توجهتُ من أقصى شرق المدينة إلى وسطها. قدت سيارتي عبر ستة جسور (كباري) أو سبعة، جميعها ما عدا واحدًا لا يزيد عمرها عن خمس سنوات. لست متأكدًا من عدد المرات التي ارتفعت فيها عن الأرض قبل الهبوط؛ فقد توقفت عن العد مع فرط الكثرة. تركت سيارتي في مرآب (جراج) متعدد الطوابق كان في ما مضى قصرًا ملكيًا، سكنه الأمير ثم السلطان ثم الملك فؤاد، قبل أن يصبح مقرًا مؤقتًا لوزارة الخارجية، ثم يشهد الاجتماعات التأسيسية لجامعة الدول العربية، قبل أن يُهمل ويُهدم، ليحل محله جراج متعدد الطوابق ومجمع تجاري قبل بضعة عقود. الشارع والمرآب ما زال اسماهما من الماضي: “البستان”، حتى بعدما عزّت البساتين والخضرة والشجر، بل يجهد المرء اليوم ليبصر أي نبات في وسط القاهرة، الذي كان يومًا شديد الجمال والأناقة.
ثم سرت عبر شارع يوسف الجندي، أحد رموز ثورة 1919 وأهم قادتها، ورئيس “جمهورية زفتى”، المدينة الصغيرة الواقعة في دلتا النيل، والتي قررت أنها دولة مستقلة ونظّمت مواجهة فعالة صمدت أمام عتوّ الإمبراطورية البريطانية لعشرة أيام في آذار/ مارس 1919. ثم دلفت يسارًا عبر شارع هدى شعراوي، أحد رموز الحركة النسوية المصرية، وهي سيدة أرستقراطية عاشت بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين. وبينما لا ينكر أحد أهمية دورها، ربما كانت نسويات أخريات من جيلها، على رأسهن نبوية موسى، أكثر أهمية، غير أن الأرستقراطية المغرقة في الطبقية – كما يعرف من يقرأ سيرتها – هي وحدها من نال اسم شارع في قلب القاهرة.
ثم سرت يمينًا عبر شارع، ثم ميدان، طلعت (باشا) حرب، المسمّى على اسم مؤسس الرأسمالية المصرية الحديثة ومؤسس بنك مصر؛ تجربة، على علّاتها، كانت ناجحة في عمومها وأساسًا متينًا يُبنى عليه، حتى أتى عليها انقلاب تموز/ يوليو 1952 العسكري وسياسات مؤسس دولته جمال عبد الناصر. على بعد أمتار من تمثال طلعت باشا حرب الذي يتوسط الميدان، وتحديدًا عند زاويتين من الشوارع التي تصب فيه، افترشت الأرض فتاتان صغيرتان؛ إحداهما تبيع المناديل الورقية (المحارم)، والأخرى نسخًا مصغّرة من الآثار الفرعونية كتلك التي يبتاعها السائحون في خان الخليلي. كانت الفتاتان متكوّرتين في وضع جنيني فوق كتاب يحوي صورًا ملوّنة، تؤديان ما بدا فرضًا (واجبًا) مدرسيًا، ورأسيهما مغطّيان من البرد. ربما لو كان الوقت نهارًا لطاولهما ظل تمثال “أبو الرأسمالية المصرية الحديثة”، لكن الزمن كان ليلًا؛ فلا شمس ولا ظل.
وصلت إلى مسرح سينما راديو حيث العرض الذي أتيت من أجله، وهي بدورها بُنيت عام 1932، بعد خمس سنوات فقط من إنتاج هوليوود أول فيلم ناطق جزئيًا (مغني الجاز)، وأربع سنوات من أول فيلم ناطق بالكامل (أضواء نيويورك)، علمًا أن دار العرض هذه سُمّيت على اسم مسرح شهير في نيويورك. هنا غنّت أم كلثوم عام 1951، وعُرضت أفلام مصرية كثيرة حين كانت هذه الصناعة أحد أعمدة اقتصاد البلاد، معتمدة على “ستوديو مصر” الذي أسسه طلعت باشا حرب. آنذاك، كان ما تنتجه مصر من أفلام يُسوّق في المنطقة وخارجها، ومن يشاهد الأفلام المصرية في الأربعينات والخمسينات لن يجد فارقًا يُذكر في الجودة بين ما جادت به مصر وما خرج من هوليوود آنذاك.
في طريقي، سرت عبر شوارع مكتظة بمقاهٍ أظنها رخيصة نسبيًا، وعبر مطاعم ومقاهٍ أعرف أنها مكلفة للغالبية الكاسحة من المصريين. تزحف على وسط المدينة عملية gentrification، والتي تُترجم إلى “التحسين الحضري”، لكنها تعني فعليًا نقل الحيّز العمراني من طبقة إلى أخرى عبر رفع قيمته. مبنى سينما راديو الذي جُدّد مثال حي على ذلك، إذ تشغل مدخله محال أنيقة روادها حكمًا غير رواد المقاهي التي تفترش شوارع وسط المدينة الجانبية.
العرض الذي أتيت له لفرقة “شغف”، التي تعمل في مجال المسرح المجتمعي. العلاقة هنا بين الجمهور والممثلين تفاعلية، إذ يسأل الممثلون الجمهور عما يشغلهم من أفكار أو عن قصص عاشوها، ثم يرتجل أعضاء الفرقة مشهدًا يجسّد ما سمعوه. الحضور، وما قالوه، كما وسط القاهرة، شكّل مقطعًا رأسيًا لمجتمعنا المصري: طبقات، تعليم، أقاليم، وآلام، ومعاناة، وتناقضات. كل مداخلات الحضور دارت حول المرأة. قدرة الممثلين على الارتجال تقارب الإعجاز، لكن بعض ما رواه الحضور كان غنيًا عن “الدراما”.
أول المشاركين جاد بالكلام حتى قبل أن يُسأل. كان متحمسًا، في ما بدا لي، ليشهد الجمهور – وربما نفسه – أي تغيّر حلّ به. “كنت بابصّ للستات من فوق ومش باحترمهم، بس كل ده اتغير”. سألته مديرة الفرقة من على المسرح: متى وكيف كان التحول؟ الإجابة: “لما شفت أبويا بيعتدي على أمي”. كانت هذه البداية منبئة عمّا تلاها.
شابة عشرينية آتية من أقصى جنوب مصر روت كيف زُوّجت أمها وهي في الثانية عشرة من عمرها، لتنجبها وهي في الثالثة عشرة. ومع ذلك، وعَت تلك التي أُلقيت طفلةً في أتون الزواج فظاعة ما مرّ عليها، فرفضت بشدة أي عروض زواج لابنتها قبل إتمام تعليمها. أما الابنة فأخبرت الحضور والممثلين عن أمنيتها أن تعود أمها لاستكمال تعليمها ولو بعد عقدين ونيّف.
إقرأوا أيضاً:
سيدة ثلاثينية بدت قاهرية تحدّثت عن أمها الريفية التي زُوّجت في سن الثامنة عشرة لرجل في الخامسة والثلاثين، وأنجبت منه ثلاثة أطفال، ليتبيّن أن الزوج القاهري مصاب بمرض نفسي عضال أعجزه عن العمل. كافحت الأم الشابة مع البيروقراطية الحكومية لتثبيت عجز زوجها ومن ثم استحقاقه معاشاً تقاعدياً، وتولّت وحدها تربية ثلاثة أطفال وسط مجتمع قاصر عن فهم المرض النفسي، ناهيك بالتعاطف معه. وضع الأم الصعب انقلب قسوةً مفرطة مع الأبناء، وكأن الضحية، من دون وعي، انقلبت جلادًا لضحية أخرى. لكن الابنة، بحسب روايتها، حين وعَت قسوة ما مرّت به الأم، تفهّمت وعذرت، بل وتعاطفت بشدة مع تلك التي تزوجت مراهقة لتنوء وحدها بكل هذه الأثقال. أما التماس العذر للمجتمع وبيروقراطية الدولة فشأن آخر.
بعد ابنتين تغنّتا بكفاح والدتيهما ومعاناتها، تحدّث شاب من شمال الصعيد. الآتي من واحدة من أفقر محافظات مصر قدم إلى العاصمة ليكافح من أجل لقمة العيش، لكن العاصمة لم توفّر له الرزق فقط، بل أوقعته في غرام إحدى بناتها. تجاهل موقف أسرته الرافض مسبقًا أي عروس “غريبة” عن أصوله الريفية، وطارد فتاته حتى أقنعها بالارتباط به. لكن ضيق ذات اليد أجّل الارتباط الرسمي. عمل بكل ما أوتي من قوة لتوفير التكاليف المطلوبة، واستمرت العلاقة ثلاث سنوات من دون خطبة أو علاقة مباشرة مع الأهل. تململت المحبوبة، ودبّت الخلافات، وشكّ صاحبنا في إخلاصها. مشادة حول هاتفها المحمول انتهت بأن صفعها على وجهها في قارعة الطريق. هكذا انتهت قصة الحب وبقي ندمه.
لام نفسه بشدة، لكن ندمه ظل متلجلجًا، مشروطًا، مقرونًا بالتبرير: “إنتِ اضطرتيني أعمل كده”. “يعني ما كانش حقي أضربها في الشارع”. المشكلة إذًا ليست في الفعل ولا في ما ينمّ عنه. “إحنا عندنا الستات يِتضربوا ويقوموا يتنططوا عادي”. مؤلم – ومضحك مبكٍ – أنه لم يفكر ببساطة في ترك الفتاة إن كان للشك أساس. منطلقه أن هذه طبيعة علاقة الرجل بالمرأة، تمامًا كأب المتحدث الأول. “إحنا عندنا الستات لا تشوف ولا تتشاف”. لذا حين مثّل أفراد فرقة “شغف” المشهد، غطّى أحدهم وجهه قائلًا: “أنا ست، لا أشوف ولا اتشاف”. كيف كان رد فعل الراوي؟ “لازم الواحد يفكر قبل ما يتصرف”، بعد أن كرر أكثر من مرة: “هي اللي اضطرتني لكده”.
ما سبق يفسر القصة الأخيرة. تحدّثت سيدة ربما خمسينية عن تربيتها على المساواة المطلقة بين الذكور والإناث، لكنها حين خرجت إلى العالم أدركت أن عدل أبيها كان استثناءً. ردّ فعلها وهي مراهقة: “سمعت إن واحدة عملت عملية وبقت راجل، فأخدت صاحبتي ورحنا للدكتور”. كان الجراح معروفًا بإجراء هذه العمليات. رد فعله كان درسًا في الذكورية الفجة، إذ قال ساخرًا: “إنتِ لأ، حرام الجمال ده يتقلب راجل، لكن صاحبتك ممكن”. ثارت دفاعًا عن صديقتها، واعتذرت لها. قرارها كان: “إحنا حنفضل ستات ونعمل اللي إحنا عاوزينه”. هل القصة حقيقية؟ لا علم لي، لكن روحها تتسق مع واقع الحال.
انتهى العرض الذي لم يدم أكثر قليلًا من ساعة. كانت الساعة تقارب التاسعة. عدت إلى الشارع، ومررت مجددًا بالفتاتين المتكوّرتين؛ كانتا كما هما، تؤديان فروضهما المدرسية. اشتريت كتابًا، ثم عدت لإحداهما واشتريت مناديل وتركت ما تيسّر، قبل أن أعود أدراجي عبر شارع هدى شعراوي، التي من حسن حظها أن الموت حماها من سماع ما سمعت، ثم شارع يوسف الجندي، ثم عبر الجسور، حتى وصلت منزلي في حيٍّ تختبئ بيوته خلف الأسوار، ربما خشية حنق تلك الفتاة التي لم يطاولها ظل تمثال طلعت حرب ولا ظل غيره.
إقرأوا أيضاً:













