ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن قتل اسرائيل للصحافيين … والتخوين في الداخل

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما يجعل لحظة قتل صحافيين وصحافيات أكثر قسوة هو ما تلاها في الداخل اللبناني. لم يكن مقتل فاطمة فتوني حدثاً يُجمع على إدانته، بل تحوّل سريعاً إلى مناسبة لمحاكمتها بعد موتها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تكتفِ إسرائيل بقتل الصحافيين في جنوب لبنان، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك: تباهت بقتلهم.

ثماني تغريدات على الأقل نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، لتبرير قتل مراسل “المنار” علي شعيب ومراسلة “الميادين” فاطمة فتوني وزملائهما. أعلن أدرعي استهداف شعيب وقدّمه كإنجاز، وتعامل مع قتل فتوني ضمن السياق نفسه. وهنا ندخل مرحلة خطيرة من التشريع العلني للقتل.

هذا التحوّل بالغ الخطورة: تحويل إسرائيل المدنيين، ومن بينهم صحافيون ومسعفون، إلى “أهداف”، ثم التفاخر والاستعراض.

لا يمكن فهم هذا الانفلات من دون التوقف عند ساحة السرديات. فالسجال المفتوح بين أدرعي وصحافيين محسوبين على حزب الله، ومنهم حسين مرتضى، لم يعد مجرد تبادل إعلامي، بل تحوّل إلى عرض فاقع لابتذال الخطاب في زمن الحرب. من جهة، يُدار الخطاب الإسرائيلي بلغة ساخرة ومهينة، ومن جهة أخرى تُبنى روايات “نصر” لا تعكس ميزان القوى ولا حجم الخسائر.

في هذا السياق، جاءت شماتة أدرعي بمقتل شعيب كجزء من هذا الصراع على الرواية. لم يعد القتل مجرد أداة حرب، بل مادة دعائية تُستخدم لتسجيل نقاط في معركة خطابية مفتوحة. هنا تتقاطع الدعاية مع العنف: تُبرَّر الضربة، ثم يُحتفى بها، ثم تُستثمر إعلامياً.

إنه امتداد مباشر لما فعلته إسرائيل في غزة. في الحرب على غزة، لم تكتفِ إسرائيل باستهداف الصحافيين، حيث قُتل عدد غير مسبوق منهم في أي نزاع معاصر، بل طوّرت خطاباً موازياً يبرر ذلك عبر اتهامهم بالارتباط بحركة “حماس” أو بالمشاركة في “الدعاية”. وكأن هذا، حتى لو ثبت، يمنحها حق محاكمتهم وإعدامهم، وأحياناً مع عائلاتهم. ومع غياب المساءلة الدولية الفعلية، تحوّل هذا الخطاب إلى ممارسة معلنة بلا خشية من تبعات.

ما نشهده اليوم في لبنان يبدو تكراراً لهذا النموذج، لكن بثقة أكبر. فالتباهي بقتل صحافي، أو إدراجه ضمن بنك الأهداف واستخدام عبارة “تم القضاء عليه”، يعكس شعوراً متصاعداً بالإفلات من المحاسبة. بمعنى آخر، ما حدث في غزة لم يبقَ محصوراً هناك، بل أصبح سابقة قابلة للاستنساخ، وها نحن في لبنان نختبرها.

الأخطر أن هذا النمط لا يقتصر على استهداف الأفراد، بل يمتد إلى بنية الحرب نفسها. في غزة، قامت الاستراتيجية على التدمير واسع النطاق، واستهداف البنية التحتية المدنية، ودفع السكان إلى النزوح الجماعي تحت ضغط عسكري مستمر. وفي جنوب لبنان، تظهر مؤشرات مقلقة إلى اتجاه مشابه، إذ تنقل المشاهد التي يبثها الجيش الإسرائيلي نفسه قصفاً مكثفاً للقرى الحدودية، وتدميراً منهجياً للمنازل، وبعضها يتعرض للحرق أو النهب.

في الجنوب، تعيد إسرائيل تشكيل الجغرافيا السكانية عبر فرض منطقة منزوعة السكان تحت عنوان “الأمن”.

تبرير القتل في الداخل

ما يجعل لحظة قتل صحافيين وصحافيات أكثر قسوة هو ما تلاها في الداخل اللبناني. لم يكن مقتل فاطمة فتوني حدثاً يُجمع على إدانته، بل تحوّل سريعاً إلى مناسبة لمحاكمتها بعد موتها. في الساعات التي أعقبت اغتيالها، نُبشت تغريداتها، واستُحضرت مواقفها السياسية، خصوصاً تلك المرتبطة بالحرب السورية ودور حزب الله فيها. لم يكن جثمانها قد دُفن حتى بدأ الفرز العلني: هل تستحق التعاطف أم لا؟ وهكذا، لم تعد القضية انتهاكاً واضحاً لحق الحياة، بل اختباراً سياسياً للضحية.

هذا التوازي بين دولة احتلال تبرر القتل، ومجتمع لبناني منقسم يعيد تقييم الضحية، يكشف حجم الانزلاق. في الحالتين، يتم تقويض مبدأ أساسي: أن الحق في الحياة لا يُمنح على أساس الموقف السياسي. هذا منطق سبق أن مارسه حزب الله ومناصروه، واليوم يقع خصومه في الفخ نفسه.

داخلياً، لا يبدو أن ما حدث سيدفع نحو مراجعة، بل نحو مزيد من الانقسام. فبدلاً من لحظة تضامن إنساني في حدّه الأدنى، قوامه رفض القتل، يتكرّس مسار مختلف: إعادة إنتاج خطاب التخوين والاتهام، وهو خطاب اختبرنا في لبنان كيف يقود إلى القتل والاغتيال. وقد بدأت أصوات محسوبة على حزب الله باستخدام لغة تهديد في الداخل.

هذا المنحى لم يعد محصوراً بالخطاب السياسي، بل بدأ يتجسد في الشارع. في تظاهرة شهدها وسط بيروت عقب اغتيال الصحافيين، رُفعت شعارات تتهم رئيس الحكومة نواف سلام بـ”الصهيونية” والعمالة، مستندةً إلى سجال سابق بينه وبين الصحافية فتوني خلال زيارته الجنوب قبل أسابيع، ما كثّف الشحن ضده. إعادة استحضار هذا السجال وتقديمه كقرينة ضمنية في سياق مقتلها يعكسان محاولة خطيرة لنقل المسؤولية من الفاعل المباشر، أي إسرائيل، إلى “خصم” داخلي.

حزب الله يخوض حرباً في الداخل لا تقل شراسة. حين يعلن “النصر” بصرف النظر عن الوقائع الميدانية المعاكسة، يعرف تماماً أن وظيفة هذا “النصر” داخلية، وأنه في معادلة الصراع مع إسرائيل، ليس سوى هزيمة محقّقة. وإسرائيل نفسها تعرف ذلك، وهي لطالما أهدته انتصارات انشغل بها عن مقارعتها. في  العام 2006 لم يكن انتصاره عليها، إنما على  خصومه بالداخل، فيما نعمت هي بهدنة امتدت إلى نحو عقدين. 

لم يكن شعار “صهيوني” تفصيلاً عابراً، بل تعبيراً مكثفاً عن مستوى الاحتقان. والأكثر دلالة أن نائب حزب الله إبراهيم الموسوي حاول ثني المتظاهرين عن ترديده، معتبراً أنه “يضرّ بالمقاومة”، لكنه فشل، واعتذر لاحقاً عن محاولته.

ما تكشفه هذه اللحظة يتجاوز الشعار نفسه. فالحزب الذي أسّس، على مدى سنوات، خطاب التخوين والشيطنة، يجد نفسه اليوم أمام شارع يتبنّى هذا الخطاب ويدفعه إلى أقصاه، إلى درجة لم يعد معها قادراً على ضبطه. هنا تتكشف إحدى أخطر ديناميات هذه المرحلة: الخطاب التعبوي يتحوّل تدريجياً إلى قوة مستقلة عن مُنتِجه. ما يبدأ كأداة سياسية يتحوّل إلى مناخ عام يصعب التحكم به. وحين يصل هذا المناخ إلى حد تهديد الداخل اللبناني بأسره، أو شريحة واسعة منه، يكون النقاش السياسي قد انزاح بالكامل نحو منطق الإلغاء.

لكن ما يغيب في هذا الاشتباك الصاخب هو الكلفة الفعلية. فحروب السرديات لا تُحسم على الشاشات، بل على الأرض. في غزة، رأينا هذا المشهد: خطاب تعبوي متبادل، ادعاءات نصر، وتبريرات متقابلة، فيما كانت النتيجة دماراً واسعاً وخسارة بشرية هائلة وانهياراً اجتماعياً. وبعد ذلك كله، بقيت حماس، ولو أضعف، حاضرة بوصفها “مقاومة”، على أنقاض مجتمع مدمّر.

هذا النموذج يلوح في الأفق اللبناني، ما يجعل اللحظة أكثر خطورة. بين سردية إسرائيل التي تبرر القتل وتوسّع الاستهداف، وسردية حزب الله التي تبالغ في تصوير الإنجازات، يُدفع البلد نحو معادلة قاسية: دمار يتوسع، دولة تضعف، ومجتمع يُستنزف.

الأخطر أن هذا الواقع يجد من يهتف له، لا رغم كلفته، بل أحياناً بسببها. فكلما تصاعدت وحشية إسرائيل، ازدادت قدرة هذه السردية على إعادة إنتاج نفسها، ولو على حساب البلد.

ولكي يكتمل المشهد، يتصاعد خطاب لبناني مضاد، يتخذ أحياناً منحى يمينياً حاداً، لا يكتفي بانتقاد حزب الله، بل يصل إلى حد الاستقواء بإسرائيل والدعوة الصريحة لاستكمال حربها، متجاهلاً الكلفة الكارثية على البلد. حتى في مؤتمر “القوات اللبنانية”، طُرحت مطالب بمحاكمة حزب الله من دون أي إشارة الى ما ترتكبه إسرائيل. هذا الخطاب، على رغم موقعه المعارض، يلتقي مع المنطق نفسه الذي ينتقده: نزع الإنسانية عن الخصم، وتحويل الصراع إلى مواجهة وجودية.

في ضوء ذلك كله، يبدو لبنان محاصَراً بين مسارين متوازيين: مسار إسرائيلي يشرعن القتل عبر إعادة تعريف المدني كهدف محتمل، ومسار داخلي يشرعن الإقصاء عبر إعادة تعريف الخصم كخطر يجب إسكاتُه. وبين هذين المسارين، يتقلص هامش السياسة، ويتراجع المجال العام كمساحة للاختلاف، وكأن المجتمع دخل بالفعل مرحلة تفكك عميق، قد تستمر آثاره طويلاً بعد انتهاء الحرب.

ما يجعل لحظة قتل صحافيين وصحافيات أكثر قسوة هو ما تلاها في الداخل اللبناني. لم يكن مقتل فاطمة فتوني حدثاً يُجمع على إدانته، بل تحوّل سريعاً إلى مناسبة لمحاكمتها بعد موتها.

لم تكتفِ إسرائيل بقتل الصحافيين في جنوب لبنان، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك: تباهت بقتلهم.

ثماني تغريدات على الأقل نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، لتبرير قتل مراسل “المنار” علي شعيب ومراسلة “الميادين” فاطمة فتوني وزملائهما. أعلن أدرعي استهداف شعيب وقدّمه كإنجاز، وتعامل مع قتل فتوني ضمن السياق نفسه. وهنا ندخل مرحلة خطيرة من التشريع العلني للقتل.

هذا التحوّل بالغ الخطورة: تحويل إسرائيل المدنيين، ومن بينهم صحافيون ومسعفون، إلى “أهداف”، ثم التفاخر والاستعراض.

لا يمكن فهم هذا الانفلات من دون التوقف عند ساحة السرديات. فالسجال المفتوح بين أدرعي وصحافيين محسوبين على حزب الله، ومنهم حسين مرتضى، لم يعد مجرد تبادل إعلامي، بل تحوّل إلى عرض فاقع لابتذال الخطاب في زمن الحرب. من جهة، يُدار الخطاب الإسرائيلي بلغة ساخرة ومهينة، ومن جهة أخرى تُبنى روايات “نصر” لا تعكس ميزان القوى ولا حجم الخسائر.

في هذا السياق، جاءت شماتة أدرعي بمقتل شعيب كجزء من هذا الصراع على الرواية. لم يعد القتل مجرد أداة حرب، بل مادة دعائية تُستخدم لتسجيل نقاط في معركة خطابية مفتوحة. هنا تتقاطع الدعاية مع العنف: تُبرَّر الضربة، ثم يُحتفى بها، ثم تُستثمر إعلامياً.

إنه امتداد مباشر لما فعلته إسرائيل في غزة. في الحرب على غزة، لم تكتفِ إسرائيل باستهداف الصحافيين، حيث قُتل عدد غير مسبوق منهم في أي نزاع معاصر، بل طوّرت خطاباً موازياً يبرر ذلك عبر اتهامهم بالارتباط بحركة “حماس” أو بالمشاركة في “الدعاية”. وكأن هذا، حتى لو ثبت، يمنحها حق محاكمتهم وإعدامهم، وأحياناً مع عائلاتهم. ومع غياب المساءلة الدولية الفعلية، تحوّل هذا الخطاب إلى ممارسة معلنة بلا خشية من تبعات.

ما نشهده اليوم في لبنان يبدو تكراراً لهذا النموذج، لكن بثقة أكبر. فالتباهي بقتل صحافي، أو إدراجه ضمن بنك الأهداف واستخدام عبارة “تم القضاء عليه”، يعكس شعوراً متصاعداً بالإفلات من المحاسبة. بمعنى آخر، ما حدث في غزة لم يبقَ محصوراً هناك، بل أصبح سابقة قابلة للاستنساخ، وها نحن في لبنان نختبرها.

الأخطر أن هذا النمط لا يقتصر على استهداف الأفراد، بل يمتد إلى بنية الحرب نفسها. في غزة، قامت الاستراتيجية على التدمير واسع النطاق، واستهداف البنية التحتية المدنية، ودفع السكان إلى النزوح الجماعي تحت ضغط عسكري مستمر. وفي جنوب لبنان، تظهر مؤشرات مقلقة إلى اتجاه مشابه، إذ تنقل المشاهد التي يبثها الجيش الإسرائيلي نفسه قصفاً مكثفاً للقرى الحدودية، وتدميراً منهجياً للمنازل، وبعضها يتعرض للحرق أو النهب.

في الجنوب، تعيد إسرائيل تشكيل الجغرافيا السكانية عبر فرض منطقة منزوعة السكان تحت عنوان “الأمن”.

تبرير القتل في الداخل

ما يجعل لحظة قتل صحافيين وصحافيات أكثر قسوة هو ما تلاها في الداخل اللبناني. لم يكن مقتل فاطمة فتوني حدثاً يُجمع على إدانته، بل تحوّل سريعاً إلى مناسبة لمحاكمتها بعد موتها. في الساعات التي أعقبت اغتيالها، نُبشت تغريداتها، واستُحضرت مواقفها السياسية، خصوصاً تلك المرتبطة بالحرب السورية ودور حزب الله فيها. لم يكن جثمانها قد دُفن حتى بدأ الفرز العلني: هل تستحق التعاطف أم لا؟ وهكذا، لم تعد القضية انتهاكاً واضحاً لحق الحياة، بل اختباراً سياسياً للضحية.

هذا التوازي بين دولة احتلال تبرر القتل، ومجتمع لبناني منقسم يعيد تقييم الضحية، يكشف حجم الانزلاق. في الحالتين، يتم تقويض مبدأ أساسي: أن الحق في الحياة لا يُمنح على أساس الموقف السياسي. هذا منطق سبق أن مارسه حزب الله ومناصروه، واليوم يقع خصومه في الفخ نفسه.

داخلياً، لا يبدو أن ما حدث سيدفع نحو مراجعة، بل نحو مزيد من الانقسام. فبدلاً من لحظة تضامن إنساني في حدّه الأدنى، قوامه رفض القتل، يتكرّس مسار مختلف: إعادة إنتاج خطاب التخوين والاتهام، وهو خطاب اختبرنا في لبنان كيف يقود إلى القتل والاغتيال. وقد بدأت أصوات محسوبة على حزب الله باستخدام لغة تهديد في الداخل.

هذا المنحى لم يعد محصوراً بالخطاب السياسي، بل بدأ يتجسد في الشارع. في تظاهرة شهدها وسط بيروت عقب اغتيال الصحافيين، رُفعت شعارات تتهم رئيس الحكومة نواف سلام بـ”الصهيونية” والعمالة، مستندةً إلى سجال سابق بينه وبين الصحافية فتوني خلال زيارته الجنوب قبل أسابيع، ما كثّف الشحن ضده. إعادة استحضار هذا السجال وتقديمه كقرينة ضمنية في سياق مقتلها يعكسان محاولة خطيرة لنقل المسؤولية من الفاعل المباشر، أي إسرائيل، إلى “خصم” داخلي.

حزب الله يخوض حرباً في الداخل لا تقل شراسة. حين يعلن “النصر” بصرف النظر عن الوقائع الميدانية المعاكسة، يعرف تماماً أن وظيفة هذا “النصر” داخلية، وأنه في معادلة الصراع مع إسرائيل، ليس سوى هزيمة محقّقة. وإسرائيل نفسها تعرف ذلك، وهي لطالما أهدته انتصارات انشغل بها عن مقارعتها. في  العام 2006 لم يكن انتصاره عليها، إنما على  خصومه بالداخل، فيما نعمت هي بهدنة امتدت إلى نحو عقدين. 

لم يكن شعار “صهيوني” تفصيلاً عابراً، بل تعبيراً مكثفاً عن مستوى الاحتقان. والأكثر دلالة أن نائب حزب الله إبراهيم الموسوي حاول ثني المتظاهرين عن ترديده، معتبراً أنه “يضرّ بالمقاومة”، لكنه فشل، واعتذر لاحقاً عن محاولته.

ما تكشفه هذه اللحظة يتجاوز الشعار نفسه. فالحزب الذي أسّس، على مدى سنوات، خطاب التخوين والشيطنة، يجد نفسه اليوم أمام شارع يتبنّى هذا الخطاب ويدفعه إلى أقصاه، إلى درجة لم يعد معها قادراً على ضبطه. هنا تتكشف إحدى أخطر ديناميات هذه المرحلة: الخطاب التعبوي يتحوّل تدريجياً إلى قوة مستقلة عن مُنتِجه. ما يبدأ كأداة سياسية يتحوّل إلى مناخ عام يصعب التحكم به. وحين يصل هذا المناخ إلى حد تهديد الداخل اللبناني بأسره، أو شريحة واسعة منه، يكون النقاش السياسي قد انزاح بالكامل نحو منطق الإلغاء.

لكن ما يغيب في هذا الاشتباك الصاخب هو الكلفة الفعلية. فحروب السرديات لا تُحسم على الشاشات، بل على الأرض. في غزة، رأينا هذا المشهد: خطاب تعبوي متبادل، ادعاءات نصر، وتبريرات متقابلة، فيما كانت النتيجة دماراً واسعاً وخسارة بشرية هائلة وانهياراً اجتماعياً. وبعد ذلك كله، بقيت حماس، ولو أضعف، حاضرة بوصفها “مقاومة”، على أنقاض مجتمع مدمّر.

هذا النموذج يلوح في الأفق اللبناني، ما يجعل اللحظة أكثر خطورة. بين سردية إسرائيل التي تبرر القتل وتوسّع الاستهداف، وسردية حزب الله التي تبالغ في تصوير الإنجازات، يُدفع البلد نحو معادلة قاسية: دمار يتوسع، دولة تضعف، ومجتمع يُستنزف.

الأخطر أن هذا الواقع يجد من يهتف له، لا رغم كلفته، بل أحياناً بسببها. فكلما تصاعدت وحشية إسرائيل، ازدادت قدرة هذه السردية على إعادة إنتاج نفسها، ولو على حساب البلد.

ولكي يكتمل المشهد، يتصاعد خطاب لبناني مضاد، يتخذ أحياناً منحى يمينياً حاداً، لا يكتفي بانتقاد حزب الله، بل يصل إلى حد الاستقواء بإسرائيل والدعوة الصريحة لاستكمال حربها، متجاهلاً الكلفة الكارثية على البلد. حتى في مؤتمر “القوات اللبنانية”، طُرحت مطالب بمحاكمة حزب الله من دون أي إشارة الى ما ترتكبه إسرائيل. هذا الخطاب، على رغم موقعه المعارض، يلتقي مع المنطق نفسه الذي ينتقده: نزع الإنسانية عن الخصم، وتحويل الصراع إلى مواجهة وجودية.

في ضوء ذلك كله، يبدو لبنان محاصَراً بين مسارين متوازيين: مسار إسرائيلي يشرعن القتل عبر إعادة تعريف المدني كهدف محتمل، ومسار داخلي يشرعن الإقصاء عبر إعادة تعريف الخصم كخطر يجب إسكاتُه. وبين هذين المسارين، يتقلص هامش السياسة، ويتراجع المجال العام كمساحة للاختلاف، وكأن المجتمع دخل بالفعل مرحلة تفكك عميق، قد تستمر آثاره طويلاً بعد انتهاء الحرب.