إنها صورة عائلة، لا أودّ أن أحصيهم جيّداً، لكنّهم ستّة وأمّ وأب. إنها الصورة الأكثر انتشاراً اليوم في سوريا. فيها اقتباس منزلي لملايين الشخصيّات السورية التي أُتيح لها أن تملك صوراً عائلية قبل أن تنزح وتُشرّد وتُقتل.
الصورة تفتّتت عبر الزمن، يمكن تقطيع الصورة، وهذا لا بدّ منه للبحث عن شخصيّاتها. المأساة الخاصّة التي تعرّض لها كل واحد في الصورة غير متشابهة بالطبع، فالطرق نحو الموت غير متشابهة دائماً، ولو غرق اثنان معاً.
جرى تقسيم الصورة كما جرى تقسيم المصير. في ظاهرها عائلة كاملة: أب، أمّ، أطفال، صمت، ابتسام خفيف، استعداد للصورة، وشيء من الفخر العائلي الهادئ. صورة عادية، مثل أيّ صورة تُعلّق في بيت أو تُحفظ في درج، لكنّها صارت لاحقاً أكبر من احتمالها الأوّل، البديهي والفطري. صارت سرداً متقطّعاً لكل شخص فيها، لقد تمّ تفكيك العائلة في خلال اثني عشر عاماً.
رانيا العبّاسي ليست مجرّد اسم في ملفّ المفقودين السوريين. هي طبيبة أسنان وبطلة شطرنج سورية، خُطفت في آذار/ مارس 2013 من منزلها في مشروع دُمّر في دمشق، بعد اعتقال زوجها عبد الرحمن ياسين، ومعها أطفالها الستّة: ديمة، انتصار، نجاح، آلاء، أحمد وليان. منذ ذلك اليوم اختفت عائلة كاملة.
الآن، تقول “الهيئة الوطنية للمفقودين” في سوريا إن التحقيقات وصلت إلى درجة عالية من اليقين بمقتل الأطفال الستّة. وزارة الداخلية تقول إن أدلّة ومقاطع وشهادات موقوفين تشير إلى أنهم قُتلوا على يد مجموعات تابعة للنظام السابق، وإن التحقيقات الأوّلية تتحدّث عن تورّط أمجد يوسف، أحد أبرز المتّهمين في مجزرة التضامن.
لسنوات، بقي السؤال مفتوحاً، هل الأطفال في سجون؟ في دور أيتام؟ هل فُصلوا عن أهلهم؟ لم يبقَ منهم سوى صورة وحيدة للعائلة…
يتمسّك السوريون بالصور. أغلبنا يضع صورة العائلة، كأن الصورة آخر ما يبقى حين يفشل كل شيء آخر. نحن كائنات تتخيّل، وتملك في معرفتها الأولى قياساً بسيطاً ومتشابهاً، هذه الصورة تشبه صور عائلاتنا كلها، صورة العيد، صورة الزيارة، صورة العائلة حين تقرّر لسبب ما أن تقود خطواتها نحو تثبيت اللحظة. الصورة العائلية صلاة صغيرة أمام الزمن، محاولة بريئة كي يبقى من الحياة ترتيبها الأوّل.
ما يجعل هذه الصورة قريبة منّا أن كل واحد يرى فيها عائلته كما كانت قبل أن يتعلّم الخوف. نعرفها قبل أن نعرف حكايتها، لأننا رأينا ما يشبهها في بيوتنا. لهذا تصير الصورة مألوفة ومفزعة في آن واحد، مألوفة لأنها عائلية، ومفزعة لأن سوريا جعلت المألوف نفسه قابلاً للفقد.
كل صورة تحتاج إلى من يؤوّلها. والمؤوّل هنا ليس ناقداً ولا مؤرّخاً، إنما السوري نفسه، يدخل إلى الصورة وهو يحمل صور عائلته معه. لا يعرف الوجوه، لكنّه يعرف هيئة الجلوس، ترتيب الأطفال، ارتباك الوقوف أمام الكاميرا، وتلك الرغبة الصغيرة في تثبيت لحظة قابلة للزوال. لهذا يبدأ التأويل من الألفة لا من السياسة، نحن نفهم الصورة لأننا نعرف معنى أن تكون العائلة آخر شكل للحياة.
كانت صورة رانيا وعائلتها تحمل بصيص أمل، أملاً خافتاً بإمكان الكتابة فوق كل ما فعله النظام، بإمكان أن يكون الأطفال في مكان ما، أن تكون العائلة قد نجت بطريقة ما، أن يكون الزمن الطويل للاختفاء قد ترك ثغرة صغيرة للحياة. لكنّها أيضاً الصورة المضادّة لكل ما حصل في سوريا، ضدّ صور النصر، وضدّ احتفالات السلطة، وضدّ الصنم الذي أُقيم فوق الخراب. صورة عائلة واقفة أمام الكاميرا في هدوء تكشف وحدها كذب كل مشهد احتفالي حاول أن يغطّي المقابر.
هذه صورة رانيا العبّاسي وعائلتها. كانت تملك الحياة كلها داخل إطار واحد، العائلة، المهنة، الأمومة، الأبوّة، الأطفال، ترتيب الجسد أمام الكاميرا، تلك الطمأنينة الصغيرة التي تمنحها الصورة العائلية لأصحابها. لكنّ الزمن الأسدي مزّق الإطار. صار الأب في مسار، والأطفال في مسار، والأمّ في مصير مجهول، أو في وضوح لم يعد يحتمل الكلام. طبيبة وبطلة شطرنج، ثم عائلة مقتسمة بين القتل والتعذيب والاختفاء، وبين أخبار تأتي متأخّرة كأنها تخرج من قاعٍ لا ينتهي.
رغم أن الصورة واحدة، جعلها نظام الأسد صوراً كثيرة، وجهاً للأرشيف، وطفلاً يظهر في فيديو داخل غرفة معتمة، وأباً في صورة من صور مهرّبة من المخابرات العسكرية، وأمّاً يطول غيابها حتى يصير الغياب نفسه مجموعة صور منها بطولتها الذهنية في الشطرنج. هذه العائلة التي فُتّتت هي نحن، صورة واحدة خرج منها بلد كامل إلى المصائر المتفرّقة إلى نجاة مريضة.
هذا السرد عدمي لأنه يملك انتظاراً عدمياً. لم يكن الانتظار فيه انتظار خلاص، إنما انتظار معرفة الموت، أقرب رواية للموت هل مات الأطفال؟ هل وُزّعوا على ملاجئ؟ هل خُطفوا؟ هل كبروا في عائلة أخرى؟ هل اختفوا في مكان لا يعرفه أحد؟ كل احتمال كان عذاباً موزعاً، آملاً، كل سؤال كان يبحث عن القبر، التُربة، العظام، الجسد الصغير المتآكل اللحم، العظم المُنتشر في مجازر مُعمّمة. لم تكن العائلة تنتظر خبراً واحداً، كانت تنتظر أن يُسمح لها بمعرفة ما فعله القتلة.
آلاف الضحايا في سوريا يدخلون في خطّ معرفي واحد، معرفة المصير، خطّ لا يقوم على العدالة أبداً، إنما على الحظّ والصدفة والجهد الشخصي للعائلات وأهلهم، فيديو يظهر فجأة، وثيقة تتسرّب لملفّ أمني، شاهد نجا ويتذكّر، مقبرة تُكشف عبر الأقمار الصناعية، اسم يرد في قائمة، هكذا صارت المعرفة السورية معرفة ناقصة ومتعبة وفوضوية، لا تصل من باب دولة أو مؤسّسة، إنما من شقوق ملفّات آلة القتل نفسها وتفتّتها.
إقرأوا أيضاً:
نحن لا نملك سوى صورة واحدة، صورة عادية لعائلة سورية، لكنّها لم تعد عادية، نحبّ هذه الصورة ونخاف منها في الوقت ذاته، لأنها تشبه سوريا ذاتها، عائلة تتقطع صورتها إجرائياً، بلد يتحوّل إلى نزوح وفقر وقتل ودمار وفوضى، صارت هذه العائلة رمزاً لأنها عائلة، لأنها نحن، لأنها كلنا في زمن الاختفاء الطويل. ماذا يصوّر السوريون أكثر من عودتهم من الخارج إلى حضن أمّهاتهم؟ الحركة الآن ممكنة، أمّا قبل قد يكون الثبات هو كل شيء.
خرج بيان “هيئة المفقودين” ليؤكّد الموت، ثم تلته مقاطع شقيق رانيا التي لم تخلُ من الرجاء والصدمة. حلّ موت الأولاد عليه كأنه نهاية كل شيء، لا كخبر جديد. كان يبكي ويرجو وينادي من أجل أولاد أخته، لا من أجل خلاصهم هذه المرّة، إنما من أجل فيديو واحد يدلّه على أن الانتظار انتهى. في هذا الرجاء المذلّ ظهر وجه آخر للمأساة، أن يصبح الدليل على الموت غاية أخيرة لكي يتوقّف الانتظار.
كانت إشارته إلى الاحتفالات والدبكة شهادة قاسية وجيّدة في الوقت نفسه، هذه البلاد هرعت إلى الاحتفال، وهذا حقّ عظيم بعد سقوط طويل، غير أن موت الأطفال جاء كجرح داخل هذا الفرح. قيل لنا، وله أيضاً، إن فيديوهات لأمجد يوسف تُظهر موت الأطفال. لم تعد المسألة خبراً عن عائلة وحدها، صارت اختباراً قاسياً لما يستطيع المجتمع أن يراه وهو يحتفل.
موت الأطفال في سوريا ليس حدثاً نادراً في قسوته، لكنّه هنا جاء بعد زمن طويل من مجتمع يريد ألّا يعزّي، يريد أن يغزو ويقاتل ويحاول أن يصنع معنى لذاته المقهورة طويلاً، خُرق كل هذا الآن عاد الأطفال لا بوصفهم خبراً فقط، إنما بوصفهم حدّاً أخلاقياً لما يمكن أن يمرّ عليه الفرح من دون أن يتوقّف، تسويات العمل الطائفي ستفشل لأنها ليست عدالة، ولأنها تريد أن تستبدل الجرح بترتيب قوّة، والذاكرة بتوازن خوف، والحقيقة بتوزيع جديد للسيطرة.
اتّهام فريق أنصار شحّود، أو تحويل المسألة إلى هجوم عليهم وحدهم، هو أيضاً تمرّد على التقنية والعمل والجهد، وعلى الطبيعة الإنسانية الخطرة للفيديوهات. إعلاميو السلطة والقريبون منها لا يملكون أيّ معرفة أخلاقية أو إنسانية في التعامل مع القضايا الأمنية والإنسانية، أحد “التيكتوكريّة”” تلاعب بالعظام المكشوفة في التضامن أمام كاميرته، وإعلاميون قريبون من السلطة اتّهموا فريق البحث بأنه يقبض المال مقابل الفيديوهات. إنها فوضى وتفضيل أخلاقي داخل مأساة الناس.
الوصول إلى الفيديوهات من خارج الأطر المعرفية والتقنية التي بناها فريق أنصار شحّود يطرح مشكلة أخلاقية عميقة. هناك إضعاف، من داخل ملفّ الضحايا نفسه، للذين جعلوا العثور على أثر أمجد يوسف وفريقه ممكناً أو متاحاً. ما يحدث مع أنصار يحمل مفارقة مرعبة، لأنه يضع العدالة في سوريا الجديدة أمام سؤال مباشر: كيف يمكن لمؤسّسات العدل والعدالة أن تبدأ عملها من دون أخلاقيات بدئية، من دون شكر الباحثين، وحمايتهم، وحماية النظام المعرفي الذي ينتمون إليه؟
ظهور البيان من “هيئة البحث عن المفقودين” في سوريا يختصر مسافات هائلة من العمل القانوني والإنساني والتقني. كأن الإعلان جاء ليمنح المؤسّسة سلطة القول، من دون أن يعترف بالرافعة التي جعلت هذا القول ممكناً ومتاحاً. فالعدالة في سوريا لم تبدأ من المكاتب والبيانات، إنما من شبّان وموثّقين وصحافيين وباحثين حملوا الأثر وكتبوا عنه وخاطروا من أجله، حفظوه، قارَنوه، منعوا ابتذاله ووضعوه بأفضل يد أمينة استطاعت حماية وثائقهم، وفتحوا له طريقاً نحو القضاء والإشهار بنظام الأسد. إتلافهم معنوياً ورمزياً لا يضعف فريقاً بعينه، إنما يضعف الشرط الأوّل لأيّ عدالة ممكنة..
الفيديو ليس شائعة ولا خطاباً ولا موقفاً سياسياً، إنه أثر قاس، يظهر فيه الموت كما لا يريد أحد أن يراه أو يعترف به. لذلك لا يستطيع الصراع على السلاح أو السيطرة على المناطق أو احتكار السردية أن يلغي ما تفعله صورة واحدة، أو تسجيل واحد، في ذاكرة أهل الضحايا. في سوريا، صُنعت مجزرتان قبل أن نستمع إلى أهالي الضحايا، مجزرة القتل، ثم مجزرة تحويل القتل إلى مادّة للصراع.
أصبح الاحتفال جزءاً من المشكلة، لا لأنه احتفال، إنما لأنه قد يجعل الفرح بداية سياسية لا تمرّ على الأكثر تضرّراً. تصنع دساتير لا يتفاعل معها من حملوا الخسارة الأثقل، ولا يجدون فيها معنى سياسياً أو تعويضياً أو عادلاً نابعاً من سياقاتهم وتجربتهم. وتظهر سياسة احتفالية تدخل في صراع فولكلوري على من يملك العيد، ومن يحقّ له أن يرقص، ومن يحقّ له أن يرفع صورة النصر. هكذا يتأسّس نوع من النسيان، حين ينقل كل أثر إلى عنف ووعود وانغلاق ديني، داخل مجتمع ينحو نحو الانتقام الطائفي من دون عدالة مؤسّسية.
أهل الضحايا يملكون معرفة وذاكرة لا يملكهما الدستور ولا الساحة ولا الأغنية ولا الهجمات من أجل احتكار السلاح أو السيطرة على كل منطقة. يملكون اسماً وصورة وفيديو وانتظاراً، ويملكون فوق ذلك جرحاً من دم واختفاء ومقتلة. هذه معرفة لا تُختصَر في لجنة ولا في خطاب ولا في احتفال، إنها معرفة من عاشوا الفقد قبل أن يصير مادّة سياسية، ومن انتظروا الحقيقة قبل أن تتحوّل إلى بند في نظام جديد.
لذلك يصير كلام الأخ أكثر من انفعال عائلي من أجل أخته، إنه يضع الفرح أمام امتحانه الأخلاقي، لا يطلب إلغاء الاحتفال، إنما يسأل: كيف يمكن لبلد أن يحتفل ولا يتوقّف عند آلاف العائلات التي ما زلت تبكي دون أن تعرف شيئاً عن أولادها؟ كيف يمكن للسياسة أن تبدأ بالدستور المفروض، ولا تبدأ من الأمّهات والآباء والإخوة الذين ينتظرون جثّة أو اسماً أو أثراً؟ الذين تضرّروا أكثر لا يجدون أنفسهم في صورة النصر، يجدون أنفسهم في صورة قديمة، وقد لا يجدونها، وفي خبر موت متأخّر يُعرف صدفة، وفي دليل قاسٍ يسمح لهم أخيراً بأن يعرفوا.
هناك معرفة للمصير مجهولة كُلنا نشترك فيها، نحن لا نعرف أين ذاهبين سياسياً، ولا نملك المشاركة المُمكنة، وهناك احتجاج من الأهالي المتضرّرين بأنهم لا يملكون أيّ حقّ في المشاركة، معرفة المصير ليست معلومة أبداً، إنها سياق أكبر نحن حقيقة لا نعرفه. المؤسّسة العادلة تبدأ من الأضعف، فيديو الأخ وصوته هو فشلنا في كل شيء ما بعد سقوط النظام، وكأنه لم يسقط بعد.
إقرأوا أيضاً:












