لم يكن الطفل الذي نُقل إلى أحد مستشفيات طرابلس في حالة صحّية حرجة مجرّد صورة انتشرت على شاشات الهواتف. لم يكن جسداً صغيراً يبحث عن الماء والغذاء والرعاية فقط، بل كان مرآة لأسئلة أعمق وأكثر إيلاماً: ماذا نفعل عندما يفشل المجتمع في حماية أطفاله وطفلاته؟ ولماذا لا نرى الأطفال والطفلات إلا عندما يصل ألمهم إلى درجة لا يمكن تجاهلها؟
خلال الساعات والأيّام التي تلت انتشار خبر العثور على الطفل بحالة صحّية صعبة بسبب الجفاف وسوء الرعاية، تحوّلت قصّته إلى قضيّة رأي عامّ. انتشرت صوره على وسائل التواصل الاجتماعي، كما جرى التداول بمقاطع فيديو تُظهر لحظات نقله مسرعاً إلى المستشفى، في مشهد صادم حوّل معاناته الجسدية إلى مادّة متداولة أمام أعين الجميع. وفي خضم هذا الانتشار، أصبح جسد الطفل الهشّ شاهداً على المأساة، لكنّه أيضاً أصبح عرضة لانتهاك جديد يتمثّل في فقدان خصوصيته وحقّه في الحماية.
وتصاعدت موجة من الغضب والاستنكار، ترافق بعضها مع أحكام قاسية بحقّ والدته بعد توقيفها من قِبل السلطات. بدا وكأن المجتمع وجد بسرعة الشخص الذي يمكن أن يحمل وحده ثقل الغضب الجماعي، قبل أن يتوقّف ليسأل السؤال الأكثر تعقيداً: كيف وصل طفل إلى هذه المرحلة دون أن يراه أحد؟ وكيف فشلت كل حلقات الحماية التي يفترض أن تكون موجودة قبل لحظة الانهيار؟ إن حماية الأطفال والطفلات لا تبدأ لحظة وقوع الكارثة، بل تبدأ قبل ذلك بكثير. تبدأ عندما تكون هناك أنظمة قادرة على رصد المخاطر، وعندما تكون الأسر محاطة بشبكات دعم، وعندما لا تُترك الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والعائلية لتتراكم خلف الأبواب المغلقة، حتى يصبح جسد الطفل أو الطفلة هو الدليل الأخير على فشلنا.
لكنّ ما كشفته هذه الحادثة لا يتعلّق فقط بظروف الطفل، بل أيضاً بالطريقة التي تعاملنا بها مع معاناته. ففي الوقت الذي كان فيه الطفل بحاجة إلى الحماية والخصوصية والرعاية، أصبح وجهه وجسده المتألم جزءاً من فضاء عامّ لا يرحم. انتشرت صوره من دون التفكير بما يعنيه ذلك لطفل لا يستطيع التعبير عن رأيه، ولا الدفاع عن حقّه في الخصوصية، ولا اختيار الطريقة التي تُروى بها قصّته.
هنا يكمن أحد التناقضات المؤلمة في علاقتنا بقضايا الأطفال والطفلات: نعلن الدفاع عنهم، لكنّنا أحياناً نساهم في انتهاك حقوقهم باسم التعاطف. نشارك صورهم لنقول إننا غاضبون، لكنّنا ننسى أن الطفل ليس رمزاً للمأساة ولا دليلاً على قسوة الآخرين. الطفل إنسان له كرامة وحقّ في أن تُروى قصّته بطريقة تحميه، لا بطريقة تثبّت صورته كضحيّة إلى الأبد.
كما أن التركيز السريع على محاسبة الأمّ وحدها يطرح إشكالية أخرى. لا يعني ذلك تبرير أي شكل من أشكال الإهمال أو الأذى الذي قد يتعرّض له الطفل، ولا التقليل من خطورة ما حدث. لكنّ العدالة للأطفال والطفلات لا تتحقّق بتحويل القضيّة إلى محاكمة فرد واحد فقط، بل بفهم شبكة العوامل التي سمحت بحدوث ذلك. فمن المسؤول عن غياب التدخّل المبكر؟ أين كانت خدمات حماية الطفل؟ أين كانت الجهات الصحّية والاجتماعية؟ وكيف يمكن أن يصل طفل إلى حالة حرجة دون أن يكون هناك نظام إنذار يستجيب قبل فوات الأوان؟ أين هو برنامج أمان من مساعدة الأكثر فقراً. أليست هذه الأمّ أحقّ بالمساعدة أم أن مسارات التسجيل عاصية عنها.
إن تحويل الأمّ وحدها إلى عنوان القضيّة يعكس أيضاً مشكلة أعمق في طريقة تعاملنا مع المسؤولية والرعاية. ففي كثير من الأحيان، تُحمّل النساء مسؤولية كاملة عن حماية الأطفال والطفلات، بينما تُعفى الدولة والمؤسّسات والمجتمع من مسؤولياتهم الجماعية. تُحاسب أمّ بسرعة، لكنّنا نادراً ما نسأل عن الأنظمة التي غابت، وعن السياسات التي فشلت، وعن الجهات التي لم تؤدِّ دورها في حماية طفل كان يحتاج إلى أن يُرى قبل أن يصبح ألمه خبراً.
وهنا تظهر المفارقة الأكبر في مفهوم العدالة والمحاسبة في لبنان. عائلات كثيرة فقدت مدخّراتها، وأصبح الوصول إلى أبسط الحقوق الأساسية أكثر صعوبة، وارتفعت معدّلات الفقر والهشاشة والنزوح التي تؤثّر بشكل مباشر على حياة الأطفال والطفلات. ومع ذلك، ما زال العديد من المسؤولين والمسؤولات عن الانهيار المالي، وعن حرمان المودعين والمودعات من أموالهم، وعن القرارات التي أوصلت البلاد إلى هذا الواقع، بعيدين عن مساءلة حقيقية توازي حجم الضرر الذي تسبّبوا به.
في المقابل، نرى سرعة كبيرة في توجيه أصابع الاتّهام إلى أفراد غالباً ما يكونون في مواقع هشّة، أو يعيشون ضمن ظروف معقّدة، بينما تبقى مسؤوليات أصحاب السلطة والنفوذ غائبة عن النقاش العامّ. هذه ليست دعوة إلى إعفاء أيّ شخص يثبت تورّطه في إيذاء طفل أو طفلة من المسؤولية، بل هي دعوة إلى طرح سؤال جوهري حول طبيعة العدالة التي نمارسها: لماذا تكون المحاسبة أكثر سهولة عندما يتعلّق الأمر بمن يملكون أقلّ قدر من القوّة والموارد، وأكثر صعوبة عندما نصل إلى من يملكون السلطة والقدرة على التأثير؟
لا يمكن فصل حماية الأطفال والطفلات عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشون فيه. فهم لا ينمون في فراغ، بل داخل أسر ومجتمعات وأنظمة سياسية واقتصادية تؤثّر في فرصهم وأمانهم. إن فهم الفقر، أو العزلة، أو الضغط النفسي، أو غياب الدعم لا يعني تبرير الإهمال أو إنكار معاناة الطفل، بل يعني أن علينا أن نمنع تكرار المأساة.
هذه الحادثة تذكّرنا بأن حماية الطفل لا تعني فقط إنقاذه في لحظة الخطر، بل احترامه في كل مراحل التعامل مع قضيّته. الطفل ليس ملكاً للرأي العامّ، وصورته ليست أداة لإثبات القسوة أو استدعاء التعاطف. له الحقّ في الخصوصية والكرامة، حتى عندما يكون ضحيّة وحتى عندما يعتقد الآخرون أنهم ينشرون قصّته بهدف الدفاع عنه. الطفل ليس لقطة مارقة في صورة ما.
ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن تتركه لنا هذه الحادثة ليس من نلوم بل: كيف فشلنا جميعاً في رؤية هذا الطفل قبل أن يصل إلى هذه الحالة؟ وكم من الأطفال والطفلات يعيشون في ظروف مماثلة لكنّهم ببساطة غير مرئيين لنا. يبدو أن على الأطفال والطفلات أن يصلوا إلى حافّة الموت لكي ترصدهم الكاميرا أوّلاً، بينما عين الدولة نائمة.











