طوال سنواتي الأربع والأربعين، لم تتح لي زيارة الجنوب إلا ثلاث مرّات فقط، لكنها كانت كافية ليسكن هذا الجزء من لبنان قلبي وعينيّ. هناك، شعرت أن الأرض تتكلّم لغة أخرى، لغة الزيتون والتبغ والبيوت الحجرية والوجوه التي تعرف معنى الصبر. شعرت أن الجنوب ليس مجرد منطقة جغرافية، بل حالة وجدانية كاملة، تختصر شيئاً عميقاً من معنى الانتماء.
منذ صغري، لم أعرف عن الجنوب سوى أنه أرض لبنانية تحتلّها إسرائيل، ويقاوم فيها “حزب الله” هذا الاحتلال. هكذا قُدّمت لنا الصورة الأولى، قبل أن تتعقّد المشاهد وتتشابك التحالفات وتدخل البلاد في حروب إسناد لا ناقة لكثير من اللبنانيين فيها ولا جمل، ولا سيّما في الحربين الأخيرتين عامَي 2024 و2026. لكن مع الوقت، اكتشفت أن الجنوب أكبر من السياسة، وأكبر من الشعارات، وأكبر من كل ما يُقال عنه في نشرات الأخبار.
ولأنني تربيت في بيئة مسيحية، ودرست في مدارس وجامعات ذات طابع مسيحي، لم ألتقِ كثيراً في طفولتي وشبابي بأشخاص من طوائف أخرى، لا سيّما من الطائفة الشيعية. لكن الحياة، حين تفتح أبوابها خارج الجدران الضيّقة، تعلّمنا ما لا تعلّمه المناهج. ومع دخولي معترك العمل، أدركت أن الصداقات الحقيقية لا تُبنى على الطائفة أو الدين أو الانتماء السياسي، بل على الصدق، واللطف، والانسجام الإنساني النادر.
لقد عرفت الجنوب من خلال صديقات عزيزات، يشبهن جماله، واخضرار طبيعته، وعمق حضارته، وعراقة أسواقه، وصلابة أهله. ومن بينهن، صديقة دخلت حياتي عبر العمل، لكن حضورها تجاوز أي إطار مهني. تمنّيت لو عرفتها منذ زمن بعيد. كانت من أولئك الأشخاص الذين يمنحون المكان طمأنينة خاصة، بصوتها الهادئ، وخجلها الجميل، وابتسامتها التي تُخفي خلفها سنوات طويلة من القهر والتعب.
هذه الصديقة تهجّرَت مراراً وتكراراً. أعادت ترميم بيتها أكثر من مرة، وجمعت شتات حياتها بعد كل حرب، ثم عادت لتبدأ من جديد. تعرّضت للتضييق في بيئة لا تتسامح كثيراً مع الرأي المختلف، وتلقّت رسائل تحمل إساءات وكلاماً بذيئاً وتحرّشاً لفظياً، فقط لأنها قالت ما تؤمن به. وهي، التي لا تشبه إلا الاحترام: مثقّفة، رزينة، هادئة، ومتواضعة إلى حدّ يوجع القلب.
تحمّلت صديقتي الكثير في بيئة لا تملك أحياناً شجاعة تقبّل الاختلاف، فتواجهه بالشتيمة والتخوين والنبذ. ومنذ عامين، انهارت آخر آمالها بوطن يتّسع لجميع أبنائه، على اختلاف آرائهم وطوائفهم، فشدّت الرحال وغادرت قسراً إلى كندا. لم تغادر لأنها أرادت حياة أفضل فقط، بل لأنها تعبت من محاولة النجاة في مكان يرهق أبناءه.
ومنذ ذلك الحين، وهي تعيش غربة مزدوجة: غربة عن وطنها، وغربة داخل المكان الجديد الذي لم يشبهها بعد. كانت تقول لي دائماً إن البرد هناك لا يسكن الطقس فقط، بل يتسلل أحياناً إلى الروح. كانت تشتاق إلى تفاصيل صغيرة لا ينتبه لها أحد: رائحة القهوة في الصباح، صوت الجيران، بائع الخضار، لهجة الناس، شجرة الليمون، وحتى ضجيج الشارع. فالوطن، في النهاية، ليس خطاباً سياسياً، بل تلك التفاصيل الحميمة التي تمنحنا شعورنا بأننا في مكاننا الصحيح.
في كل اتصالاتنا خلال الحرب، كان صوتها مثقلاً بغصّة لا تخطئها الأذن. كنت أشعر أن دموعها تسبق كلماتها. كان قلبها معلقاً بأهلها، بأصدقائها، بناسها، وببيتها الجنوبي الذي يشبهها. بيت صغير، لكنه كبير بما يختزنه من دفء ومحبّة. بيت تفوح منه أغنيات فيروز التي تعشقها، وتحيط به ورود ملوّنة كانت تزرعها بمحبّة، وتعتني بها كما تعتني بذكرياتها.
إقرأوا أيضاً:
في حرب 2024، لم تستطع ترميمه بالكامل. عادت إليه فقط لتنفض عنه غبار الحرب، ترتّب ما يمكن ترتيبه، وتغادر. كأنها كانت تحاول أن تقول له: “سامحني، ربما سأعود حين يهدأ الخراب”.
وفي آخر اتصال لنا، قالت بصوت متعب:
“فايقة من بكير… ما نمت كل الليل. بيتي وبيت أهلي تضرّروا كتير بالحرب. مش عارفة مين بدي كلّف بالتصليح. ما بدي خلّي حدا من إخواتي يطلع عالنبطية، ما بتعرفي شو بيصير… ولا عارفة شو أعمل”.
أحسست بثقل كلماتها يغوص في قلبي كالسكّين. شعرت بعجزي الكامل أمام وجع لا يُرمّم بالكلام. ماذا يمكن أن يُقال لمن تهدّم بيتها مرة جديدة؟ لمن أصبحت الخسارة جزءاً متكرراً من سيرتها؟ لمن تُختبر في كل مرة في قدرتها على البدء من الصفر؟
لم أستطع مواساتها إلا بكلمات قليلة، لأنني كنت أدرك أن كل كلمات العالم قد تبدو فقيرة أمام هذا الألم. فالبيت ليس جدراناً وسقفاً فقط. البيت روح، وذاكرة، وصور معلّقة، وأصوات عشنا بينها، وزوايا خبّأنا فيها أحلامنا الصغيرة. البيت هو المكان الذي يشهد على أعمارنا، وحين يتضرّر، يتضرّر شيء في داخلنا أيضاً.
ومنذ أن أقفلت الهاتف، وأنا أسأل نفسي: إلى متى سيبقى هذا البلد يطلب من ناسه أن يعتادوا الخسارة؟ إلى متى سيبقى بعض اللبنانيين يدفعون، مرة بعد مرة، ثمن حروب أكبر منهم؟ وإلى متى ستبقى البيوت في هذا الوطن مشاريع حنين، أكثر منها أماكن آمنة للحياة؟
صديقتي الجنوبية لم تكن تبكي حجارة. كانت تبكي عمرها، تعبها، وحقها البسيط في أن يكون لها بيت يبقى واقفاً كلما سقط كل شيء من حوله.
إقرأوا أيضاً:












