ليس غريباً أن يجد معارضو “حزب الله” أنفسهم اليوم، حزينين على أقارب أو زملاء دراسة قضوا في الحربين الأخيرتين بوصفهم عناصر في “حزب الله”. ففي مجتمعاتنا، يتداخل الجميع في ميادين عدّة، من المنزل الواحد إلى الحيّ، فالمدرسة والجامعة والعمل، ويطغى على هذا التداخل التشارك في قيم عامّة.
معارضة الحزب لا تعني بالضرورة معاداة كل فرد انتمى إليه أو قاتل في صفوفه، تماماً كما أن الحزن على هؤلاء لا يعني تبنّي الخيارات السياسية والعسكرية التي قادتهم إلى ساحات القتال.
المشكلة أن الخطاب السياسي السائد يحاول باستمرار اختزال الناس بهويّاتهم الحزبية، ففي اللحظة التي يقضي فيها المقاتل، يصبح بالنسبة إلى كثيرين مجرّد رقم في معركة أو عنواناً سياسياً أو جزءاً من سردية أيديولوجية.
لكن خلف هذه الهويّة يوجد إنسان كان يوماً زميل دراسة، أو جاراً، أو رفيق طفولة، أو شابّاً في مقتبل عمره يملك أحلاماً ومخاوف وطموحات تشبه طموحات أبناء جيله جميعاً. وفي لحظة الموت، يصبح من الظلم اختزال حياة كاملة في بطاقة انتماء سياسي واحدة، أو في استقطاب سياسي حول جدوى الحرب، وكأنه كان بنفسه صاحب القرار الأخير في خوضها.
يزداد هذا الشعور تعقيداً داخل البيئة الشيعية نفسها. فالحروب المتتالية لم تترك أثرها على المقاتلين وحدهم، بل على جيل كامل نشأ في ظلّ الصراع الدائم. آلاف الشبّان وجدوا أنفسهم داخل مسار سياسي وتاريخي لم يختاروا كل تفاصيله. بعضهم آمن به بالكامل، وبعضهم الآخر انخرط فيه بحكم البيئة الاجتماعية والثقافية، وآخرون رأوا فيه الطريق الوحيد المتاح أمامهم، لكنّ النتيجة كانت واحدة: جيل كامل دفع أثمان الصراعات المتلاحقة، سواء عبر الموت أو الإصابة أو التهجير أو الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وهذا الجيل يضمّني، بقدر ما يضمّ عنصراً مقاتلاً في “حزب الله”.
هنا يعيش المعارض معضلة أخلاقية حقيقية. فهو يعترض على السياسات التي أنتجت الحرب، ويرى أن خيارات معيّنة قادت إلى كوارث كان يمكن تجنّبها، لكنّه في الوقت نفسه يشعر بالحزن الصادق تجاه من سقطوا نتيجة تلك الخيارات. إنه تناقض مؤلم، لكنّه ليس زائفاً. فالإنسان قادر على أن يحزن على الضحيّة وأن ينتقد الظروف التي جعلتها ضحيّة في الوقت نفسه.
في المقابل، يحاول بعض الخطابات السياسية فرض معادلة قاسية ومضلّلة: إما أن تتعاطف مع القتلى فتتبنّى المشروع السياسي الذي قاتلوا من أجله، أو أن تعارض هذا المشروع فتتخلّى عن إنسانيتك تجاههم، بل قد تذهب المعادلة إلى تطرّف أكبر بتصوير معارضي المشروع كشركاء في قتل عناصر “حزب الله”، وهذه معادلة لا أخلاقية بقدر ما هي غير واقعية. فالرثاء ليس تصويتاً سياسياً، والحزن ليس بياناً حزبياً، والبكاء على شخص فقد حياته لا يعني الموافقة على كل قرار اتّخذه في حياته، في حال اعتبرناه المسؤول عن الخيارات.
القدرة على الجمع بين الحداد والنقد هي في الحقيقة تعبير عن نضج أخلاقي وسياسي. فالمجتمعات التي تفقد هذه القدرة تتحوّل سريعاً إلى مجتمعات تستثمر الموت بدل أن تتعلّم منه، وتحوّل الضحايا إلى أدوات في الصراع بدل أن تراهم كبشر دفعوا أثمانه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأصعب موجّهاً إلى الراحلين أنفسهم، ماذا كان يمكن أن يكون مصير هؤلاء لو وُلدوا في بلد أقلّ حروباً؟ كم مهندساً أو طبيباً أو معلّماً أو فنّاناً أو أباً كان يمكن أن يكون بينهم؟ كم مشروع حياة توقّف قبل أن يبدأ أصلاً؟ وكم حلماً دُفن مع أصحابه تحت الركام أو في المقابر؟ وكم من الوقت تستطيع عبارة كـ “الشهادة حياة” أن تسكّن الألم في قلوبنا؟
ربما لا يستطيع الأحياء أن يجيبوا عن هذه الأسئلة. لكن ما يستطيعون فعله هو أن يرفضوا التعامل مع الخسائر البشرية بوصفها قدراً دائماً، فأفضل وفاء للذين رحلوا ليس الاكتفاء بإحصاء أعدادهم بعد كل حرب، ولا بتكرار روايات البطولة أو روايات الإدانة، بل العمل على منع إنتاج المزيد من المآسي المشابهة.
ما نريده ليس إنكار قصص رفاقنا الذين رحلوا، ولا محو تضحياتهم من الذاكرة، بل الاستثمار في بقاء الأحياء منهم بيننا. نريد أن نبني وطناً لا يُطلب من أبنائه أن يموتوا نيابةً عن مشاريع أكبر منهم، ولا أن يقضوا أعمارهم يتساءلون إن كانوا قد قدّموا أنفسهم فعلاً للوطن، أم أنهم كانوا جزءاً من استراتيجيات أوسع تجاوزت حدود مصالحهم وحياتهم الفردية.
إقرأوا أيضاً:
سعينا بالأمس، وما زلنا نسعى اليوم، إلى بناء نموذج بديل للشيعية السياسية، نموذج يهدف إلى منع المزيد من رفاقنا من السقوط في حروب لا تخدم مصالحهم الوطنية، وإلى ترسيخ مستوى أعلى من الوعي والثقافة السياسية يتيح لهم بناء مستقبلهم في لبنان بدل أن يتحوّلوا، ونتحوّل معهم، إلى مشاريع هجرة دائمة.
فوصول هؤلاء الشبّان اللبنانيين إلى هذه المآلات ليس قدراً محتوماً ولا مجرّد مصادفة حياتية، بل هو نتيجة مباشرة للبيئة الاجتماعية والسياسية التي نشأوا فيها، وللخيارات التي قُدِّمت لهم باعتبارها المسارات المتاحة والمشروعة داخل مجتمعهم. وقد ارتبط ذلك إلى حدّ كبير بحالة الأحادية السياسية التي هيمنت على المجال العامّ في مناطق شيعية عدة، حيث احتكر “الثنائي الشيعي” معظم قنوات العمل السياسي والاجتماعي والتنظيمي، وأدّت هذه الأحادية إلى تعميق أثر تلك الخيارات وترسيخها، إذ إن الشيعي الذي يختار عدم الانتماء إلى “حزب الله” أو حركة “أمل” كثيراً ما يجد نفسه على هامش شبكات العلاقات والنشاطات السائدة في بيئته الاجتماعية. وعند هذه النقطة، لا يعود الانتماء السياسي بالنسبة إلى كثيرين مجرّد خيار أو تفضيل شخصي، بل يتحوّل إلى قرار يرتبط بإمكانية الحضور والاندماج والتأثير داخل المجتمع الذي يعيشون فيه.
من هنا، تقع على عاتق الأطر السياسية التي تطرح نفسها كبديل تنظيمي، مسؤولية استقطاب الطاقات والقدرات الفردية وتأطيرها ضمن مسارات سياسية واجتماعية منتجة، بما يؤمّن للأفراد شعوراً بالجدوى والانتماء والقدرة على تحقيق ذواتهم داخل مجتمعاتهم.
وبالتوازي، ينبغي على مؤسّسات الدولة، ولا سيّما التربوية والثقافية منها، أن تضطلع بدور أكثر فاعلية في توسيع مجالات التثقيف السياسي والاجتماعي، بما يعزّز التفكير النقدي والمواطنة الفاعلة، ويحدّ من قدرة القوى المهيمنة على دفع الأفراد نحو خيارات مكلفة ومدمّرة على المستويين الفردي والجماعي.
وينبغي علينا نحن، على الصعيدين الفردي والجماعي، أن نقف لبرهة أمام المشهد المأساوي، لا لنبني قراءة سياسية نقدية فحسب، بل لنستشرف ما يمكن القيام به لنوقف الكارثة، فللصدام والاشتباك السياسيان وقتهما وجدواهما، وللتأمّل بمدى قدرتنا على مواجهة هذه المواقف وقته، لعلّنا نخرج بنموذج يحتضن عناصر أيّ فصيل فئوي وطائفي في لبنان، في كنف وطني جامع ومقنع.
فأن نحزن على رفاقنا لا يعني أن نتخلّى عن قناعاتنا، وأن نتمسك بقناعاتنا لا يعني أن نتخلّى عن إنسانيتنا، وبين الرثاء والاعتراض، والوفاء والنقد، مساحة واسعة يمكن للمرء أن يقف فيها بصدق، حزيناً على من فقدهم، ومصرّاً في الوقت نفسه على البحث عن مستقبل أفضل، يُوقف عدّاد خساراته المستمرّة.
إقرأوا أيضاً:











