منذ إعلان قوات الاحتلال الإسرائيلي اجتياحها جنوب لبنان، تكرر نشر الجيش الإسرائيلي فيديوهات تُظهر جنوداً إسرائيليين يقتحمون أراضي لبنانية، وتصريحات تحاول تقديم ذرائع لهذا الاحتلال وما يرافقه من قصف وتدمير ممنهج.
وفي محاولة لتقديم روايته، نظم الجيش الإسرائيلي جولة لعدد من مراسلي وكالات إعلامية غربية في مناطق داخل الحدود اللبنانية، من بينهم واشنطن بوست، New York Times، وكالة الصحافة الفرنسية، Wall Street Journal، التلغراف، وقناة BBC البريطانية، ورويترز ووكالة أسوشيتد برس، وغيرها.
حاولت القوات الإسرائيلية حصر الجولة بأنها للاطلاع على أنفاق “حزب الله” ومراكزه، وتم تقييد حركة الصحافيين في منطقة محدودة، وينبغي على الصحفيين الحصول على إذن الجيش الإسرائيلي لنشر الصور والفيديوات التي التُقطت خلال الجولة.
ليست هذه المرة الأولى التي يرافق فيها صحافيون قوات غازية أو محتلة. فقد أثارت هذه الجولة تساؤلات واسعة، خاصة من الجانبين القانوني والأخلاقي، وأعادت إلى الواجهة قضية الصحافة المدمجة embedded journalism والصحافة التي ترافق قوات عسكرية، والتي برزت إشكالياتها في الغزو الأميركي لكل من أفغانستان والعراق، وعادت إلى الواجهة مؤخراً مع الغزو الروسي لأوكرانيا.
النقاش حول هذا النوع من الجولات والتغطية الصحافية قديم، ولكنه يُعيد طرح نفسه عند كلّ نزاع مسلّح، إذ تثير هذه الجولات الكثير من الأسئلة الأخلاقية والقانونية، خصوصاً عند دخول أراضٍ محتلة برفقة قوات عسكرية غازية تضبط التغطية الصحافية بما يناسب روايتها، في المقابل يعلو صوت مهني يقول إن هذا أمر اعتادت عليه الصحافة كونه يُتيح إمكانية الوصول إلى صور ومعلومات وحقائق ليس متاحاً الحصول عليها، ويبقى الميزان هو في كيفية تقديم المادة والأمانة في نقل ما يتم تغطيته.
تقول الصحافية اللبنانية المخضرمة ندى عبد الصمد، التي عملت في BBC لمدة تزيد عن عقدين من الزمن، لموقع “درج”: “ظاهرة الصحافة المدمجة ليست جديدة، فهي تعود إلى الحرب العالمية الأولى عندما كان بعض الصحافيين يرتدون الزي العسكري ويرافقون الجيوش… ما حدث في لبنان يتعلق بوجود مجموعة من الصحافيين الذين دخلوا مع قوات احتلال إلى منطقة محتلة. هذا لا يخرق القانون الدولي بالنسبة للصحافيين. المعيار في هذا الموضوع هو: هل يتمتع الصحافي بحرية كتابة ما يرى؟ هل لديه حرية الحركة؟ هل لديه الحرية التي تسمح له بعدم فقدان موضوعيته؟ وهل سيتحول إلى أداة للدعاية والبروباغندا؟ هذه الأسئلة يجب أن تجيب عليها المؤسسات قبل أن ترسل مراسليها. إذا كان هناك مساومة على الموضوعية والحقيقة تتحول الصحافة إلى بروباغندا، وبالتالي، يجب تقييم القيمة المضافة لإرسال مراسل مع القوات الإسرائيلية إلى منطقة محتلة”.
بعد جولة الصحافة التي نظّمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، أصدر “حزب الله” بيانًا شديد اللهجة ضد جميع الوكالات التي شاركت في الجولة، مع التركيز بشكل خاص على قناة BBC التي نشرت تقريراً عن الجولة: “لم تكتف BBC بكافة منصاتها ولغاتها بالانحياز الأعمى إلى جانب القتلة والمجرمين وتبرير الهمجية الصهيونية ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني، إنما عمدت بكل وقاحة إلى إرسال فريق صحافي دخل إلى إحدى القرى الجنوبية برفقة جيش الاحتلال، انتهك حرمة الأراضي اللبنانية والسيادة اللبنانية والقوانين اللبنانية المرعية الإجراء، وذلك كما تظهر التقارير التي نشرتها المؤسسة…”.
ثم أتبعه ببيان آخر وسّع فيه من نقده ليشمل كل من كان في الجولة: “استكمالاً لبياننا السابق حول الجولة الدعائية التي نظمها جيش الاحتلال الصهيوني لعدد من الشبكات الإعلامية الغربية، فقد تبين لاحقاً أنه بالإضافة إلى BBC شاركت بهذه الجولة شبكات ومؤسسات مثل: واشنطن بوست، وول ستريت جورنال، التلغراف، فوكس نيوز، رويترز، نيويورك تايمز، فايننشال تايمز، أسوشيتد برس، وشبكات وقنوات أخرى. نُكرر إدانتنا لهذا السلوك الخطير والخطوة المرفوضة، ونكرر مطالبتنا الجهات المختصة باتخاذ التدابير القانونية والسياسية اللازمة”.
أثار بيان “حزب الله” جدلاً داخل المؤسسة التي تملك مكتباً موسعاً في بيروت، وقد قرر عدد من موظفي BBC في مكتب بيروت التوقف عن العمل احتجاجاً على التقرير، الذي نشرته القناة استناداً إلى الجولة مع عناصر من الجيش الإسرائيلي. وأفادوا بأنهم لن يعودوا إلى العمل إلا بعد إصدار اعتذار رسمي عن التقرير، أو محاسبة الفريق الذي رافق قوات الاحتلال، وفقاً لما نقلته منصة ميغافون.
إقرأوا أيضاً:
تحديات أخلاقية وقانونية ومهنية!
تفتقر الصحافة المدمجة أو الصحافة التي ترافق قوات عسكرية إلى المساواة في التغطية الصحافية بين الجانبين المتنازعين، على الرغم من أن الصحافة المدمجة توفر وصولاً فريداً إلى المعلومات وصوراً حصرية، إلا أنها عرضة للتحيز والتلاعب، مما يؤكد الحاجة إلى إعادة تقييم نقدي للقضايا الأخلاقية في هذا النوع من التغطية الصحافية، والحاجة إلى مزيد من الشفافية والاستقلالية في التقارير.
يقول تيم سيباستيان المقدم البريطاني المعروف والمراسل السابق المخضرم لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في مقابلة لموقع “درج”: “لا أرى أن هناك مشكلة أخلاقية ضد BBC إذا كانوا واضحين بأنهم يعملون تحت شروط فرضتها القوات الإسرائيلية، ونحن كمشاهدين نعرف ماذا كانت هذه الشروط. ستكون هناك مشكلة أخلاقية فقط إذا دخلوا ولم يخبروا المشاهدين تحت أي ظروف كانوا يعملون. الجيوش الغازية تفعل ذلك. حدث ذلك عندما غزت الولايات المتحدة العراق، ويحدث الآن مع الروس الذين يأخذون مدونيهم إلى أوكرانيا… إنها ممارسة قياسية في وقت الحرب”.
إلا أن سيباستيان يرى أنه يتعين على الصحافيين في هذه الحالة أن يقرروا ما إذا كانوا يحصلون على معلومات لا يمكنهم الحصول عليها بطرق أخرى، وما إذا كانت المعلومات تستحق الدخول مع جيش غازٍ كما هو الحال في هذه الجولة التي نظمها الجيش الإسرائيلي.
تعتبر عبد الصمد أن هذا النوع من الجولات هو ما يُسمى “سكوب سهل”، حيث تمت دعوة الصحافيين من قبل جيش الاحتلال لدخول منطقة محتلة بهدف تأكيد تقدمهم في الأراضي اللبنانية. “يتطلب إرسال صحافيين على متن دبابة أو آلية عسكرية إلى منطقة محتلة دراسة مجموعة من العوامل. يجب على المؤسسة أن تحقق توازناً؛ فكل تحقيق أو كلمة تصدر عن مؤسسة إعلامية تتعلق أو تمس بسلامة صحافييها تتطلب إعادة نظر. السؤال هنا: هل تم تقييم صوابية دخول مراسلين لمؤسسات إعلامية دولية لديها مراسلون يعملون في بيروت؟ هل تم تقييم احتمال انعكاس ذلك على الصحافيين العاملين في العاصمة اللبنانية؟ هذا يعود للمؤسسات تقييم ما إذا كان هذا الأمر يؤثر على سلامتهم أم لا، رغم أن القانون الدولي يحمي الصحافيين ويعتبرهم مدنيين ولا يوجد مجال للربط بين الاثنين”، وفقاً لعبد الصمد.
ومع ذلك، ترى عبد الصمد أن المطالبة بمحاكمة المؤسسات والعاملين فيها وتحرك وزير الإعلام هي إساءة لحرية الإعلام، وتقول: “لا ينبغي أن يكون هناك أي تهديد للعاملين في وسائل الإعلام التي تعمل مع مؤسسات أجنبية… هذا يمس بالحريات الإعلامية. فالمضمون الذي نتج عن الجولة يقابله مضمون التغطية عن الحقيقة الفعلية التي تحدث على الأرض، وبالتالي لدينا هنا صراع مضامين وصراع على كشف الحقيقة، ولا يمكن ولا ينبغي أن تؤثر أي خطوة من هذا النوع على سلامة الموظفين والصحافيين العاملين في مؤسسات إعلامية قررت إرسال مراسلين مع القوات الإسرائيلية”، علماً أن جميع المراسلين اعترفوا بتقييد تحركهم خلال الجولة، بحسب عبد الصمد.
هذه ليست المرة الأولى التي يدعو فيها الجيش الإسرائيلي وسائل الإعلام إلى جولات ميدانية في أراضٍ يجتاحها ويحتلها أو يدخلها عنوة منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة. فقد دُعيت قنوات إعلامية أجنبية مثل BBC وCNN إلى غزة. دعا الجيش الإسرائيلي هذه المنصّات لغرض محدد، بحسب مقال لمعهد الجزيرة للاعلام “وهو إثبات وجود أنفاق تحت المستشفيات والإبلاغ عن ذلك بشكل خاص. ومع ذلك، لم تتم دعوة هؤلاء الصحافيين لإجراء أبحاثهم وتقييماتهم؛ بل دُعوا ليُعرض عليهم ما أراد الجيش الإسرائيلي إظهاره”.
أشارت مراسلة BBC التي شاركت في جولة مع الجيش الاسرائيلي في جنوب لبنان إلى أنها جاءت مع الجيش، وبالتالي لم تكن لديها حرية الحركة. هي المراسلة نفسها التي كانت رافقت قوات الاحتلال عندما دخلت إلى مستشفى الشفاء في غزة وعرضت ما قالت إنه سلاح في المستشفى وتبع الأمر قصف للمستشفى وسقوط ضحايا. بررت إسرائيل ذلك بوجود سلاح وأخذت عدداً من الصحافيين من بينهم هذه الصحافية، وكان هناك تبرير للجريمة في ذلك الوقت، وكانت بروباغندا واضحة، بحسب عبد الصمد.
“لطالما كان أكثر أماناً تغطية الحرب والصحافي على جانب واحد من النزاع بدلاً من أن تكون عالقاً في منطقة محايدة في الوسط تحاول تدوين بعض الملاحظات بينما تتساقط الرصاصات من كلا الجانبين؛ القلم قد يكون أقوى من السيف، لكنه لا يبدو ذكياً جداً أمام قذيفة صاروخية”، بحسب موقع نادي Front Line الإعلامي البريطاني، الذي يرى أن “الصحافة المدمجة أصبحت أكثر تنظيماً منذ حرب العراق، وفي عصر أصبح فيه العمل كصحافي مستقل خطراً استثنائياً، أصبحت هذه الطريقة في التقارير عدسة مهمة نرى من خلالها الصراع…”.
تناقش دراسة بعنوان: “الصحافة المدمجة كعامل تمكيني استراتيجي في صنع السياسة الخارجية المثيرة للجدل للولايات المتحدة وتبريرها داخلياً: أدلة من غزو العراق عام 2003” أنه في النزاعات الإشكالية، مثل حرب العراق 2003-2011، تمكّنت الحكومة الأميركية من أن تستغل بشكل استراتيجي النفوذ الذي تمارسه على المعلومات التي يمكن لوسائل الإعلام الوصول إليها… ومن ثم مشاركتها مع الجمهور من خلال تغطيتهم للنزاع، “وذلك لتسهيل توليد دعم شعبي محلي للحرب، وهو أمر ثبت أنه حاسم في سياقات النزاعات المثيرة للجدل”.
قابلت معدّة الدراسة ثمانية مراسلين عملوا كصحافيين مدمجين أو مستقلين خلال حرب العراق، وقامت بتحليل أربعين مقالاً مدمجاً ومستقلاً من نيويورك تايمز وواشنطن بوست نُشرت خلال هذه الفترة، ووجدت أدلة تشير إلى أن المعلومات التي حصل عليها الصحافيون المدمجون خلال حرب العراق كانت محدودة وتحت سيطرة الجيش الأميركي، وكانت موجهة بشكل خاص نحو شرعنة النزاع. “أدى ذلك إلى أن تكون التقارير الصحافية عن حرب العراق، بشكل عام، أكثر تبريراً للنزاع مقارنة بتغطية الصحافيين المستقلين”.
لذلك، يتعين على الوسيلة الإعلامية أن تقيّم بعناية القيمة المضافة لهذا النوع من الجولات المرافقة للجيوش الغازية مقابل المخاطر المتعددة التي قد تؤثر على مصداقيتها وسلامة موظفيها في بعض البلدان، بالإضافة إلى عوامل أخرى، قبل اتخاذ قرار بإرسال مراسليها برفقة قوات احتلال.
إقرأوا أيضاً:













