ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن غزة وعن “حرب العيون”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بإمكان المرء في لحظة تقييم تقني للمعركة أن يقول إن حماس في حرب غزة سجلت براءة اختراع جديد في القتال. وهنا تحضر الحرب بوصفها آلة تشتغل من دون حسابات الأثمان البشرية، وبمعزل عن أهدافها السياسية. حرب دينية عارية من الحسابات الدنيوية. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في المنطقة الصفراء من قطاع غزة، أي المساحة التي تحتلّها إسرائيل والتي لن تنسحب منها، على الأقل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، مئات من مقاتلي حماس ما زالوا مع سلاحهم في الأنفاق. جنود إسرائيليون فوق الأرض ومقاتلون من حماس تحت الأرض! الأمر أقرب إلى أن يكون سينمائياً، الجنود في آلياتهم يعرفون أنهم يتحركون فوق أرض تعجّ بمقاتلين أعداء، فيما الأخيرون يسمعون آليات أعدائهم تعبر من فوق رؤوسهم. والجديد في هذا المشهد، لا سيما بعد وقف إطلاق النار، أن كلَي الجيشين لا يتربصان لبعضهما بعضاً، أو على الأقل هذا ما فرضه عليهما اتفاق وقف إطلاق النار! 

ماذا يحصل بين المتقاتلين في هذه الحالة؟ أي دينامية يتبادلونها؟ هل يجرون أي تواصل صوتي على نحو ما كان يحدث في محاور القتال في لبنان في أوقات الهدنة؟ الأصوات من تحت الأرض وإلى تحت الأرض الأرجح أنها لا تصل.  

الحرب في غزة من أغرب الحروب. خطوط القتال متداخلة على نحو يصعب معه تحديد نقاط التقدم والتراجع. يسمي أهل غزة مداخل الأنفاق “عيون”. إذاً للأنفاق عيون يخرج منها المقاتلون ليرموا قذائفهم الصغيرة، ويعودون إليها في ثوان قليلة، أما الجنود النظاميون، الإسرائيليون طبعاً، فلا يملكون الرشاقة الذبابية لمقاتلي القسام، إلا أنهم مجهزون بما لم نعهده من رشاشات وقواذف، وكأن الحرب هي تلك التي يفعلونه، فيما الحقيقة أنها ذلك الدمار الهائل الذي أحدثته الطائرات.

الآن، وبعد وقف إطلاق النار، عرفنا حقيقة ما كانت البيانات تشير إليه من تقدم وتراجع واستعصاء. فأن يقول الجيش الإسرائيلي أنه تقدم نحو خان يونس، فهذا لا يعني أنه احتلّها. مقاتلو حماس لم ينسحبوا. إنهم عالقون في أنفاق عميقة جداً تحت الأرض. لا بل إنهم يقيمون هناك في تشكيلات قتالية لا تشبه ما عهده الجنود على الجبهات، كما لا تشبه تشكيلات حرب العصابات. للنفق الواحد “عيون” كثيرة، تشبه إلى حد ما هندسة المداخل المتعددة لمحطة الميترو، ربما علينا الاستعاضة عن عبارة حرب العصابات بـ”حرب العيون”. ولكن، أي مهارات قتالية تتطلّبها “حرب العيون” هذه؟ وما هو حجم الذخائر التي استمر مقاتلو القسام باستعمالها لأكثر من سنتين؟

بغض النظر عن رأي المرء بخيارات حماس، وبمسؤوليتها عن الكارثة التي حلّت بالقطاع، وبقتالها الذي لم يأخذ في حسابه سلامة المدنيين، لا بل في استثمارها الجريمة الإسرائيلية، فإن القتال في غزة تحول إلى درس مختلف في فنون القتال. مع الأخذ بالاعتبار أن حماس، وطوال فترة حكمها القطاع، لم تستثمر إلا ببنيتها العسكرية. شبكة الأنفاق التي بنتها احتاجت موازنات هائلة، ومعظمها اقتُطع مما كان يفترض أن يُستثمر في الصحة والتعليم وصولاً الى بناء الملاجئ، فكانت الأنفاق لحماية المقاتلين، وتُرك الناس في العراء يواجهون الطائرات والمدافع من دون ملجأ يأويهم.

بإمكان المرء في لحظة تقييم تقني للمعركة أن يقول إن حماس في حرب غزة سجلت براءة اختراع جديد في القتال. وهنا تحضر الحرب بوصفها آلة تشتغل من دون حسابات الأثمان البشرية، وبمعزل عن أهدافها السياسية. حرب دينية عارية من الحسابات الدنيوية. 

وحماس التي ابتدعت قتالاً مختلفاً لا حساب فيه للمدنيين، سجلت لنفسها سبقاً في الحروب، ذاك أن الجماعة وإن تترسّت بمليوني مدني، واصلت القتال من تحت الأرض طوال سنتين مع واحد من أقوى جيوش العالم وأكثرها دموية. 

علينا أن نتردد قبل أن نسجل لحماس سبقها، فهي سجلت بموازاته سبقاً قاتماً لم يسبق لجماعة قتالية أن بلغته، ويتمثل في ضعف هائل في حساسيتها حيال المدنيين. والأرجح أن البعد الديني والأيديولوجي للجماعة هو ما يقف وراء هذا الضعف (هل تذكرون فقه التترس الذي اعتمده تنظيم القاعدة).  المقاتلون تحت الأرض والمدنيون فوقها. المساحة ضيقة جداً واحتمالات النجاة ضيقة أيضاً في ظل جيش لا يقيم وزناً للمدنيين. 

في الـ”yellow zone” تُجري حماس مفاوضات لإخراج مقاتليها من الأنفاق. إسرائيل تشترط لتسهيل الخطوة، أن تسلّم الحركة ما تبقى من جثث الجنود المدفونين في مسالك الأنفاق. لا مفاوضات حول مصير ناس “فوق الأرض”. وبالأمس قال نتانياهو أن على مقاتلي حماس في الأنفاق أن يسلموا أنفسهم، وإلا لن يخرجوا منها! لا يملك المرء حيال هذا الكلام إلا التأمل والذهول. أي حرب هذه؟ وأي قادة يخوضونها؟ 

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.
06.11.2025
زمن القراءة: 3 minutes

بإمكان المرء في لحظة تقييم تقني للمعركة أن يقول إن حماس في حرب غزة سجلت براءة اختراع جديد في القتال. وهنا تحضر الحرب بوصفها آلة تشتغل من دون حسابات الأثمان البشرية، وبمعزل عن أهدافها السياسية. حرب دينية عارية من الحسابات الدنيوية. 

في المنطقة الصفراء من قطاع غزة، أي المساحة التي تحتلّها إسرائيل والتي لن تنسحب منها، على الأقل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، مئات من مقاتلي حماس ما زالوا مع سلاحهم في الأنفاق. جنود إسرائيليون فوق الأرض ومقاتلون من حماس تحت الأرض! الأمر أقرب إلى أن يكون سينمائياً، الجنود في آلياتهم يعرفون أنهم يتحركون فوق أرض تعجّ بمقاتلين أعداء، فيما الأخيرون يسمعون آليات أعدائهم تعبر من فوق رؤوسهم. والجديد في هذا المشهد، لا سيما بعد وقف إطلاق النار، أن كلَي الجيشين لا يتربصان لبعضهما بعضاً، أو على الأقل هذا ما فرضه عليهما اتفاق وقف إطلاق النار! 

ماذا يحصل بين المتقاتلين في هذه الحالة؟ أي دينامية يتبادلونها؟ هل يجرون أي تواصل صوتي على نحو ما كان يحدث في محاور القتال في لبنان في أوقات الهدنة؟ الأصوات من تحت الأرض وإلى تحت الأرض الأرجح أنها لا تصل.  

الحرب في غزة من أغرب الحروب. خطوط القتال متداخلة على نحو يصعب معه تحديد نقاط التقدم والتراجع. يسمي أهل غزة مداخل الأنفاق “عيون”. إذاً للأنفاق عيون يخرج منها المقاتلون ليرموا قذائفهم الصغيرة، ويعودون إليها في ثوان قليلة، أما الجنود النظاميون، الإسرائيليون طبعاً، فلا يملكون الرشاقة الذبابية لمقاتلي القسام، إلا أنهم مجهزون بما لم نعهده من رشاشات وقواذف، وكأن الحرب هي تلك التي يفعلونه، فيما الحقيقة أنها ذلك الدمار الهائل الذي أحدثته الطائرات.

الآن، وبعد وقف إطلاق النار، عرفنا حقيقة ما كانت البيانات تشير إليه من تقدم وتراجع واستعصاء. فأن يقول الجيش الإسرائيلي أنه تقدم نحو خان يونس، فهذا لا يعني أنه احتلّها. مقاتلو حماس لم ينسحبوا. إنهم عالقون في أنفاق عميقة جداً تحت الأرض. لا بل إنهم يقيمون هناك في تشكيلات قتالية لا تشبه ما عهده الجنود على الجبهات، كما لا تشبه تشكيلات حرب العصابات. للنفق الواحد “عيون” كثيرة، تشبه إلى حد ما هندسة المداخل المتعددة لمحطة الميترو، ربما علينا الاستعاضة عن عبارة حرب العصابات بـ”حرب العيون”. ولكن، أي مهارات قتالية تتطلّبها “حرب العيون” هذه؟ وما هو حجم الذخائر التي استمر مقاتلو القسام باستعمالها لأكثر من سنتين؟

بغض النظر عن رأي المرء بخيارات حماس، وبمسؤوليتها عن الكارثة التي حلّت بالقطاع، وبقتالها الذي لم يأخذ في حسابه سلامة المدنيين، لا بل في استثمارها الجريمة الإسرائيلية، فإن القتال في غزة تحول إلى درس مختلف في فنون القتال. مع الأخذ بالاعتبار أن حماس، وطوال فترة حكمها القطاع، لم تستثمر إلا ببنيتها العسكرية. شبكة الأنفاق التي بنتها احتاجت موازنات هائلة، ومعظمها اقتُطع مما كان يفترض أن يُستثمر في الصحة والتعليم وصولاً الى بناء الملاجئ، فكانت الأنفاق لحماية المقاتلين، وتُرك الناس في العراء يواجهون الطائرات والمدافع من دون ملجأ يأويهم.

بإمكان المرء في لحظة تقييم تقني للمعركة أن يقول إن حماس في حرب غزة سجلت براءة اختراع جديد في القتال. وهنا تحضر الحرب بوصفها آلة تشتغل من دون حسابات الأثمان البشرية، وبمعزل عن أهدافها السياسية. حرب دينية عارية من الحسابات الدنيوية. 

وحماس التي ابتدعت قتالاً مختلفاً لا حساب فيه للمدنيين، سجلت لنفسها سبقاً في الحروب، ذاك أن الجماعة وإن تترسّت بمليوني مدني، واصلت القتال من تحت الأرض طوال سنتين مع واحد من أقوى جيوش العالم وأكثرها دموية. 

علينا أن نتردد قبل أن نسجل لحماس سبقها، فهي سجلت بموازاته سبقاً قاتماً لم يسبق لجماعة قتالية أن بلغته، ويتمثل في ضعف هائل في حساسيتها حيال المدنيين. والأرجح أن البعد الديني والأيديولوجي للجماعة هو ما يقف وراء هذا الضعف (هل تذكرون فقه التترس الذي اعتمده تنظيم القاعدة).  المقاتلون تحت الأرض والمدنيون فوقها. المساحة ضيقة جداً واحتمالات النجاة ضيقة أيضاً في ظل جيش لا يقيم وزناً للمدنيين. 

في الـ”yellow zone” تُجري حماس مفاوضات لإخراج مقاتليها من الأنفاق. إسرائيل تشترط لتسهيل الخطوة، أن تسلّم الحركة ما تبقى من جثث الجنود المدفونين في مسالك الأنفاق. لا مفاوضات حول مصير ناس “فوق الأرض”. وبالأمس قال نتانياهو أن على مقاتلي حماس في الأنفاق أن يسلموا أنفسهم، وإلا لن يخرجوا منها! لا يملك المرء حيال هذا الكلام إلا التأمل والذهول. أي حرب هذه؟ وأي قادة يخوضونها؟ 

06.11.2025
زمن القراءة: 3 minutes
|
آخر القصص
بين كارثتين: لبنان الذي نستحقّه ولبنان الذي نملكه
عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية | 10.04.2026
قصّة نوّاف مع “البيئة”: “أريد حياته ويريد قتلي”
طارق اسماعيل - كاتب لبناني | 10.04.2026
ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته
حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026
الأربعاء الأسود… إسرائيل تقصف لبنان بلا أي قيود
ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 09.04.2026

اشترك بنشرتنا البريدية