ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن ضرورة إعادة النظر في “الثورة” و”اليسار الميليشياوي”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

التحديات التي تواجهنا في المنطقة تتطلب تغييراً جذرياً في طريقة التفكير، وعدم وضوح المعارضات السورية المحسوبة على اليسار أو عدم اتخاذها موقفاً واضحاً من حركات الإسلام الحركي- الجهادي بداعي الثورة أو مواجهة النظام، يزيد من تعقيد هذا الاستعصاء السوري.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أصدر الباحث السوري سامر بكور كتاباً بعنوان “التغريبة السورية: الحرب الأهلية وتداعياتها المجالية والسكانية 2011 – 2020“، أثار عنوان الكتاب، لا محتواه، ضجة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي. وجاء الاستنكار، تحديداً  لعبارة “الحرب الأهلية” التي استخدمها الكاتب في العنوان لوصف “ما حدث” في سوريا عوضاً عن كلمة “ثورة” التي ما زال الكثير من السوريون يعتبرونها “مقدسة” ومستمرة. 

انتقد إعلاميون وناشطون سوريون بشكل لاذع الكتاب والكاتب، حتى قبل قراءة الكتاب، وذلك بسبب العنوان، ثم نُشر فيديو قديم يعود الى العام 2011 يظهر فيه بكور مشاركاً في مسيرة مؤيدة لبشار الأسد في ألمانيا. اتُّهم  الكاتب على إثرها بـ”الخيانة” و”العمالة “و”التشبيح”، ما اضطره إلى الاعتذار والتوضيح، مشيراً إلى أن وعيه السياسي تشكّل مع بداية الثورة السورية، وأنه كان مجبراً على المشاركة في المسيرة.

بعد هذه الحملة، التي وصفها محسوبون على الجانب القطري (كمدير تلفزيون سوريا) بـ”هوشة كراجاتيّة”، وجّه الكاتب السوري خطيب بدلة، ابن مدينة ادلب، انتقادات عدة إلى الثورة السورية ، وأشار إلى أخطاء كبيرة ارتكبت منذ انطلاقتها. 

أشار بدلة أيضاً إلى الطائفية وإلى الصراعات بين السوريين، والى أن ما يحدث في سوريا هو فعلاً “حرب أهلية”، بالطبع اضطر بدلة أيضاً إلى تقديم توضيحات، بعد الهجوم الكبير عليه من سوريين لا يزالون يرون أن الثورة مستمرة. 

اللافت أن الهجوم على بكور وبدلة لم يأت من السوريين القابعين في مخيمات اللجوء في لبنان وتركيا والأردن، الذين يعيشون منذ أكثر من 12 عاماً في خيام تفتقر إلى مقومات الحياة وأبسط احتياجات الإنسان من خصوصية وتعليم وغيرهما، ولا من المعارضين السوريين في الداخل السوري الذين يواجهون ظروفاً اقتصادية واجتماعية قاسية جداً. 

 جاء الهجوم غالباً من اللاجئين السوريين الآمنين في أوروبا، وبعض السوريين في تركيا، الذين يدافعون عن ثورة سورية “طاهرة” لا تعيش إلا في مخيلتهم، الأمر  ذاته مع بدلة وبكور المقيمين خارج سوريا، وكأن كلَي الطرفين، يتصارعان على مساحة متخيّلة، لكل منهم حججه و”سطوته” في تأكيد وجودها!

“ثورات” سوريا الخالية من الخطأ!

انقسمت المعارضة السورية إلى فصائل وجماعات عدة تختلف في ما بينها بشكل كبير، ففي إدلب، هناك مؤسسات ومنظمات مدنية، إلى جانب فصائل متقاتلة، وهناك قوات سوريا الديموقراطيّة، والجيش الوطني وغيرهم من أطياف قوى الأمر الواقع، التي تشارك في الاعتداء على الصحافيين، وبعضها يفرض الشريعة الإسلامية ويمنع الاختلاطـ،  والبعض الآخر مثل قسد مثلاً، يخطفُ القاصرات لتجنيدهن.

هناك  كيانات وشخصيات معارضة مستقلة متعددة في أنحاء أوروبا، ناهيك بوفود التفاوض في روسيا وجنيف، وفي الوقت ذاته ينتشر خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي بين السوريين وعلى وسائل الإعلام، حيث يعبر البعض عن أعمق مشاعر الطائفية والتمييز على أساس الدين والجنس والتوجهات الجنسية والسياسية، إلى حد إصدار المركز السوري لحرية الإعلام والتعبير “قاموساً” لمصطلحات خطاب الكراهية المستخدمة في السياق السوري!

على رغم هذا، يرى كثر أن “الثورة مستمرة”، ويرفضون وصف ما يحصل بالحرب الأهلية، وينكرون وجود الطائفية والكراهية بين السوريين. في نظرهم، السبب الوحيد وراء التحول نحو الكراهية والطائفية هو النظام السوري الذي دمر المجتمع وقمع الثورة بوحشية.

لا إنكار أن القمع والديكتاتورية وقتل النظام السوري لأي نشاط سياسي أدى بنا الى هذه النتيجة الكارثية. ولكن، هل يمكن تحميل النظام وحده مسؤولية الخراب الذي حلّ بالمجتمع السوري؟ ألا ينبغي أن نعترف نحن، كجزء من هذه الثورة، بالأخطاء التي ارتكبناها أيضاً، واستفاد منها النظام ؟

 قد يثير الاعتراف العلني بالأخطاء التي ارتكبت منذ بداية الثورة أو الإشارة بوضوح إلى الطائفية والفساد والجرائم، مخاوف من أن يتماشى هذا الاعتراف مع خطاب النظام السوري. فقد استخدم الأخير عبارات مثل “التطرف” و”الإرهاب” و”الطائفية” و”حماية الأقليات” كذريعة لقمع الثورة وإثبات عدم شرعيتها أمام مؤيديه أو المجتمع الدولي، بل وحول ما يحدث إلى “حرب على الإرهاب”. 

قبل عامين، بادر الإعلامي السوري إياد شربجي بشجاعة إلى الاعتراف علناً بالأخطاء التي ارتكبها بعض الناشطين الإعلاميين خلال الثورة، إذ اعترف بتعمّد “فلترة” المقاطع المصورة وحذف اللقطات التي تضمنت شعارات طائفية في التظاهرات. 

وكما هو متوقع، تعرض شربجي لهجوم كبير من ناشطي الثورة، الذين ربما خافوا من أن يُستخدم هذا الاعتراف ضد الثورة وينزع قدسيتها المفترضة، أو لأنهم لم يرغبوا في تصديق أن هذا بالفعل حدث. وقد استشهدوا بتظاهرات خرجت في مدينتي سلمية والسويداء، والتي كانت شعاراتها علمانية و كان المشاركون فيها يطالبون بدولة علمانية ديمقراطية. لكن سلمية والسويداء، لا تمثلان كل سوريا، ولا غالبية السوريين. 

وحتى الآن، بعد أكثر من 14 عاماً، تظل السويداء ثائرة ضد نظام القمع الأسدي. ومع ذلك، لا تزال أصوات أبناء المدينة، حتى أولئك خارج سوريا، محدودة في ما يتعلق بجرائم قتل النساء تحت مسمى “جرائم الشرف”. فالكثيرون منهم لا يجرؤون على التمرد على أعراف الطائفة أو توجيه نقد لاذع لهذه الجرائم،  على رغم أنهم ينظمون وقفات صامتة داخل السويداء من وقت الى آخر، وتصدر بعض الأصوات المنفردة للتنديد، إلا أن هذه الأصوات تظل غير كافية لبناء حركة مؤثرة.

أخوة في الوطن… ولو جهاديين!

سمع بعض الناشطين حتى في بداية الثورة عبارات تتعلق بإبادة طائفة معينة، وكان اليساريون يحاولون تصحيحها بقولهم: “تقصدون أننا سنحاكم الشبيحة بغض النظر عن دينهم؟”. ومع تمدد الجماعات الإسلامية وتنظيم داعش بشكل مريع، رأى كثيرون أن النظام، على رغم سوئه، أقل خطورة من الجماعات الإسلامية المتطرفة. وطالب البعض بالاصطفاف إلى جانب ما اعتبروه “الخيار الأقل سوءاً”، ومنهم سجناء سياسيون سابقون. 

في ظل ما سبق، ما زال بعض “اليساريين” يتواطأ بالصمت على التطرف والطائفية التي شهدناها بأم أعيننا في صفوف المعارضة مع بداية الثورة السورية، وكنا نقول بحسن نية: “سنتخلص من الديكتاتور أولاً، ثم نعالج مسألة التطرف والإسلاميين”، كنا نستخف بهذه النزعات الطائفية التي كنا نراها، مبررين ذلك بأنهم “أولاد البلد” وأننا كنا نعيش معاً قبل الثورة من دون أن يقتل بعضنا البعض. كنا نقدم تبريرات ساذجة.

اعتقد بعض اليساريين أن هذه الحالات فردية ولا تمثل شريحة واسعة من الشعب السوري، وأننا سنستطيع تجاوزها بمجرد سقوط النظام. كان هذا التصور خيانة غير واعية لمبادئ الثورة التي خرجنا من أجلها، وخيانة للثورة نفسها، التي يفترض أن تطالب بالحرية والعدالة للجميع. مع ذلك، هناك أصوات ترفض حتى الآن الاعتراف بهذا التواطؤ، وينكرون وجوده أساساً منذ بداية الثورة! 

ذهب البعض  أيضاً إلى تحميل النظام السوري مسؤولية العمليات الإرهابية التي ينفذها سوريون متطرفون في أوروبا، في إشارة إلى تصريح سابق لوزير الخارجية السوري وليد المعلم “سنمحوا أوروبا من الخريطة”.  وعلى الرغم من أن النظام يتحمل بالفعل مسؤولية كبيرة عما حدث للسوريين بشكل عام، فإن من الجبن عدم الإشارة إلى العنصرية داخل الإسلام والتطرف الإسلامي والتحريض على الكراهية من بعض الشيوخ وأئمة الجوامع والتحريض غير المباشر من بعض المحطات التلفزيونية.

 ناهيك بالسياسات الأوروبيّة نفسها وحيثياتها التي توزع اتهامات “الإرهاب” و”الاضطراب النفسي” حسب جنسية المجرم. لذلك، فإن محاولة إلقاء اللوم الكامل على النظام من دون مواجهة حقيقة أن التطرف الإسلامي ومن وراءه من “ممالك” و”جمهورية إسلاميّة” من جهة، و”عنصرية أوروبية” من جهة أخرى، هو جزء من المشكلة، ويعد تهرباً من مواجهة واقع يحتاج إلى معالجة جادة.

صمت يساري أمام “العنف الإسلامويّ”

التواطؤ مع الإسلاميين الذي حدث منذ أكثر من عشر سنوات في الثورة السورية، ظهر مجدداً بشكل أكثر وضوحاً بعد الهجوم الذي شنته ميليشيا حماس في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر على بلدات غلاف غزة، والذي أسفر عن رد وحشي من إسرائيل أدى إلى مقتل أكثر من خمسين ألف فلسطيني وتدمير غزة بشكل شبه كامل.

وعلى الرغم من ذلك، تلقت عملية حماس تأييداً كبيراً من بعض الناشطين اليساريين الذين لم يكتفوا بالدفاع عن الحركة الإسلامية المتطرفة، بل بدأ بعضهم بإيجاد مبررات للدعم الإيراني لها، متعللين بالتقصير العربي وضرورة التحالف في القضايا المشتركة ومقاومة الاحتلال.

وصل الأمر إلى حد أن يرثي برهان غليون، الأستاذ الجامعي و الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري، السنوار بوصفه “عاش بطلاً ومات بطلاً”،  فهل السبب أن حماس لم تتورط بدم السوريين كما فعل حزب الله وقائده؟ أم السبب طائفي؟  أم لأنه “مقاوم” والمقاومة تمحي الممارسات القمعية على أرض الواقع؟

كثر من الناشطين السوريين والفلسطينيين السوريين، الذين يفترض أنهم ليبراليون أو يساريون، وقفوا مع ميليشيات إرهابية إسلامية، وهادنوا حزب الله حليف النظام السوري، الذي تلطخت أيدي عناصره بدماء السوريين، بحجة أنه يدعم “محور المقاومة” المدفوع من إيران لتحرير فلسطين، هؤلاء أطلق عليهم اسم “الممانعون الجدد” الذين علقوا انتقادهم للنظام السوري وحزب الله، كي لا يشوشوا على “ًصوت المعركة”.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل دافع بعض هؤلاء الناشطين عن شعارات طائفية وأخرى تدعم الإرهاب رُفعت في التظاهرات التي خرجت في أوروبا أو في الجامعات الأميركية. حاول هؤلاء الناشطون التستر على بعض الظواهر المتطرفة أو التقليل من أهميتها أو حتى إيجاد المبررات لها. وعندما واجهوا انتقادات من بعض الأطراف، شنوا هجوماً على منتقديهم، واصفين إياهم بأنهم “عملاء” أو “أبناء الأقليات المذعورة” أو صهاينة جدد أو “لاعقو أحذية الغرب”. 

بدأ الإعلام الغربي بالفعل بتسليط الضوء على التناقض بين الشعارات التي يهتف بها المتظاهرون باللغة العربية وتلك التي يهتفون بها باللغات الأجنبية الأخرى. ففي حين يهتفون باللغات الأجنبية بشعارات قد تكون مقبولة نوعاً ما من المجتمع الدولي وتحرج مشاعر اليساريين الغربيين، يردد البعض منهم باللغة العربية شعارات متطرفة أو شعارات داعمة لحماس، ويرفعون أعلام حماس وحزب الله، وهما مصنفان كمنظمتين إرهابيتين في الكثير من الدول، وإن كانت هذه حالات فردية وقليلة، فإن تجاهلها والسكوت عليها يضران أكثر مما ينفعان.

الصحافية السويدية من أصل فلسطيني، إيناس حمدان، كتبت تقريراً حول هذا الموضوع في إحدى الصحف السويدية. وبعد نشر التقرير، تجمع العشرات أمام منزلها، مرددين شعارات معادية في محاولة لإسكاتها.

 لم يلق هذا الفعل أي إدانة تُذكر من الناشطين الذين ينتقدون ازدواجية المعايير في الغرب، إذ اتهموا الغرب بمنعهم من ممارسة حرية التعبير. فيما يقومون هم بمحاولة التصفية المعنوية لمن يخالفهم الرأي.

من المؤسف أيضاً كيف تحولت المعركة بين حماس وإسرائيل إلى صراع لبعض الشباب اليساريين مع ما يسمونه ا”لإمبريالية” و”الرجل الأبيض”، وأصبح التحالف بين الإسلاميين واليساريين أمراً متكرراً، هؤلاء من خلال تخوين الآخرين وإسكات الأصوات المخالفة، يرتكبون خيانة لقيم الديمقراطية والسلام، ويساهمون في تحويل معاناة الغزاويين إلى مجرد تضحية في سبيل قضاياهم الأيديولوجية، من دون اعتبار للقهر الذي يعانيه الناس في ظل الدمار.

اللافت أيضاً وجود تضامن نسوي مع هذه الميليشيات الإسلامية رغم أن النساء يعشن تحت حكمها في ظروف خانقة، كما أن دور المرأة في المناطق الخاضعة لحزب الله في لبنان يثير الكثير من التساؤلات. فهل يتعدى دورها الصورة التقليدية التي قدمتها الكاتبة سلوى فاضل في مقالها عام 2018 في صحيفة “النهار” اللبنانية باعتبارها “أم الشهيد”؟ قد تكون هناك حالات استثنائية تخرج عن هذا النمط، لكنها لا تعكس القاعدة العامة ولا يمكن اعتبارها نموذجاً يمكن البناء عليه.

ماذا عن واقع النساء في مناطق أخرى تعاني من هيمنة جماعات إسلامية متطرفة؟ في اليمن، نرى تجنيد الأطفال وتزويج القاصرات، وفي غزة، النساء تحت حكم حماس يتعرّضن للقمع وتجريدهنّ من الكثير من حقوقهنّ. منذ فترة ليست ببعيدة، خرج حسن نصرالله، الأمين العام السابق لحزب الله، ليدافع علناً عن تزويج القاصرات ويحرض ضد المثلية الجنسية. وخليفته الحالي، معروف بموقفه المعادي للمرأة، فهل كل هذا يُسكت عنه؟

وفي ما يتعلق بالشباب اليساريين، هل يجد هؤلاء الشباب مكاناً لهم بين هذه الميليشيات الإسلامية وجماهيرها؟ وهل هناك تقبّل للتوجهات الجنسية المختلفة أو حرية اللباس والتعبير في تلك المجتمعات؟ كيف يمكن دعم جماعة بنت أنفاقاً لحماية نفسها وتركت المدنيين يواجهون دولة نووية مدعومة من أقوى دول العالم؟ أم أنهم يقولون لأنفسهم ما كنا نقوله في بداية الثورة السورية: نتخلص من الاحتلال الآن، ثم نتفرغ للميليشيات الإيرانية والإسلامية بشكل عام؟

هل يمكننا أن نتوقع مستقبلاً أفضل لهذه المجتمعات في ظل حكم إسلامي متطرف، سواء كان سنياً أو شيعياً. بالنظر إلى النماذج التي نراها في تركيا، أفغانستان، العراق، اليمن، إدلب السورية، وغيرها، يبدو أن هذا الأمل شبه مستحيل.

التحديات التي تواجهنا في المنطقة تتطلب تغييراً جذرياً في طريقة التفكير، وعدم وضوح المعارضات السورية المحسوبة على اليسار أو عدم اتخاذها موقفاً واضحاً من حركات الإسلام الحركي- الجهادي بداعي الثورة أو مواجهة النظام، يزيد من تعقيد هذا الاستعصاء السوري. المجتمع الدولي لن يعيد دعمه طالما أن النظام السوري، رغم جرائمه، وبمساعدة حلفائه، نجح في الحفاظ على تماسكه وتقديم نفسه كخيار أقل ضرراً مقارنة بالفوضى التي تعيشها المعارضات الممزقة. 

20.11.2024
زمن القراءة: 9 minutes

التحديات التي تواجهنا في المنطقة تتطلب تغييراً جذرياً في طريقة التفكير، وعدم وضوح المعارضات السورية المحسوبة على اليسار أو عدم اتخاذها موقفاً واضحاً من حركات الإسلام الحركي- الجهادي بداعي الثورة أو مواجهة النظام، يزيد من تعقيد هذا الاستعصاء السوري.

أصدر الباحث السوري سامر بكور كتاباً بعنوان “التغريبة السورية: الحرب الأهلية وتداعياتها المجالية والسكانية 2011 – 2020“، أثار عنوان الكتاب، لا محتواه، ضجة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي. وجاء الاستنكار، تحديداً  لعبارة “الحرب الأهلية” التي استخدمها الكاتب في العنوان لوصف “ما حدث” في سوريا عوضاً عن كلمة “ثورة” التي ما زال الكثير من السوريون يعتبرونها “مقدسة” ومستمرة. 

انتقد إعلاميون وناشطون سوريون بشكل لاذع الكتاب والكاتب، حتى قبل قراءة الكتاب، وذلك بسبب العنوان، ثم نُشر فيديو قديم يعود الى العام 2011 يظهر فيه بكور مشاركاً في مسيرة مؤيدة لبشار الأسد في ألمانيا. اتُّهم  الكاتب على إثرها بـ”الخيانة” و”العمالة “و”التشبيح”، ما اضطره إلى الاعتذار والتوضيح، مشيراً إلى أن وعيه السياسي تشكّل مع بداية الثورة السورية، وأنه كان مجبراً على المشاركة في المسيرة.

بعد هذه الحملة، التي وصفها محسوبون على الجانب القطري (كمدير تلفزيون سوريا) بـ”هوشة كراجاتيّة”، وجّه الكاتب السوري خطيب بدلة، ابن مدينة ادلب، انتقادات عدة إلى الثورة السورية ، وأشار إلى أخطاء كبيرة ارتكبت منذ انطلاقتها. 

أشار بدلة أيضاً إلى الطائفية وإلى الصراعات بين السوريين، والى أن ما يحدث في سوريا هو فعلاً “حرب أهلية”، بالطبع اضطر بدلة أيضاً إلى تقديم توضيحات، بعد الهجوم الكبير عليه من سوريين لا يزالون يرون أن الثورة مستمرة. 

اللافت أن الهجوم على بكور وبدلة لم يأت من السوريين القابعين في مخيمات اللجوء في لبنان وتركيا والأردن، الذين يعيشون منذ أكثر من 12 عاماً في خيام تفتقر إلى مقومات الحياة وأبسط احتياجات الإنسان من خصوصية وتعليم وغيرهما، ولا من المعارضين السوريين في الداخل السوري الذين يواجهون ظروفاً اقتصادية واجتماعية قاسية جداً. 

 جاء الهجوم غالباً من اللاجئين السوريين الآمنين في أوروبا، وبعض السوريين في تركيا، الذين يدافعون عن ثورة سورية “طاهرة” لا تعيش إلا في مخيلتهم، الأمر  ذاته مع بدلة وبكور المقيمين خارج سوريا، وكأن كلَي الطرفين، يتصارعان على مساحة متخيّلة، لكل منهم حججه و”سطوته” في تأكيد وجودها!

“ثورات” سوريا الخالية من الخطأ!

انقسمت المعارضة السورية إلى فصائل وجماعات عدة تختلف في ما بينها بشكل كبير، ففي إدلب، هناك مؤسسات ومنظمات مدنية، إلى جانب فصائل متقاتلة، وهناك قوات سوريا الديموقراطيّة، والجيش الوطني وغيرهم من أطياف قوى الأمر الواقع، التي تشارك في الاعتداء على الصحافيين، وبعضها يفرض الشريعة الإسلامية ويمنع الاختلاطـ،  والبعض الآخر مثل قسد مثلاً، يخطفُ القاصرات لتجنيدهن.

هناك  كيانات وشخصيات معارضة مستقلة متعددة في أنحاء أوروبا، ناهيك بوفود التفاوض في روسيا وجنيف، وفي الوقت ذاته ينتشر خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي بين السوريين وعلى وسائل الإعلام، حيث يعبر البعض عن أعمق مشاعر الطائفية والتمييز على أساس الدين والجنس والتوجهات الجنسية والسياسية، إلى حد إصدار المركز السوري لحرية الإعلام والتعبير “قاموساً” لمصطلحات خطاب الكراهية المستخدمة في السياق السوري!

على رغم هذا، يرى كثر أن “الثورة مستمرة”، ويرفضون وصف ما يحصل بالحرب الأهلية، وينكرون وجود الطائفية والكراهية بين السوريين. في نظرهم، السبب الوحيد وراء التحول نحو الكراهية والطائفية هو النظام السوري الذي دمر المجتمع وقمع الثورة بوحشية.

لا إنكار أن القمع والديكتاتورية وقتل النظام السوري لأي نشاط سياسي أدى بنا الى هذه النتيجة الكارثية. ولكن، هل يمكن تحميل النظام وحده مسؤولية الخراب الذي حلّ بالمجتمع السوري؟ ألا ينبغي أن نعترف نحن، كجزء من هذه الثورة، بالأخطاء التي ارتكبناها أيضاً، واستفاد منها النظام ؟

 قد يثير الاعتراف العلني بالأخطاء التي ارتكبت منذ بداية الثورة أو الإشارة بوضوح إلى الطائفية والفساد والجرائم، مخاوف من أن يتماشى هذا الاعتراف مع خطاب النظام السوري. فقد استخدم الأخير عبارات مثل “التطرف” و”الإرهاب” و”الطائفية” و”حماية الأقليات” كذريعة لقمع الثورة وإثبات عدم شرعيتها أمام مؤيديه أو المجتمع الدولي، بل وحول ما يحدث إلى “حرب على الإرهاب”. 

قبل عامين، بادر الإعلامي السوري إياد شربجي بشجاعة إلى الاعتراف علناً بالأخطاء التي ارتكبها بعض الناشطين الإعلاميين خلال الثورة، إذ اعترف بتعمّد “فلترة” المقاطع المصورة وحذف اللقطات التي تضمنت شعارات طائفية في التظاهرات. 

وكما هو متوقع، تعرض شربجي لهجوم كبير من ناشطي الثورة، الذين ربما خافوا من أن يُستخدم هذا الاعتراف ضد الثورة وينزع قدسيتها المفترضة، أو لأنهم لم يرغبوا في تصديق أن هذا بالفعل حدث. وقد استشهدوا بتظاهرات خرجت في مدينتي سلمية والسويداء، والتي كانت شعاراتها علمانية و كان المشاركون فيها يطالبون بدولة علمانية ديمقراطية. لكن سلمية والسويداء، لا تمثلان كل سوريا، ولا غالبية السوريين. 

وحتى الآن، بعد أكثر من 14 عاماً، تظل السويداء ثائرة ضد نظام القمع الأسدي. ومع ذلك، لا تزال أصوات أبناء المدينة، حتى أولئك خارج سوريا، محدودة في ما يتعلق بجرائم قتل النساء تحت مسمى “جرائم الشرف”. فالكثيرون منهم لا يجرؤون على التمرد على أعراف الطائفة أو توجيه نقد لاذع لهذه الجرائم،  على رغم أنهم ينظمون وقفات صامتة داخل السويداء من وقت الى آخر، وتصدر بعض الأصوات المنفردة للتنديد، إلا أن هذه الأصوات تظل غير كافية لبناء حركة مؤثرة.

أخوة في الوطن… ولو جهاديين!

سمع بعض الناشطين حتى في بداية الثورة عبارات تتعلق بإبادة طائفة معينة، وكان اليساريون يحاولون تصحيحها بقولهم: “تقصدون أننا سنحاكم الشبيحة بغض النظر عن دينهم؟”. ومع تمدد الجماعات الإسلامية وتنظيم داعش بشكل مريع، رأى كثيرون أن النظام، على رغم سوئه، أقل خطورة من الجماعات الإسلامية المتطرفة. وطالب البعض بالاصطفاف إلى جانب ما اعتبروه “الخيار الأقل سوءاً”، ومنهم سجناء سياسيون سابقون. 

في ظل ما سبق، ما زال بعض “اليساريين” يتواطأ بالصمت على التطرف والطائفية التي شهدناها بأم أعيننا في صفوف المعارضة مع بداية الثورة السورية، وكنا نقول بحسن نية: “سنتخلص من الديكتاتور أولاً، ثم نعالج مسألة التطرف والإسلاميين”، كنا نستخف بهذه النزعات الطائفية التي كنا نراها، مبررين ذلك بأنهم “أولاد البلد” وأننا كنا نعيش معاً قبل الثورة من دون أن يقتل بعضنا البعض. كنا نقدم تبريرات ساذجة.

اعتقد بعض اليساريين أن هذه الحالات فردية ولا تمثل شريحة واسعة من الشعب السوري، وأننا سنستطيع تجاوزها بمجرد سقوط النظام. كان هذا التصور خيانة غير واعية لمبادئ الثورة التي خرجنا من أجلها، وخيانة للثورة نفسها، التي يفترض أن تطالب بالحرية والعدالة للجميع. مع ذلك، هناك أصوات ترفض حتى الآن الاعتراف بهذا التواطؤ، وينكرون وجوده أساساً منذ بداية الثورة! 

ذهب البعض  أيضاً إلى تحميل النظام السوري مسؤولية العمليات الإرهابية التي ينفذها سوريون متطرفون في أوروبا، في إشارة إلى تصريح سابق لوزير الخارجية السوري وليد المعلم “سنمحوا أوروبا من الخريطة”.  وعلى الرغم من أن النظام يتحمل بالفعل مسؤولية كبيرة عما حدث للسوريين بشكل عام، فإن من الجبن عدم الإشارة إلى العنصرية داخل الإسلام والتطرف الإسلامي والتحريض على الكراهية من بعض الشيوخ وأئمة الجوامع والتحريض غير المباشر من بعض المحطات التلفزيونية.

 ناهيك بالسياسات الأوروبيّة نفسها وحيثياتها التي توزع اتهامات “الإرهاب” و”الاضطراب النفسي” حسب جنسية المجرم. لذلك، فإن محاولة إلقاء اللوم الكامل على النظام من دون مواجهة حقيقة أن التطرف الإسلامي ومن وراءه من “ممالك” و”جمهورية إسلاميّة” من جهة، و”عنصرية أوروبية” من جهة أخرى، هو جزء من المشكلة، ويعد تهرباً من مواجهة واقع يحتاج إلى معالجة جادة.

صمت يساري أمام “العنف الإسلامويّ”

التواطؤ مع الإسلاميين الذي حدث منذ أكثر من عشر سنوات في الثورة السورية، ظهر مجدداً بشكل أكثر وضوحاً بعد الهجوم الذي شنته ميليشيا حماس في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر على بلدات غلاف غزة، والذي أسفر عن رد وحشي من إسرائيل أدى إلى مقتل أكثر من خمسين ألف فلسطيني وتدمير غزة بشكل شبه كامل.

وعلى الرغم من ذلك، تلقت عملية حماس تأييداً كبيراً من بعض الناشطين اليساريين الذين لم يكتفوا بالدفاع عن الحركة الإسلامية المتطرفة، بل بدأ بعضهم بإيجاد مبررات للدعم الإيراني لها، متعللين بالتقصير العربي وضرورة التحالف في القضايا المشتركة ومقاومة الاحتلال.

وصل الأمر إلى حد أن يرثي برهان غليون، الأستاذ الجامعي و الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري، السنوار بوصفه “عاش بطلاً ومات بطلاً”،  فهل السبب أن حماس لم تتورط بدم السوريين كما فعل حزب الله وقائده؟ أم السبب طائفي؟  أم لأنه “مقاوم” والمقاومة تمحي الممارسات القمعية على أرض الواقع؟

كثر من الناشطين السوريين والفلسطينيين السوريين، الذين يفترض أنهم ليبراليون أو يساريون، وقفوا مع ميليشيات إرهابية إسلامية، وهادنوا حزب الله حليف النظام السوري، الذي تلطخت أيدي عناصره بدماء السوريين، بحجة أنه يدعم “محور المقاومة” المدفوع من إيران لتحرير فلسطين، هؤلاء أطلق عليهم اسم “الممانعون الجدد” الذين علقوا انتقادهم للنظام السوري وحزب الله، كي لا يشوشوا على “ًصوت المعركة”.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل دافع بعض هؤلاء الناشطين عن شعارات طائفية وأخرى تدعم الإرهاب رُفعت في التظاهرات التي خرجت في أوروبا أو في الجامعات الأميركية. حاول هؤلاء الناشطون التستر على بعض الظواهر المتطرفة أو التقليل من أهميتها أو حتى إيجاد المبررات لها. وعندما واجهوا انتقادات من بعض الأطراف، شنوا هجوماً على منتقديهم، واصفين إياهم بأنهم “عملاء” أو “أبناء الأقليات المذعورة” أو صهاينة جدد أو “لاعقو أحذية الغرب”. 

بدأ الإعلام الغربي بالفعل بتسليط الضوء على التناقض بين الشعارات التي يهتف بها المتظاهرون باللغة العربية وتلك التي يهتفون بها باللغات الأجنبية الأخرى. ففي حين يهتفون باللغات الأجنبية بشعارات قد تكون مقبولة نوعاً ما من المجتمع الدولي وتحرج مشاعر اليساريين الغربيين، يردد البعض منهم باللغة العربية شعارات متطرفة أو شعارات داعمة لحماس، ويرفعون أعلام حماس وحزب الله، وهما مصنفان كمنظمتين إرهابيتين في الكثير من الدول، وإن كانت هذه حالات فردية وقليلة، فإن تجاهلها والسكوت عليها يضران أكثر مما ينفعان.

الصحافية السويدية من أصل فلسطيني، إيناس حمدان، كتبت تقريراً حول هذا الموضوع في إحدى الصحف السويدية. وبعد نشر التقرير، تجمع العشرات أمام منزلها، مرددين شعارات معادية في محاولة لإسكاتها.

 لم يلق هذا الفعل أي إدانة تُذكر من الناشطين الذين ينتقدون ازدواجية المعايير في الغرب، إذ اتهموا الغرب بمنعهم من ممارسة حرية التعبير. فيما يقومون هم بمحاولة التصفية المعنوية لمن يخالفهم الرأي.

من المؤسف أيضاً كيف تحولت المعركة بين حماس وإسرائيل إلى صراع لبعض الشباب اليساريين مع ما يسمونه ا”لإمبريالية” و”الرجل الأبيض”، وأصبح التحالف بين الإسلاميين واليساريين أمراً متكرراً، هؤلاء من خلال تخوين الآخرين وإسكات الأصوات المخالفة، يرتكبون خيانة لقيم الديمقراطية والسلام، ويساهمون في تحويل معاناة الغزاويين إلى مجرد تضحية في سبيل قضاياهم الأيديولوجية، من دون اعتبار للقهر الذي يعانيه الناس في ظل الدمار.

اللافت أيضاً وجود تضامن نسوي مع هذه الميليشيات الإسلامية رغم أن النساء يعشن تحت حكمها في ظروف خانقة، كما أن دور المرأة في المناطق الخاضعة لحزب الله في لبنان يثير الكثير من التساؤلات. فهل يتعدى دورها الصورة التقليدية التي قدمتها الكاتبة سلوى فاضل في مقالها عام 2018 في صحيفة “النهار” اللبنانية باعتبارها “أم الشهيد”؟ قد تكون هناك حالات استثنائية تخرج عن هذا النمط، لكنها لا تعكس القاعدة العامة ولا يمكن اعتبارها نموذجاً يمكن البناء عليه.

ماذا عن واقع النساء في مناطق أخرى تعاني من هيمنة جماعات إسلامية متطرفة؟ في اليمن، نرى تجنيد الأطفال وتزويج القاصرات، وفي غزة، النساء تحت حكم حماس يتعرّضن للقمع وتجريدهنّ من الكثير من حقوقهنّ. منذ فترة ليست ببعيدة، خرج حسن نصرالله، الأمين العام السابق لحزب الله، ليدافع علناً عن تزويج القاصرات ويحرض ضد المثلية الجنسية. وخليفته الحالي، معروف بموقفه المعادي للمرأة، فهل كل هذا يُسكت عنه؟

وفي ما يتعلق بالشباب اليساريين، هل يجد هؤلاء الشباب مكاناً لهم بين هذه الميليشيات الإسلامية وجماهيرها؟ وهل هناك تقبّل للتوجهات الجنسية المختلفة أو حرية اللباس والتعبير في تلك المجتمعات؟ كيف يمكن دعم جماعة بنت أنفاقاً لحماية نفسها وتركت المدنيين يواجهون دولة نووية مدعومة من أقوى دول العالم؟ أم أنهم يقولون لأنفسهم ما كنا نقوله في بداية الثورة السورية: نتخلص من الاحتلال الآن، ثم نتفرغ للميليشيات الإيرانية والإسلامية بشكل عام؟

هل يمكننا أن نتوقع مستقبلاً أفضل لهذه المجتمعات في ظل حكم إسلامي متطرف، سواء كان سنياً أو شيعياً. بالنظر إلى النماذج التي نراها في تركيا، أفغانستان، العراق، اليمن، إدلب السورية، وغيرها، يبدو أن هذا الأمل شبه مستحيل.

التحديات التي تواجهنا في المنطقة تتطلب تغييراً جذرياً في طريقة التفكير، وعدم وضوح المعارضات السورية المحسوبة على اليسار أو عدم اتخاذها موقفاً واضحاً من حركات الإسلام الحركي- الجهادي بداعي الثورة أو مواجهة النظام، يزيد من تعقيد هذا الاستعصاء السوري. المجتمع الدولي لن يعيد دعمه طالما أن النظام السوري، رغم جرائمه، وبمساعدة حلفائه، نجح في الحفاظ على تماسكه وتقديم نفسه كخيار أقل ضرراً مقارنة بالفوضى التي تعيشها المعارضات الممزقة. 

20.11.2024
زمن القراءة: 9 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية