورتهم على أنهم محافظون تماماً. لذا، فالمشكلة الأساسية هنا ليست في أيديولوجيا الفرد المُخاطِب أو الجمهور المُخاطَب، بل في الخطاب الشعبوي الاختزالي.
تاريخٌ متنوّع أكبر من أن يُستثمَر في خطابٍ أيديولوجي ضحل
أهل بيروت لا يختلفون من حيث تطلعاتهم ومتطلباتهم وحاجاتهم الأساسية عن أهل أي مدينة أو بلدة في لبنان والعالم. لا يوجد شعبٌ واحد في العالم لا يتوق الى العيش بحرية وكرامة، ليس لأن هناك خصائص معينة تجعله مستحقاً لها، بل لأن مبادئ حقوق الإنسان عالمية وشمولية، تسري على كل شخصٍ في أي مكانٍ حول العالم. هي ليست امتيازاً، بل حقوقاً أصيلة ومترابطة غير قابلة التجزئة. فكيف لنماذج “تغييرية” أن تبني خطابها السياسي على أساس تجزئة هذه الحقوق وانتهاكها، وفقاً لإسقاطات أيديولوجية تقوم بها على أهل مناطق معينة، أو بيئات اجتماعية معينة، بذريعة أن على السياسي ليكون “ناجحاً” أن يرضخ لإرادةٍ عامة مزعومة، وفي هذا التصوّر إقصاءٌ للإرادة العامة الحقيقية التي تعبّر عن نفسها بالسعي الى تحقيق الصالح العام، وإسقاطٌ لمفهوم “النجاح” في عالم التجارة والأعمال الخاصة على عالم السياسة والشأن العام، وكأن على السياسي أن يتبنّى رغماً عن إرادته جميع التصورات الرجعية أو المحافِظة في “السوق” لكي يلعب دوراً فاعلاً في السياسة، في مجتمعٍ تهمّش آليات الحكم السياسي الطائفي قدرته على تجاوز الولاءات ما قبل الوطنية وتطوّره ديمقراطياً.
لا يمكن اختزال تاريخ بيروت بكونه محافظاً. بيروت تاريخياً، سواء بشقها الشرقي ذات الغالبية المسيحية أو بشقها الغربي ذات الغالبية المسلمة، احتضنت جميع الأطياف الأيديولوجية والفكرية والثقافات، وكانت ملاذاً للمثقفين والمفكرين والأدباء والشعراء الهاربين من أنظمة القمع العربية وحتى غير العربية، وحملت دورُ نشرها راية مقاومة الرقابة، فلجأ الكتّاب إليها لطباعة أعمالهم ونشرها، كما امتازت بكونها مركزاً إقليمياً حيوياً للصحافة الحرة منذ أواخر العهد العثماني. بيروت هي عاصمةٌ للتنوع الثقافي في المشرق العربي، ولا يمكن اختزالها ثقافياً بخطاب محافظٍ يسقطه من يرتدون قناع التغيير بمنتهى البلاهة على مدينة كاملة، لأنهم يعتبرون أن ما يؤمنون هم به يختصر كل الواقع السياسي والاجتماعي، بدلاً من أن يعترفوا بأن ما يؤمنون به هو جزءٌ لا يتجزأ من هذا الواقع. ولعلّ محاولات “الهندسة الثقافية” من فوق، عبر الترويج لتحوّلات ثقافية قسرية في المجتمع البيروتي، لتحقيق غايات سياسية ضيّقة، هي أسوأ ما يمكن ممارسته بحق ماضي هذه المدينة وحاضرها ومستقبلها.
يتعمّد بعض هؤلاء الفصل بين ما هو “تغييري” وما هو “سياسي”، من موقع “الناشطية التغييرية”، محاولين إحياء خدعة أيديولوجية مستهلكة، مرفقين ذاك الفصل المستحيل، على سبيل المثال لا الحصر كما حصل في الانتخابات البلدية للعام 2016، بمجرد إيصال رسالة اعتراضية لـ “تيار المستقبل”، لاغين بذلك تمايز حملة “بيروت مدينتي” سياسياً، بل نازعين عنها صفتها كحملةٍ سياسية. في نظرهم، ليس بإمكان أي حركة سياسية اعتراضية أن توجد خارج الإطار الذي تحدّده لعبة الطوائف، هكذا يصبح الخضوع لقواعد النظام هو “السياسة”، وأي تفاعلٍ سياسي من خارجها يكون “خارج السياسة”. هم ينزعون الطابع السياسي عن السياسة نفسها، بما هي ممارسة جماعية حيوية، ويُعيدوها إلى دوائر النخبة كممارسة تقنية منفصلة عن حياة الجماهير. ولعلّ التكرار المستمر هنا وهناك لمقولة “العمل السياسي من وراء الكواليس” يؤكّد مدى انفصال السياسة من موقع هذا الفكر عن الحياة العامة، إذ تُسلَخ السياسة من جوهرها الصراعي على إعادة توزيع السلطة والموارد وتعديل القوانين وإعادة ترتيب الحياة الاقتصادية والاجتماعية بما يضمن مصلحة الغالبية، ًويعاد تعريفها من موقع فكر النظام السياسي الطائفي نفسه.
مصادرة أصوات الناخبين وآليات إنتاج الامتثال
بدأ بعض هؤلاء بمهاجمة النائب ابراهيم منيمنة، على اعتبار أنه “خاصرة ضعيفة” بسبب تمسكه بموقفه تجاه الفصل بين العمل النيابي والعلاقة مع دار الفتوى، مستثمرين في الهالة الدينية التي تحيط بهذا الدار، بل وأطلق أحدهم على منيمنة صفة “النائب السابق”، علماً بأنه حاز 13281 صوتاً تفضيلياً من أصوات الناخبين البيارتة في الانتخابات النيابية في عام 2022، وهو العدد الأعلى من الأصوات التفضيلية في دائرته الانتخابية، على رغم دعوات المقاطعة من قيادات “تيار المستقبل”، والمال السياسي الذي أغرق المدينة من كل حدب وصوب، وهجوم دار الفتوى، بخاصة بسبب تأييد النائب المذكور حق اللبنانيين بالحصول على جميع حقوقهم المدنية والإنسانية، بما في ذلك الزواج المدني، وكان الهجوم على منيمنة علنياً على منابر المساجد. وعلى رغم كل هذه العوامل مجتمعة، حصل منيمنة على أكثر من 13 ألف صوت تفضيلي في بيروت، ما يعني أن هناك جمهوراً مؤيداً للكثير من الأفكار والتوجهات السياسية التي يعتنقها منيمنة شخصياً، بغض النظر عن أدائه خلال ولايته النيابية. وفي محاولة لإلغاء الأصوات المتمايزة سياسياً وفكرياً داخل بيروت نفسها، يتناول هؤلاء يسارية منيمنة وكأنها تهمة، فيصبغون في الوقت ذاته “المجتمع البيروتي” بصبغة اليمين السياسي، ويضعونه في تنافر حاد مع “النائب اليساري” المنبوذ من تلك البيئة المتخيلة.
لا يمكن أن تمرّ محاولة إلغاء أصوات الناخبين ومهاجمة مبدأ حرية الاقتراع بطرق ملتوية من دون نقد. كما لا يمكن أن يمرّ إلغاء حق أي نائب في أن يملك آراء سياسية مغايرة للسائد ولمبدأ حرية ترشحه من دون نقد أيضاً. لا يهم ما إذا كان منيمنة سيصير نائباً سابقاً، أو إذا كان سيعلن ترشّحه للانتخابات النيابية المقبلة، ولا يتعلّق النقد في هذا السياق بالدفاع عن منيمنة شخصياً، بل بتعرية منطق الفكر الذي يعيد إنتاج آليات الامتثال والانضباط في النظام السياسي الطائفي، والتي تجبر اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم، وبأدوات إخضاع “ناعمة”، على الانصياع لإرادة الطبقة الحاكمة والقبول بقواعد حكمها السياسي.
هذه الآليات يُعاد إنتاجها عبر أشكال معقدة تشمل “العقاب الاجتماعي” الذي يحمل سوطه كل مستغلٍّ لرمزية المقدّس الديني في حقل السياسة. وبهذا، يصير مثلاً دار الفتوى هو المرجعية السياسية لـ “المجتمع البيروتي السنّي”، كما لباقي النواب السنّة (قاطع كلّ من النائبين حليمة القعقور التي حصدت 6684 صوتاً في الشوف وأسامة سعد الذي حصد 7300 صوت في صيدا، “لقاء النواب السنّة” في دار الفتوى أيضاً)، علماً أنه لم يكن يوماً المرجعية السياسية الأولى للطائفة السنية في لبنان، تماماً كالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بخلاف البطريركية المارونية التي تملك حيثية سياسية مختلفة لأسباب تتعلق بالتهديدات التاريخية للوجود المسيحي في المنطقة بشكل عام – وهذا بحثٌ آخر.
إقرأوا أيضاً:
حتى في زمن الحرب الأهلية اللبنانية، لم يكن دار الفتوى هو المرجعية السياسية الأساسية على رغم تأثيره والدور الاجتماعي الذي لعبه عبر “هيئة الإغاثة والإعمار” بالتعاون مع المنظمات الإنسانية لإعادة إعمار وتأهيل المدارس والمستشفيات والمساكن ودعم المهجّرين وتوفير الرعاية الصحية لآلاف العائلات. ولم يكن هناك أساساً تمثيلٌ طائفي بالمعنى الطائفي البحت للكلمة ضمن الطائفة السنية، بل كان هناك امتدادٌ واسع لأحزاب الحركة الوطنية واليسار اللبناني والقوى القومية العربية والناصرية، الى درجة أن جمعية متخرجي المقاصد الإسلامية (جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، تأسست عام 1878، وهي من أعرق وأكبر المؤسسات في بيروت ولعبت أدواراً بالغة الأهمية على المستويات الاجتماعية والثقافية) كانت تدعو الى علمنة الدولة وتجاوز النظام الطائفي بالتزامن مع انعقاد اجتماعات الطائف في أيلول/ سبتمبر 1989، ورفعها هذا المطلب الجذري في تلك اللحظة المفصلية من التاريخ لم يغيّر طابعها الإسلامي البيروتي، بل أكّده، انطلاقاً من كون بيروت حاضنة للتنوّع الفكري والسياسي.

كانت ولا تزال – إلى هذا الحد أو ذاك – هذه هي الثقافة السائدة في بيروت، ثقافة الانفتاح والجرأة الفكرية والسياسية، على رغم سطوة الميليشيات الطائفية والخراب الذي خلّفته الحرب الأهلية. وليس بروز نماذج “تغييرية”، على رغم عدم جذريتها، سوى دليل على تعافٍ جزئي للعاصمة من مرضٍ عضال أصابها لأكثر من ربع قرنٍ اسمه المال السياسي والانتخابي. ولا بدّ لبيروت أن تجمع التناقضات، وإلا فلا تكون بيروت هي بيروت. طمسُ هذه التناقضات تحت ستار “المجتمع البيروتي” المحافظ، وإنكار الصفة السياسية المتمايزة عن أي حملة انتخابية سواء نيابياً أو بلدياً، هما ممارسة تعسفية أنتي-سياسية، بل محاولة لقتل السياسة كمجالٍ للفعل الديمقراطي الحر وإعادة إنتاج للخطاب المهيمن الذي يخدم استمرارية النظام السياسي الطائفي.
عن “البيئة البيروتية” والثورة التي صُنعت في الإمارات!
في إحدى المقابلات على قناة يوتيوب، ظهر أحد أولئك “الناشطين” مكرراً الخطاب الأيديولوجي نفسه لدى الكلام عن النائب منيمنة: “نصحته مرات عدة. قلت له الطريق الأنسب هي أنك تتعاطى باللغة اللي بيحكيها البيروتي، ومن ثم منروح بقا بتفاصيل ثانية. لقيته عم ينرمى بحضن الأوروبي. دقيتله، كنت بالإمارات (…) نحنا عملنا الثورة أساساً بالإمارات! قلتله بالإمارات الحضن العربي أفضل من الحضن الأوروبي، بيئتك اليوم جايي من خلفية سنية”. هكذا، بمنتهى السذاجة وبمنطقٍ هوياتي صرف، اختزل هذا “الناشط” السياسة إلى مجرد تلاعب بالعواطف الطائفية، وبشطب خيار آلاف البيارتة، كأنهم كائنات بسيطة يمكن أن يُخاطبوا بلغةٍ غرائزية، قبل أن يستمر بعمليات الاختزال فيختزل خيار البيارتة أنفسهم في ثنائية “الحضن العربي” و”الحضن الأوروبي”، وكأن “الحضنين” لا يمكن أن يوجدا معاً، مثلاً، أو كأن الناخبين والمنتخبين من أهالي المدينة لا يمكن أن يستمروا في الحياة وينتجوا خياراتهم السياسية من دون “حضن خارجي”.
عندما يصرّح هذا “الناشط” بأنه “صنع الثورة في الإمارات”، فهو يمارس عملية إلغاء لا لإرادة مئات الآلاف من اللبنانيين الذين انتفضوا على واقعهم المأساوي فحسب، بل أيضاً لمسارٍ طويلٍ ومعقّد أدى إلى اندلاع الانتفاضة الشعبية في تشرين الأول/ أكتوبر 2019. وإذا استبعدنا النقاش حول ماهية الحدث آنذاك، وما إذا كان ثورةً فاشلة أو مجرد انتفاضة شعبية لم ترتقِ إلى مستوى الثورة لغياب البرنامج والقيادة السياسية، فإنه بشتى الأحوال لم يحدث بسبب التدخلات الخارجية، بل التدخلات الخارجية هي التي حدثت بسببه. وبطبيعة الحال، ففي أي حراك شعبي أو اضطراب اجتماعي يحدث في أي مكان حول العالم، تتسارع القوى العظمى، وخصوصاً القوى الإقليمية المحيطة جغرافياً بمكان الحدث للتدخل بطريقة أو بأخرى ولأسباب متعددة.
عناصر العلاقة السببية واضحة هنا: الحدث الأول هو الانتفاضة التي هي نتاج تراكمٍ طويل ومعقّد للعوامل المسبّبة لها، وكل ما يحدث من بعدها هو نتيجة لها، وليس العكس، مهما تعقّدت الأسباب وتشابكت العوامل الذاتية والموضوعية. الانتفاضات والثورات هي التي تستدعي التدخلات الخارجية، وليست التدخلات الخارجية هي التي تصنع الانتفاضات والثورات. مقولة “صنعت الثورة في الإمارات” ليس فقط مبالغاً فيها، بل هي مقولة تتعارض مع الواقع وتتعمّد تشويهه. وهي تدلّ على منطق الفكر الذي يحكم صاحبها لا أكثر: منطق فكرٍ يعجز عن فهم ظاهرة اجتماعية وسياسية معقدة، ويعبّر عن عقلية المؤامرة التي ترفض رؤية الجماهير كفاعلٍ رئيسي في صناعة التاريخ في اللحظات السياسية المصيرية، بل ترى أن التاريخ يُقرَّر ويُصنع في مكتب هذا السياسي أو قصر ذاك الأمير أو بالتشبيك مع هذا الجهاز أو ذاك. أو كما قال فلاديمير لينين مرةً: “تبدأ السياسة الجادة حيث توجد الجماهير الغفيرة، ليس حيث يوجد الآلاف بل الملايين”.
“اليوم خطابه السياسي كان ما بيشبه البيئة البيروتية. اليوم انت نائب عن بيروت، منتخب من بيئة بيروتية، نوعاً ما عندها خصوصيتها، بدك تكون قريب من هالبيئة. بعدة مواقف وظروف نصحناه، كان عم يسمع للشق الثاني من الغوغائيين والوصوليين!”، ويكمل: “الزواج المدني، بكل بساطة إذا بدك تحمل شعاره، بكل بساطة انت عم تحارب دار الفتوى أو عم تحارب الكنيسة. هل يا ترى نحنا اليوم بظرف منقدر نكون بهيدا المحل؟ يعني أنا اليوم خليني كون دنمارك، أو السويد، أو النرويج، بوضع اقتصادي وأمان ومن ثم منطرح نحنا واياك المواضيع هيدي يلي هيي تابو. يعني اليوم شو عم تحكي؟ اليوم 89 ألف الدولار وعم تفتش الناس على مصرياتها يلي راحت، جايي انت عم تحكيني بمواضيع… طب وين؟ وجع الناس ما اهتميت فيه”.
هكذا، يستمر الضرب بسوط دار الفتوى والكنيسة معاً، ويصبح من يعارض هذا المنطق في السياسة والفكر غوغائياً ووصولياً. مطالبة نائبٍ منتخب في أن يتبع مؤسسة دينية – مثل دار الفتوى – هي دعوة لتحويل النائب من ممثل لإرادة ناخبيه إلى خادمٍ مطيعٍ لسلطةٍ موازية. أين الديمقراطية في ذلك؟ ولماذا يُلغى احتمال أن يكون الناخبون قد اختاروه بالضبط لأنه يرفض التبعية للمؤسسات الطائفية، وبالتالي فإن أي تبدّلٍ في مواقفه يكون هو الخيانة الفعلية لأولئك الناخبين؟ فتُلغى الانتخابات النيابية إذاً إذا كان دار الفتوى هو الممثل السياسي للبيارتة. وعلى رغم هذه المقاربة التي تضع منيمنة في مواجهة دار الفتوى بشكل حاد، لم يكن صدامياً، بل عبّر عن احترامه للمؤسسة الدينية المذكورة في بيان اعتذاره عن حضور “لقاء النواب السنّة” في أيلول/ سبتمبر 2022، حين قال: “من موقعنا، نحترم موقع دار الفتوى كمرجعية دينية أساسية. سياسياً، نجد أن عنوان وشكل هذا اللقاء يتعارضا مع المبادئ التي ننطلق منها في عملنا لجهة رفض الاصطفافات الطائفية، خصوصاً أنها تأتي في سياق جمع أقطاب حزبية غير متجانسة تحت مظلة طائفية ومن دون عنوان سياسي واضح”.
إذا كان الشخص يملك خطاباً مختلفاً عن الخطاب الديني المحافظ، هل يعني ذلك عدم اهتمامه بالقضايا المعيشية؟ هذا اختزال آخر، وهجوم يجتزئ الحقائق، وذلك ليس دفاعاً عن النائب ابراهيم منيمنة فقط، بل عن جميع الفاعلين في السياسة في الحاضر والمستقبل. فهذا الهجوم دائماً ما يحدث، حتى بحق الشيوعيين أنفسهم تاريخياً، الذين يركّزون بشكل استثنائي على القضايا المطلبية والنقابية، ولكن بمجرّد ذكرهم القضايا الحقوقية المدنية للمواطنين، من الزواج المدني إلى المساواة ورفض التمييز الجنسي، كانت تنهال عليهم جميع أنواع التهم من القوى الطائفية، بحيث تختزل كل نضالهم بهذه القضايا، على رغم كونها قضايا محقّة تماماً، إلا أن عملية الاختزال هذه تُلامِس جوهر القضية: كل مطلبٍ حقوقي، مهما بدا تافهاً بالنسبة الى اللبنانيين الأشد فقراً، حين يمسّ صلب النظام السياسي ويُواجَه بهذه الصرامة من المؤسسات الطائفية، فإنه مطلبٌ ثوري، لا ينفصل عن سياق تحقيق العدالة الاجتماعية، لأن أي إضعاف للنظام الذي يفرض عملية توزيع الثروة والموارد بما يضمن مصلحة القلّة الحاكمة، هو عملية تعزيز لموقع اللبنانيين الأشد فقراً في المواجهة الطبقية الشاملة.
بيروت الحقيقية لا تحتاج إلى “زعامة سنية”
بيروت التي يتحدث عنها بعض ناشطي المصادفة هي بيروت خيالية أحادية البعد. بيروت ليست بحاجة إلى “زعامة سنية”، وكل لبنان ليس بحاجة إلى زعامات طائفية. أما محاولات تأكيد الحاجة إلى “زعامة سنية” لرفض وصايةٍ سورية جديدة على لبنان، هي بحد ذاتها رضوخ جديد لدمشق. أما البيارتة، فليسوا أرقاماً ولا قطعاناً، بل يملكون أفكاراً وأحلاماً متنوعة، ولم يعد من المقبول إسقاط هذا الخطاب الأيديولوجي الشمولي عليهم. بالطبع، التحرّر من التنميط الطائفي يتطلب أكثر من مجابهة على صعيد الفكر السياسي، بل تحولات جذرية في البنى المادية، الاقتصادية والاجتماعية، التي تجعل الانتماء الطائفي وسيلة عمليةً للبقاء ولإعادة إنتاج الحياة. وهذا يعني أن إعادة بناء العلاقات الاجتماعية في لبنان على أسس جديدة تتطلّب إحداث تغييرٍ شامل على جميع المستويات، الاقتصادية والحقوقية على حد سواء وبالتوازي.
يعيد خطاب التغيير الزائف إنتاج آليات الامتثال الطائفية. ويحاول التغييريون الزائفون في بيروت تصويرها وكأنها مدينة محافظة تماهياً مع الصعود الأخير لقوى الإسلام السياسي السني في سوريا، في حين وصل صعود الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي إلى القمة، ولم يعد أمامه سوى مسارٌ طويل من الانحسار، بدءاً من إيران ودول الخليج العربي، وصولاً إلى سوريا حيث يشهد هذا الصعود آخر مراحله، بخاصة مع استيعاب هذه الفورة الأصولية دولياً عبر فرض شروطٍ معقدة، وبالتحديد من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، على رغم تفاقم مشاهد العنف الطائفي على السطح. أما محاولات نبذ المتمرّدين على النظام الطائفي في لبنان، فهي آلية دفاعية داخلية للنظام المهدد بالزوال في كل آن منذ انتفاضة العام 2019.
هل دخلت بيروت زمن الانحطاط الثقافي حيث أصبح ظهور وتعميم السرديات الاختزالية والتنميطية من دون أي مقاومة أو نقد مباشر لها أمراً عادياً؟ هذا التنميط الذي يهدف إلى تصوير “أهالي بيروت” وكأنهم كلُّ متجانسٌ يملك هوية ثقافية وفكرية وسياسية واحدة وجامدة لا تتغير مع تغير الزمان، وليسوا أجزاءً متنوعة ومتمايزة ضمن هذا الكلّ. لكن هذا التنميط يمرّ من دون نقدٍ أو مقاومة من عامة المجتمع قبل نخبته، بالتحديد لأن الناس منهكة بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وهو يعتاش على استغلال هذا التدهور في تلك الأوضاع، ويصبح أكثر وقاحة عندما يستغل هذا التدهور في سياق الهجوم على الأفكار الليبرالية واليسارية، على رغم أن هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية هي نتيجة لحكم النظام الطائفي الرجعي، ليس فقط على مستوى السياسات الاقتصادية والمالية، بل أيضاً على مستوى الحقوق الاجتماعية والإنسانية، فالتداخل واضحٌ بين جميع هذه المستويات وبين علاقة الوعي السياسي وصون الحقوق السياسية والاجتماعية بتحسن الظروف الاقتصادية أو تراجعها.
إقرأوا أيضاً:












