في زمن ليس ببعيد عن حرب طاحنة هوجاء، قادتها غريزة موت عمياء مدمّرة، وفي زمن يتوجس فيه اللبنانيون ويرقبون بقلق عودتها، ويشعرون بالعجز عن الخروج من مأزق وجودي يخيّرهم بين خيارات أحلاها مرّ؛ تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي أغنية فضل شاكر الأخيرة “صحاك الشوق”، حاصدةً خلال أيام قليلة مشاهدات ومشاركات خيالية.
لكن اللافت ليس فقط أرقامها، بل قدرتها على جمع اللبنانيين، على اختلاف مشاربهم، وتضارب آرائهم، وانقسامهم السياسي الحاد، والذي كان فضل شاكر نفسه أحد عناوينه الإشكالية. فما الذي في أغنياته الجديدة؟ ولماذا هذا الاستقبال الحار؟ ولماذا بدت، على رغم بساطتها، كأنها نبض جماعي يوقظ تحت الرماد جمراً حياً من مشاعر منسية؟
في متاهة التعقيدات التي يواجهها اللبنانيون يومياً، حيث تسود الأسئلة التي لا تجد إجابات، تقدم الأغنية بساطة مطلقة: مشاعر رومانسية، كلمات مباشرة، لحن سهل، وصوت دافئ حنون وعذب يشبه ماضياً كاد يُمحى. ومع ذلك، لم تكن العودة إلى صوت فضل شاكر مجرد حنين إلى فنان ابتعد عن الساحة؛ ما حدث أعمق من ذلك. إذ بدا وكأن الناس تواطأوا، ولو لحظياً، على نسيان صورة منشطرة اختلفوا حولها طويلاً: بين من رأى فيه إرهابياً قاتلاً أو محرضاً، ومن رآه صوتاً للمظلومين دفع ثمن مناصرته لهم.
لكن هذه الصورة المنشطرة ليست سوى مرآة لانشطار أوسع، صار يطبع نظرتنا إلى كل شيء تقريباً: الأبيض أو الأسود، معنا أو ضدنا، ضحية أو جلاد، ملاك أو شيطان.
المفارقة أن صوت فضل شاكر، الخارج من عزلة موحشة ومن منفى يشبه النسيان، استطاع أن يلامس في الناس شيئاً أعمق من ذاكرتهم السياسية أو موقفهم الأخلاقي. لامس ذلك الجزء القديم الذي لا يجادل بل يشتاق، لا يحلّل بل يحنّ. لحظة الإصغاء كانت لحظة راحة من الضجيج، كأن النفس التقطت أخيراً أنفاسها بعيداً عن قسوة التصنيف وضرورة الحكم. لحظة بدت فيها القدرة على الشعور أهم من الحاجة إلى الموقف.
حين يقول: “صحاك الشوق”، لا يسمعه اللبنانيون، والناس عموماً في هذا الجزء المنكوب من العالم، فقط كنداء حبيب إلى محبوبه؛ بل يسمعونه كنداء إلى الذات المشتاقة إلى الانشغال بأشياء أخرى غير همّ النجاة. هو إذاً شوق إلى الأرق حباً، لا قلقاً وخوفاً من أصوات الطائرات والغارات والقذائف. هو شوق إلى السهر: “على شي سهرة فيها غمرة”، لا على شاشات الأخبار ولا على وقع العدّ العكسي للدمار.
كأنما أيقظت الأغنية فيهم حنينهم إلى الغَمر، إلى الاستسلام لحضن محب وقلبه، حنينهم إلى الأمان المفقود الذي يعيد لهم الشعور بأن للحياة معنى أبعد من اليوميات. وليس الأمر مجازاً؛ فالغمرة ليست حركة عاطفية سطحية، بل حاجة بيولوجية – نفسية حقيقية. الغمرة لا تمنحنا فقط شعوراً بالأمان، بل تذكرنا رمزياً بأول أشكال الطمأنينة التي عرفناها: رحم الأم الدافئ، حيث نحاط بكل ما نحتاجه للبقاء والسكينة.
إقرأوا أيضاً:
والحب؟
الحب، في هذه الأغنية، ليس قصة غرام فردية فحسب، بل محاولة جماعية للنجاة؛ الحب بوصفه مقاومة للموت.
تكرار الأغنية بهذا الشكل اللافت هو نوع من التمرين العلاجي الذاتي؛ حيث يعيد المستمع تشغيلها مرة بعد مرة ليعوّض عجزه عن إيجاد الراحة في واقع نعيش فيه منذ سنوات على أنقاض الأمان. الأغنية، من دون أن تقصد، لمست هشاشتنا. فهذا الصوت، الخارج من مكان مقطوع عن الحياة العامة، بدا كأنه ينوب عنّا جميعاً في التعبير: ليس فقط عن الحنين، بل عن التعب، عن الحاجة إلى استراحة داخلية، عن لحظة يُسمح فيها للحنان أن يعلو على الخوف.
ما حدث لم يكن التفافاً حول الأغنية بقدر ما كان عودة جماعية إلى الذات. وليس مستبعداً أن يكون في هذا الالتفاف شيء من النكوص، عودة إلى لحظة سابقة، أكثر بساطة وأقل تشويشاً، قبل أن تتشظى الأمور إلى صراعات لا تنتهي. لكن هذا النكوص، على رغم دلالاته، لم يكن هروباً ساذجاً؛ بل أشبه بملاذ مؤقت، محاولة تنفّس. فالناس لم يعودوا فقط إلى فضل شاكر، بل إلى أنفسهم، إلى صورة سابقة عنهم، كانوا فيها أقدر على الحب، على التفاعل، على السماح لأنفسهم بالشعور بالضعف الإنساني.
لهذا يظهر الحنين إلى الحب لا كترف عاطفي، بل كحاجة وجودية. لأن الحب، في لحظات الخوف القصوى، يصبح تجلياً لغريزة الحياة. يصبح احتجاجاً ضد غريزة الموت المنفلتة: تلك التي نراها عدواناً من أعداء خارجيين، أو اكتئاباً داخلياً قاسياً يعدم القدرة على الحب – حب الذات وحب الآخرين وحب الحياة – أو سلوكاً هروبياً تدميرياً يتراوح بين الإدمان والتظاهر بالقوة، أو تنكراً في زيّ احتفالات “اهتياجية” لا تنتهي.
وسط ذلك كله، جاءت الأغنية كقطرة حنان في صحراء داخلية. لا تنقذ، لكنها تذكّر. لا تفتح باباً، لكنها تضيء شعلة. وتقول، ببساطة غير معلنة: أنتم ما زلتم هنا. أنتم لم تتحولوا كلياً إلى حجارة.
ربما لا شيء يقاوم الموت كما يفعل الشوق. لا شيء يذكّرنا بالحياة كما يفعل الأرق حين يكون سببه الحب.
إقرأوا أيضاً:











