ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن قتيلهم و”شهيدنا” وما يستدرجه الجدل حولهما

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

حين نصف شخصاً بأنه “شهيد”، فإننا لا نكتفي بتأطير موته، بل نؤطّر طريقة موته في خدمة سردية سياسية، ونمحو السياقات الفردية والإنسانية التي تحيط بالحدث. وهذا ما يحدث تماماً حين يصبح توصيف الموت خاضعاً للاصطفاف، ويُستخدم لا لتكريم الضحيّة، بل أحياناً لتبرير استمرار القتل.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بعد مجزرة كنيسة مار الياس في قلب دمشق، التي نفّذها انتحاري تكفيري، كان لافتاً اعتماد الإعلام الرسمي السوري صيغة “ضحايا” في وصف قتلى الانفجار الذين كانوا من المسيحيين.

كان من الممكن اعتبار هذا التوصيف مسألة عادية، لولا أن الإعلام نفسه يحرص على استخدام كلمة “شهداء” عند الحديث عن قتلى الأمن العامّ في سوريا في مواجهات أمنية. 

ليس خافياً أن منابع هذا التمييز في التسمية عقائدية دينية، وهو ما أثار
امتعاضاً واسعاً بين سوريين كثر، بشأن الكيفية التي تُختار فيها تسميات مثل “شهيد” أو “قتيل” لوصف ضحايا تفجير أو مجزرة أو اعتداء، وما يعنيه ذلك من انحيازات واضحة. 

هذا الجدل حول “الشهيد” و”القتيل” ليس خاصيّة سورية، بل هو شأن يتكرّر بشكل شبه يومي، في ظلّ الحروب والانقسامات والصدامات الأهلية العنيفة التي تمزّق مجتمعاتنا في المنطقة.
خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة ضدّ “حزب الله” في لبنان، تعرّض صحافيون وصحافيات للاعتداء والطرد والإهانة، بذريعة أن بعضهم لا يستخدم كلمة “شهيد” في توصيفه لضحايا الحرب. 

وفي إحدى المرّات انتشر فيديو لسجال بين المعتدين يتّهمون الصحافيين بعدم استخدام هذا التوصيف، فيما حاول الصحافيون الدفاع عن أنفسهم بالقول: “بلى، نستخدمه، ولا نقول قتيلاً”.

كان الصحافيون قد سقطوا في الفخّ، وبات الجدل هو استخدام التعبير، وليس حول مشروعيته وصحّته المهنية والأخلاقية. 

مرّات عدّة، نتعرّض في “درج” لحملات انتقاد عند نشرنا موادّ عن ضحايا الإبادة في غزة أو لبنان أو في أي مواجهة مع إسرائيل، لأننا لا نستخدم كلمة “شهيد”.

ويمتدّ سجال الشهيد والضحيّة ليغطّي قاموساً من المفردات، لعلّ أبرزها مفردة “مقاومة”، فـ”حزب الله” مثلاً “مقاومة” بالنسبة إلى البعض في لبنان، وميليشيا طائفية في سوريا. لقد جرى ابتذال مفردة “مقاومة” حتى أصبحت تغطّي فصائل تخوض حروباً أهلية في العراق واليمن ولبنان وسوريا.  

ما قصّة هذا الجدل الذي لا ينتهي؟

لا يمكن اعتبار الخلاف حول استخدام “شهيد” أو “قتيل” خلافاً مهنياً فحسب؛ إنه خلاف سياسي وأخلاقي بامتياز. فمنح الضحايا رتباً وتصنيفات، والحكم على مصائرهم في الدنيا والآخرة، هو ما يجب أن يكون موضع مساءلة، لا العكس.

كلمة “قتيل” توصيف محايد لا ينطوي على حكم أخلاقي تجاه المقتول، ولا يُبرّئ القاتل بل بالعكس. القتيل هو ضحيّة جريمة، ما يعني أن ثمة قاتلاً ينبغي محاسبته.

الفكرة بسيطة، لكنها تثير غضباً ربما يكون مفهوماً في سياقات الحروب والمجازر، حيث المشاعر ملتهبة، وحيث يسعى مَن خسر حبيباً أو قائداً إلى التمسّك بتوصيفات تعويضية، تمنح موتهم مكانة أعلى، وربما عزاءً رمزياً في مصيرهم.

ومن الطبيعي في مثل هذه الحالات أن يبحث المفجوعون عن مكان لأحبابهم في الجنّة الموعودة، أو أن يجدوا كبش فداء يفرغون عليه غضبهم، وغالباً ما يكون الصحافي هذا الفداء.

نعجز، كإعلام ومجتمع، عن الاتّفاق على أن القتيل ضحيّة، وأن الانحياز إليه يجب ألا يُختزل ضمن صراع الهوّيات القاتلة الذي نتخبّط فيه منذ عقود. ثم إن الانحياز إلى القتيل هو أيضاً إعلان بأن القاتل معروف ومعلن، وأننا نحن، بدورنا، ربما ضحاياه.

لا حياد تامّاً في الإعلام، وهذا ما يفرّق مؤسّسة عن أخرى. هناك مؤسّسات تخلط المستويات التعبيرية واللغوية، وتُخضع التوصيفات لمواقفها الأيديولوجية:
فإذا كانت الضحيّة من “المعسكر الصديق”، فهي شهيد، أما إذا كانت من الخصم، فموتها يُحتقر، أو يُعدّ حدثاً هامشياً. 

من هنا كان اعتماد الإعلام الرسمي السوري كلمة “ضحايا” في وصف قتلى تفجير كنيسة دمشق المسيحيين، مقابل استخدامه “شهداء” عند الحديث عن عناصر الأمن، ليُعيد تكرار المعادلة نفسها التي تحكم علاقتنا بالعنف الأيديولوجي والديني.

هذا الجدل حول “الشهيد” و”القتيل” ليس خاصيّة سورية، بل هو شأن يتكرّر بشكل شبه يومي، في ظلّ الحروب والانقسامات والصدامات الأهلية العنيفة التي تمزّق مجتمعاتنا في المنطقة.

انقسام قديم

هذا الانقسام حول التعابير ليس حديثاً، لكنّه أخذ منعطفاً حادّاً مع صعود الإعلام العربي العابر للحدود (Pan-Arab Media) في منتصف التسعينيات، حيث انتقل الانقسام السياسي الحادّ إلى قنوات الإعلام الكبرى التي باتت عنواناً وجزءاً من الاستقطاب. 

قناة “الجزيرة” التي برزت بوصفها ناطقة باسم حركات “المقاومة” و”الممانعة”، كانت رائدة في استخدام هذه العبارات من أفغانستان إلى العراق وسوريا ولبنان. لحقت بركبها قنوات كبرى أخرى، لكن كلّ من زاوية انحيازه السياسي.

خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، نشر موقع “الجزيرة نت” خبرين يصفان وعلى الصفحة نفسها الضحايا في غزّة بأنهم “شهداء”، والضحايا في جنوب لبنان بأنهم “قتلى”، علماً أن القاتل كان واحد وهو إسرائيل. 

ماهو المعيار الذي اعتمده المحرّر ليقرّر أن قتلى إسرائيل في لبنان هم “قتلى”، وأن القتلى في غزّة هم “شهداء”! 

وإن كانت هذه المعضلة تتجلّى بحدّة في الحروب الكبرى كحرب غزّة ولبنان وسوريا والعراق، فإنها تكاد تختفي حين يكون القتيل من السودان أو اليمن، حيث لا يقلّ عدد الضحايا وحجم مآسيهم عن نظرائهم في الدول الأخرى. فهناك، يُقتل المئات، وأحياناً الآلاف، من دون أن يُمنحوا الرتبة نفسها في موتهم.
فكيف نسمح لأنفسنا، نحن الجالسين خلف شاشاتنا نصوغ الأخبار وننشرها، أن نمنح الضحايا مكانات مختلفة، وفقاً للهوّية أو الجغرافيا أو الانتماء السياسي أو الديني؟

تُظهر هذه الفوضى الشعورية أننا لم نتعلّم شيئاً يُذكر من الموت الغزير الذي أنهكنا كدول، وكأفراد، وكجماعات. فالقتيل هناك ليس قتيلنا، كما أن القتيل هنا ليس قتيلهم.

وللحقيقة ليست هذه معضلة شرق أوسطية خالصة، ففي الغرب أيضاً، نشأت سجالات مشابهة بعد الحوادث الكبرى في مرحلة ما بعد هجمات ١١ أيلول/ سبتمبر ٢٠٠١، ولاحقاً غزو العراق. حاولت وسائل إعلام دولية أن تفضّ الاشتباك بين مصطلحات مثل: “إرهابي” و”مسلّح”، “نظام” و”حكومة”، “جهادي” و”مقاتل”، و”داعش” و”تنظيم داعش”.

مهنياً، هناك قاعدة أساسية على الصحافي أن يلتزم بها عند إطلاق التوصيفات: أن يكون الوصف قابلاً للإثبات، لا يتضمّن تحيّزاً لغوياً، ولا يغيّر الوضع القانوني أو الرمزي لمن نكتب عنهم.

من مصلحة الرأي العامّ أن يحصل على وصف دقيق ومعلومة محايدة، وأي إخلال بهذه الشروط لا يخدم الحقيقة، بل يغذّي الجدالات التي نعيشها اليوم. وهذا الوضوح اللغوي لا يُلغي الانحياز، بل بالعكس طريقة مقاربة القصّة وإبراز عناصرها ستحدّد بشكل جليّ من القاتل ومن الضحيّة. لكن، متى نجرؤ، كصحافيين ومجتمعات، على التعامل مع الموت كما هو،  بلا رتب ولا ألقاب؟
وهل نملك شجاعة الاعتراف بأن الجميع، في النهاية ربما ضحايا؟

حين نصف شخصاً بأنه “شهيد”، فإننا لا نكتفي بتأطير موته، بل نؤطّر طريقة موته في خدمة سردية سياسية، ونمحو السياقات الفردية والإنسانية التي تحيط بالحدث. وهذا ما يحدث تماماً حين يصبح توصيف الموت خاضعاً للاصطفاف، ويُستخدم لا لتكريم الضحيّة، بل أحياناً لتبرير استمرار القتل.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.

حين نصف شخصاً بأنه “شهيد”، فإننا لا نكتفي بتأطير موته، بل نؤطّر طريقة موته في خدمة سردية سياسية، ونمحو السياقات الفردية والإنسانية التي تحيط بالحدث. وهذا ما يحدث تماماً حين يصبح توصيف الموت خاضعاً للاصطفاف، ويُستخدم لا لتكريم الضحيّة، بل أحياناً لتبرير استمرار القتل.

بعد مجزرة كنيسة مار الياس في قلب دمشق، التي نفّذها انتحاري تكفيري، كان لافتاً اعتماد الإعلام الرسمي السوري صيغة “ضحايا” في وصف قتلى الانفجار الذين كانوا من المسيحيين.

كان من الممكن اعتبار هذا التوصيف مسألة عادية، لولا أن الإعلام نفسه يحرص على استخدام كلمة “شهداء” عند الحديث عن قتلى الأمن العامّ في سوريا في مواجهات أمنية. 

ليس خافياً أن منابع هذا التمييز في التسمية عقائدية دينية، وهو ما أثار
امتعاضاً واسعاً بين سوريين كثر، بشأن الكيفية التي تُختار فيها تسميات مثل “شهيد” أو “قتيل” لوصف ضحايا تفجير أو مجزرة أو اعتداء، وما يعنيه ذلك من انحيازات واضحة. 

هذا الجدل حول “الشهيد” و”القتيل” ليس خاصيّة سورية، بل هو شأن يتكرّر بشكل شبه يومي، في ظلّ الحروب والانقسامات والصدامات الأهلية العنيفة التي تمزّق مجتمعاتنا في المنطقة.
خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة ضدّ “حزب الله” في لبنان، تعرّض صحافيون وصحافيات للاعتداء والطرد والإهانة، بذريعة أن بعضهم لا يستخدم كلمة “شهيد” في توصيفه لضحايا الحرب. 

وفي إحدى المرّات انتشر فيديو لسجال بين المعتدين يتّهمون الصحافيين بعدم استخدام هذا التوصيف، فيما حاول الصحافيون الدفاع عن أنفسهم بالقول: “بلى، نستخدمه، ولا نقول قتيلاً”.

كان الصحافيون قد سقطوا في الفخّ، وبات الجدل هو استخدام التعبير، وليس حول مشروعيته وصحّته المهنية والأخلاقية. 

مرّات عدّة، نتعرّض في “درج” لحملات انتقاد عند نشرنا موادّ عن ضحايا الإبادة في غزة أو لبنان أو في أي مواجهة مع إسرائيل، لأننا لا نستخدم كلمة “شهيد”.

ويمتدّ سجال الشهيد والضحيّة ليغطّي قاموساً من المفردات، لعلّ أبرزها مفردة “مقاومة”، فـ”حزب الله” مثلاً “مقاومة” بالنسبة إلى البعض في لبنان، وميليشيا طائفية في سوريا. لقد جرى ابتذال مفردة “مقاومة” حتى أصبحت تغطّي فصائل تخوض حروباً أهلية في العراق واليمن ولبنان وسوريا.  

ما قصّة هذا الجدل الذي لا ينتهي؟

لا يمكن اعتبار الخلاف حول استخدام “شهيد” أو “قتيل” خلافاً مهنياً فحسب؛ إنه خلاف سياسي وأخلاقي بامتياز. فمنح الضحايا رتباً وتصنيفات، والحكم على مصائرهم في الدنيا والآخرة، هو ما يجب أن يكون موضع مساءلة، لا العكس.

كلمة “قتيل” توصيف محايد لا ينطوي على حكم أخلاقي تجاه المقتول، ولا يُبرّئ القاتل بل بالعكس. القتيل هو ضحيّة جريمة، ما يعني أن ثمة قاتلاً ينبغي محاسبته.

الفكرة بسيطة، لكنها تثير غضباً ربما يكون مفهوماً في سياقات الحروب والمجازر، حيث المشاعر ملتهبة، وحيث يسعى مَن خسر حبيباً أو قائداً إلى التمسّك بتوصيفات تعويضية، تمنح موتهم مكانة أعلى، وربما عزاءً رمزياً في مصيرهم.

ومن الطبيعي في مثل هذه الحالات أن يبحث المفجوعون عن مكان لأحبابهم في الجنّة الموعودة، أو أن يجدوا كبش فداء يفرغون عليه غضبهم، وغالباً ما يكون الصحافي هذا الفداء.

نعجز، كإعلام ومجتمع، عن الاتّفاق على أن القتيل ضحيّة، وأن الانحياز إليه يجب ألا يُختزل ضمن صراع الهوّيات القاتلة الذي نتخبّط فيه منذ عقود. ثم إن الانحياز إلى القتيل هو أيضاً إعلان بأن القاتل معروف ومعلن، وأننا نحن، بدورنا، ربما ضحاياه.

لا حياد تامّاً في الإعلام، وهذا ما يفرّق مؤسّسة عن أخرى. هناك مؤسّسات تخلط المستويات التعبيرية واللغوية، وتُخضع التوصيفات لمواقفها الأيديولوجية:
فإذا كانت الضحيّة من “المعسكر الصديق”، فهي شهيد، أما إذا كانت من الخصم، فموتها يُحتقر، أو يُعدّ حدثاً هامشياً. 

من هنا كان اعتماد الإعلام الرسمي السوري كلمة “ضحايا” في وصف قتلى تفجير كنيسة دمشق المسيحيين، مقابل استخدامه “شهداء” عند الحديث عن عناصر الأمن، ليُعيد تكرار المعادلة نفسها التي تحكم علاقتنا بالعنف الأيديولوجي والديني.

هذا الجدل حول “الشهيد” و”القتيل” ليس خاصيّة سورية، بل هو شأن يتكرّر بشكل شبه يومي، في ظلّ الحروب والانقسامات والصدامات الأهلية العنيفة التي تمزّق مجتمعاتنا في المنطقة.

انقسام قديم

هذا الانقسام حول التعابير ليس حديثاً، لكنّه أخذ منعطفاً حادّاً مع صعود الإعلام العربي العابر للحدود (Pan-Arab Media) في منتصف التسعينيات، حيث انتقل الانقسام السياسي الحادّ إلى قنوات الإعلام الكبرى التي باتت عنواناً وجزءاً من الاستقطاب. 

قناة “الجزيرة” التي برزت بوصفها ناطقة باسم حركات “المقاومة” و”الممانعة”، كانت رائدة في استخدام هذه العبارات من أفغانستان إلى العراق وسوريا ولبنان. لحقت بركبها قنوات كبرى أخرى، لكن كلّ من زاوية انحيازه السياسي.

خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، نشر موقع “الجزيرة نت” خبرين يصفان وعلى الصفحة نفسها الضحايا في غزّة بأنهم “شهداء”، والضحايا في جنوب لبنان بأنهم “قتلى”، علماً أن القاتل كان واحد وهو إسرائيل. 

ماهو المعيار الذي اعتمده المحرّر ليقرّر أن قتلى إسرائيل في لبنان هم “قتلى”، وأن القتلى في غزّة هم “شهداء”! 

وإن كانت هذه المعضلة تتجلّى بحدّة في الحروب الكبرى كحرب غزّة ولبنان وسوريا والعراق، فإنها تكاد تختفي حين يكون القتيل من السودان أو اليمن، حيث لا يقلّ عدد الضحايا وحجم مآسيهم عن نظرائهم في الدول الأخرى. فهناك، يُقتل المئات، وأحياناً الآلاف، من دون أن يُمنحوا الرتبة نفسها في موتهم.
فكيف نسمح لأنفسنا، نحن الجالسين خلف شاشاتنا نصوغ الأخبار وننشرها، أن نمنح الضحايا مكانات مختلفة، وفقاً للهوّية أو الجغرافيا أو الانتماء السياسي أو الديني؟

تُظهر هذه الفوضى الشعورية أننا لم نتعلّم شيئاً يُذكر من الموت الغزير الذي أنهكنا كدول، وكأفراد، وكجماعات. فالقتيل هناك ليس قتيلنا، كما أن القتيل هنا ليس قتيلهم.

وللحقيقة ليست هذه معضلة شرق أوسطية خالصة، ففي الغرب أيضاً، نشأت سجالات مشابهة بعد الحوادث الكبرى في مرحلة ما بعد هجمات ١١ أيلول/ سبتمبر ٢٠٠١، ولاحقاً غزو العراق. حاولت وسائل إعلام دولية أن تفضّ الاشتباك بين مصطلحات مثل: “إرهابي” و”مسلّح”، “نظام” و”حكومة”، “جهادي” و”مقاتل”، و”داعش” و”تنظيم داعش”.

مهنياً، هناك قاعدة أساسية على الصحافي أن يلتزم بها عند إطلاق التوصيفات: أن يكون الوصف قابلاً للإثبات، لا يتضمّن تحيّزاً لغوياً، ولا يغيّر الوضع القانوني أو الرمزي لمن نكتب عنهم.

من مصلحة الرأي العامّ أن يحصل على وصف دقيق ومعلومة محايدة، وأي إخلال بهذه الشروط لا يخدم الحقيقة، بل يغذّي الجدالات التي نعيشها اليوم. وهذا الوضوح اللغوي لا يُلغي الانحياز، بل بالعكس طريقة مقاربة القصّة وإبراز عناصرها ستحدّد بشكل جليّ من القاتل ومن الضحيّة. لكن، متى نجرؤ، كصحافيين ومجتمعات، على التعامل مع الموت كما هو،  بلا رتب ولا ألقاب؟
وهل نملك شجاعة الاعتراف بأن الجميع، في النهاية ربما ضحايا؟

حين نصف شخصاً بأنه “شهيد”، فإننا لا نكتفي بتأطير موته، بل نؤطّر طريقة موته في خدمة سردية سياسية، ونمحو السياقات الفردية والإنسانية التي تحيط بالحدث. وهذا ما يحدث تماماً حين يصبح توصيف الموت خاضعاً للاصطفاف، ويُستخدم لا لتكريم الضحيّة، بل أحياناً لتبرير استمرار القتل.