قبل أسابيع قليلة، وبالتزامن مع الذكرى الأولى لهجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الذي شنته حركة حماس، نشر الكاتب المصري فهمي هويدي مقالاً في “الجزيرة نت” حمل عنوان: “أن تكون مقاوماً أو أن تكون صهيونياً”. وسرعان ما ذاع عنوان المقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي كعبارة نهائية يشهرها أنصار محور المقاومة في وجه المختلفين معهم، وكأنها تحمل الإجابة الموجزة البليغة عن كل تباينات المواقف والرؤى بشأن التطورات التي تشهدها منطقتنا منذ ما يزيد عن عام.
المفارقة أن هذه العبارة الكليشيه التي باتت تُتناقل عن فهمي هويدي، كان الأخير نقلها في مقاله نفسه عن أحد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، إذ أوردها هويدي ضمن رصده الانتقائي لبعض ردود الفعل على مقتل الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في غارة إسرائيلية، فعلى حد تعبير قائلها، حينها “انصهرت المذاهب ولم يبقَ لنا سوى مذهبين، فإما أن تكون مقاوماً أو تكون صهيونياً وكفى”.
والحال أن عبارات مشابهة سرعان ما استعيدت بعيد هجوم 7 أكتوبر وما أثاره من ردود فعل، ثم استعيدت ثانية مع التصعيد الإسرائيلي ضد حزب الله ولبنان بدءاً من أيلول/ سبتمبر الفائت، وبدا في بعض الأحيان وكأن النقاشات في عالمنا العربي عادت عقوداً الى الوراء، وعادت اتهامات الخيانة تلقى كيفما اتفق.
توزيع “تهم الخيانة”!
بعد شهر تقريباً على هجوم حركة حماس، كتب الإعلامي المصري أسعد طه عبر حسابه على موقع إكس (تويتر)، أن “الناس الآن فريقان، فريق يتشكك في جدوى ما يحصل، وينشر كل ما يحبط ويثير البلبلة، وفريق مؤمن بالنصر وهم هناك يقاتلون وحدهم، وعلى المرء أن يختار فريقه”. وإن كان طه لم يوضح كيف انضم هو إلى أعضاء الفريق الموجودين “هناك يقاتلون وحدهم”، فإنه اكتفى باتهام آخرين بإثارة الإحباط والبلبلة لا أكثر.
لكنه عاد في تغريدة أخرى بعد ما يقارب من عام للقول إن “أي حديث في وسط المعركة عن الهزيمة هو محض خيانة وطعن للمقاومة في ظهرها”، فتحول مثيرو الإحباط إلى خونة بين سنة وضحاها. بيد أن تغريدة طه لم تنجح بالاقتراب من تغريدة قديمة للعربي الغاضب أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا أسعد أبو خليل، قال فيها إن “الساكت عن فلسطين صهيوني ناطق”، فهنا بات حتى الساكتون والصامتون، لا المثرثرون مثيرو الإحباط فحسب، في صف أشرس الأعداء. وفي تغريدة أبو خليل التي احتفي بها واستعيدت بدورها فوراً إثر التطورات في غزة، لا يبدو واضحاً ما هو المنطق السياسي الحصيف الذي يحوّل صامتاً عن خوف أو تردد أو تحفظ أو جهل أو عدم اكتراث أو حيرة أو انشغال بمصائب ذاتية إلى خصم، بل ويتم دفعه إلى حضن ألد الأعداء.
والحال أن للمنطق هذا مساوئ كثيرة، ليس أقلها تسميم الفضاء العام، وتحويل النقاش إلى وسيلة للابتزاز، وإعاقة تبادل الأفكار والآراء، وعرقلة البحث المشترك عن حلول ومخارج للأزمات. وما يفوق تلك العقابيل السيئة سوءاً استباحة بعض الأفراد معنوياً عبر تخوينهم ووصمهم، وفي حالات وسياقات أخرى تعريضهم لخطر الاعتداءات الجسدية وتهديد حياتهم.
من جهة ثانية، يسعى هذا التقسيم الثنائي المبسط إلى حجب حقيقة بديهية يتصف بها أي مجتمع، أي انقسامه إلى أطياف واسعة من الرؤى والمواقف التي تعكس تعددية المجتمعات وفق خطوط سياسية وثقافية ودينية واقتصادية واجتماعية ومناطقية وغيرها.
لعنة الثنائيات
ثمة في لبنان اليوم على سبيل المثال مواطنون معارضون لحزب الله، أو متحفظون على خياراته، ينتمي بعضهم الى بلدات الجنوب اللبناني، حياتهم مهددة نتيجة الهجمات الإسرائيلية، منهم من خسروا أقارب وأحباء، ودُمِّرت منازلهم وذكرياتهم، ونزحوا ضمن موجة النزوح الهائلة أخيراً، فهل يجوز القول بصهيونية هؤلاء؟
دع عنك أساساً المعارضة الواسعة لحزب الله من خارج بيئته الأهلية، والمشحونة بذكريات هجوم السابع من أيار/ مايو، وتدخله في سوريا وسيطرته على سياسة البلد، وفرضه حلفاءه في أهم المناصب الحكومية. اتهام المختلفين مع هذا الحزب بالخيانة ومناصرة الأعداء وصفة لحرب أهلية كامنة أو متفجرة وإشارة مؤسفة إلى تجاهل كل دروس الحرب الأهلية التي استمرت على دفعات لأكثر من عقد ونصف العقد.
ينطبق الكلام السابق على أهل غزة خصوصاً والفلسطينيين عموماً، إذ لا يخفى الاستقطاب في الرأي العام بشأن صوابية هجوم 7 أكتوبر والموقف من حركة حماس، وهو ما بيّنه على أفضل وجه استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أيلول/ سبتمبر الماضي، والذي قال فيه 57 في المئة من المستطلعين في القطاع إن قرار هجوم “طوفان الأقصى” كان غير صحيح، بينما اعتبر 39 في المئة منهم أن القرار كان صائباً. مرة ثانية: هل الغزيون المعارضون للمقاومة، والذين يدفعون من دمهم ثمن أشرس هجوم إسرائيلي منذ أكثر من 13 شهراً، صهاينة؟
إلى ذلك، تعيق التقسيمات الثنائية المبسطة هذه فهماً أفضل للعالم وتغيراته، وقدرتنا على التأثير فيه، فلا تُرى التباينات بين مواقف الدول الخليجية ومصالحها وحساباتها، بينما يُرد الغرب إلى كتلة مصمتة وجوهرانية ثابتة عدوة لنا دائماً وأبداً.
ويرفض هذا التقسيم رؤية الاختلاف شبه الجذري في الموقف من المسألة الفلسطينية بين بلجيكا وإسبانيا مثلاً ودول شريكة لهما في الاتحاد الأوروبي كألمانيا وهولندا، بل يُتناسى الفارق بين إسبانيا رئيس الوزراء خوسيه ماريا أزنار التي دعمت السياسة الأميركية بعيد غزو العراق وإسبانيا رئيس الحكومة الحالية بيدرو سانشيز.
كذلك لا نسأل أنفسنا عن التغيير البطيء ولكن بعيد الأثر للولايات المتحدة، وعن فرصنا في التأثير بهذا التغيير، وإمكانياته ومداه وتدرجه، هذا رغم الحديث المتواصل عن الأهمية القصوى لأصوات الأقلية الأمريكية من أصول عربية ومسلمة في ميتشغان لحسم تصويت الولاية لمصلحة ترامب (أليس حرياً بنا مثلاً تذكر أن الولايات المتحدة في سياق الحرب الباردة وحساباتها، وقفت ضد الهجوم الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر عام ١٩٥٦، بل وأسهمت في وقف الهجوم).
الاختلاف بالرأي… ليس خيانة!
الزعيم الأسبق لتنظيم “القاعدة” أسامة بن لادن قال في خطاب مسجل شهير عقب هجمات 11 أيلول/ سبتمبر عام 2001، إن “الأحداث قد قسمت العالم بأسره إلى فسطاطين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط كفر”.
وفي مقابل ذلك، رأى الرئيس الأميركي حينها جورج دبليو بوش أن من لا يدعم واشنطن فهو ضدها. وبينما أتاحت حيوية المجتمع الأميركي والنظام الديمقراطي أن تنتهي مرحلة بوش والمحافظين الجدد، ليصل إلى سدة الرئاسة بعدها باراك أوباما، أول رئيس أميركي أسود البشرة، والذي حاول فتح صفحة جديدة مع العالمين الإسلامي والعربي منطلقاً من خطابه الشهير في جامعة القاهرة عام 2009، فإن غياب الديمقراطية وتعددية الآراء والنقاش المفتوح عن عالمنا يجعلنا نراوح في أماكننا إن لم نكن نتقهقر خلفاً.
كانت من الأفكار المستعادة بكثرة بعد هجوم 7 أكتوبر، العبارة المنسوبة الى رسام الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي التي تقول إن “الخيانة ليست وجهة نظر”.
على العكس، يبدو أن ما نحتاج قوله اليوم بوضوح هو أن “وجهات النظر ليست خيانة”.










