fbpx

عن كرة القدم: اللعبة التي لا تلتزم قواعد الحرب  ولا تخرج عنها

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

18 عاماً، جرت خلالها أربعة مونديالات ومئات البطولات العالمية وآلاف المباريات، ولم يحظ بمواكبتها ومتابعتها الكثير من اللبنانيين، بسبب انشغالهم بالحرب، وقليلون جداً من سمحت لهم الظروف بأن يشاهدوا لحظاتها التاريخية عبر البث المباشر.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

عقب فوز فريق “ريال مدريد” الأسباني في نهائي بطولة دوري أبطال أوروبا، أمام نظيره الألماني “بروسيا دورتموند” بهدفين لصفر، انطلقت في عدد من شوارع بيروت، احتفالات عفوية لجماهير الفريق الأسباني؛ الذين عادةً ما يحتشدون في المقاهي والمطاعم لمتابعة المباراة، وكان أبرزها في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث اعتادت جماهير الريال خلال السنوات الماضية، التجمع للاحتفال بفوزه في المباريات الكبرى والبطولات المهمة. 

تكرر هذا المشهد لأكثر من مرةٍ خلال الأشهر الماضية، وفي كل مرةٍ، كانت الاحتفالات تلقى هجوماً وانتقادات حادة، من داخل المجتمع الشيعي تحديداً، باعتبار أنها إهانة لدماء من سقطوا في الحرب الدائرة في الجنوب منذ 8 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وتتنافى مع مبدأ مراعاة حالة العزاء التي يعيشها هذا المجتمع، وانتقد البعض المحتفلين، قائلين: “من الأجدر لهم الصمت والتزام منازلهم، عوضاً عن إظهار الفرحة، وكأن لا شيء يحدث من حولهم”. 

كذلك فعل بعض المتابعين العرب، بعد أن نشرت صفحات كروية عربية مقاطع مصورة، عن احتفالات أقامتها الجماهير ذاتها خلال فترة الحرب، حيث طالبوا المحتفلين ب”تحرير غزة”، بدل الاحتشاد في الشوارع من أجل مباراة كرة قدم، فما كان من بعض اللبنانيين إلا الرد على هذه التعليقات، بالقول: “إن لبنان جزء من هذه الحرب، وهو ينال نصيبه من الاعتداءات الإسرائيلية وما تخلّفه من ضحايا ومصابين ودمار، بشكل يومي، وهذه الفرحة حقٌ لنا، في ظل ما تمر به البلاد من اضطرابات أمنية واجتماعية واقتصادية، لا حول ولا قوة ولا خيار للشعب فيها”.

هذا الهروب من الواقع، ليس من نصيب اللبنانيين وحدهم في هذه الحرب، ففي غزة أيضاً، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع مصورة لشبان يتابعون مباريات دوري الأبطال في المقاهي، التي ما زالت في الخدمة، ولعل أبرزها كان المقطع الذي نشره الكوميدي الغزي الشاب أحمد جمعة، المعروف باستخدامه الكوميديا السوداء لتوثيق ما يعيشه ومن حوله، من معاناة فرضتها عليهم الحرب، إذ قام بنشر فيديو ساخر لاستبدال المشاهدين في أحد المقاهي نشرة أخبار الجزيرة من أجل مشاهدة المباراة النهائية، وقد أظهر الفيديو تفاعل الغزيين بالأهازيج، لحظة تتويج الريال بكأس البطولة، كذلك  انتشرت دعابات عبّر فيها غزيون عن فرحتهم، أو خيبتهم، من نتيجة “الكلاسيكو” الأول بين فريقي “برشلونة” و”ريال مدريد”، التي تأخر وصولها إليهم لانقطاع الاتصالات عن القطاع بسبب الحرب.

يأتي هذا المشهد، شبيهاً بما حدث عقب تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب/ أغسطس 2020، الذي تزامن مع أيام الحجر الصحي والإغلاق العام، استجابة لجائحة “كورونا”، حيث خيمت على اللبنانيين حال من الغضب واليأس والحزن، وكان من السهل رصدها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، التي شكلت المتنفس الوحيد للناس حينها، للتعبير عن سخطهم، بعد أن تضافرت جهود القوى الأمنية ومناصري الأحزاب لقمع المظاهرات والاحتجاجات العفوية، التي خرجت مطالبةً بمحاسبة المسؤولين.

بعد عشرة أيام من الانفجار، انطلقت المباراة الشهيرة بين فريقي “برشلونة” و”بايرن ميونخ”، وانتهت بثمانية أهداف في مرمى الأول، فأحدثت النتيجة حالاً من الهرج و”التزريك” أي التنمر، الذي يصاحب عادة نتائج صادمة كهذه، وعلى مدى يومين على الأقل، تبدل المناخ العام لمواقع التواصل الاجتماعي، من الشحن العاطفي والتوتر إلى السخرية وال”ميمز”، البعيدة كل البعد عن واقع البلد، الذي كان في أوج لحظات انهياره.

ملهاة أم وسيلة؟

في مونديال 2010، الذي تزامنت تحضيراته المحلية والعالمية، مع موعد الامتحانات المدرسية النهائية، وتسللت أخباره إلى أحاديثنا اليومية ومقاعدنا الدراسية، تفرغ الناظر العام في المدرسة لنا، وصار يلقي على مسامعنا محاضرات يومية، مفادها أن الغرب ابتكر لعبة كرة القدم لإلهائنا عن قضايانا الكبرى، كالحرب المقبلة ذات يوم، لا يهم متى، لكنها مقبلة. 

لم يكترث معظمنا، بحديث الناظر العام؛ الذي كنت حينها لا أشك في حكمته ورؤيته للأمور، واستكملنا بعيداً عن ناظريه، مناوشاتنا الصغيرة وتحدياتنا وتباهينا بما تمتلكه المنتخبات التي نشجعها، من بطولات وأسماء وقدرات تمكنها من اكتساح المنتخبات الأخرى، ورسمت في اليوم التالي لتلك العظةِ، على حقيبتي المدرسية السوداء، بقلم التصحيح الأبيض وقلمي الحبرٍ الأخضر والأحمر علم إيطاليا، التي غادرت ذلك المونديال في أدواره الأولى.

تعاقبت السنوات، لتكذب هذا الادعاء الساذج ومعه فرضية المؤامرة، التي حاول الناظر إيهامنا بها، فملاعب كرة القدم تحولت منذ بدء الحرب إلى ساحات للتضامن مع غزة، رغم القيود التي فرضتها اتحادات كرة القدم العالمية.

فقد عبّرت جماهير فرق أوروبية وعربية كثيرة، عن إدانتها للحرب الإسرائيلية، ووقوفها في صف الشعب الفلسطيني وحقه في الحياة، وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد لمشجعي أندية أوروبية يقومون بالتصفير وإطلاق أصوات الاعتراض ضد الفرق الإسرائيلية المشاركة في البطولات، وآخرين يرفعون لافتات منددة بالاحتلال، أو يقدمون عروضاً تمثيلية تعكس معاناة أطفال غزة خلال الحرب، وحملت ابنة المدرب الأسباني بيب غوارديولا الكوفية الفلسطينية في احتفال فوز فريق والدها ببطولة الدوري الإنكليزي، الذي سبق وعلق على مجريات الحرب في أحد المؤتمرات الصحافية الكروية، مستغرباً “صمت العالم إزاء ما يحدث في غزة”، كذلك شارك لاعبون عالميون في الحملة العالمية الهادفة، للفت النظر حول الجرائم المروعة، التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي خلال غزو رفح.

الذاكرة الكروية في الحرب

عقب تتويج منتخب إيطاليا بطلاً لكأس العالم في 9 تموز/ يوليو عام 2006، واندلاع الحرب الإسرائيلية الثانية على لبنان بعدها بثلاثة أيام، انتشرت مقولة ساذجة؛ لا أعلم حجم تداولها، مفادها أن فوز إيطاليا في أي مونديال يعني نشوب حرب إسرائيلية لبنانية، ذلك أنه في صيف عام 1982، حدث فوز إيطاليا والاجتياح الإسرائيلي للبنان معاً، لم ينتبه وقتها مروجو هذه الإشاعة أن الاجتياح سبق الفوز، وأن النهائي الذي جمع بين الطليان والألمان على الأراضي الأسبانية، قد وقع بعد أكثر من شهر من المعارك الطاحنة التي شهدتها البلاد، والتي امتدت 18 عاماً، وانتهت بانسحاب إسرائيل في أيار/ مايو 2000. 

18 عاماً، جرت خلالها أربعة مونديالات ومئات البطولات العالمية وآلاف المباريات، ولم يحظ بمواكبتها ومتابعتها الكثير من اللبنانيين، بسبب انشغالهم بالحرب، وقليلون جداً من سمحت لهم الظروف بأن يشاهدوا لحظاتها التاريخية عبر البث المباشر.

تغيب عن ذاكرتي تلك الأيام، ولا تغيب عنها المباراة النهائية، ونطحة نجم المنتخب الفرنسي زين الدين زيدان الشهيرة للاعب الإيطالي ماركو ماتيراتزي، وطرده من المعلب على إثرها، كذلك ركلات الترجيح الحاسمة، ولحظات التتويج الساحرة، والكأس الذهبية التي أغرقها اللاعبون بالقُبل والدموع، وفرحتي الطفولية ببطولة لا أعرف عنها الكثير، سوى أنني أحب اللاعب الإيطالي فرانشيسكو توتي، فلقد كان هذا بنظري كافياً، لولاءٍ كروي للفريق “الآزوري”، الذي صار عمره اليوم 18 عاماً.

 وما زال محفوراً في ذاكرتي أيضاً، اللحظة الأولى التي أيقظتني فيها والدتي من النوم، لتخبرني أن الحرب ( تموز/ يونيو 2006) قد بدأت، وأن علينا الخروج فوراً من منزلنا، وما تلاها من مآسٍ على مدى 33 ليلة ثقيلة، لا متنفس فيها لأي فرحة طفولية وغير طفولية.

بعد انتهاء الحرب، وعودتنا إلى البيت، شاهدت الإعادات المتاحة لمباريات ذلك المونديال كلها، وشاهدت بالأخص مباراة النهائي والتتويج أكثر من مرةٍ، ولم تمنع ذكريات الحرب الأليمة السعادة من أن تجتاحني، في كل مرةٍ تُظهر الشاشة الصغيرة مشهد تسجيل ضربة الجزاء الأخيرة، التي منحت إيطاليا اللقب، فأفرح وكأنني أشاهدها للمرة الأولى.

تُكثّف الحرب من ارتباط الفرد بما يحب، وبالمُتع الصغيرة المتاحة له، لما يتولد لديه من شعور بنهايةٍ وشيكة، يستحق أن يعيش ويفتش عما يمده بالسعادة والراحة والمعنى قبل وقوعها، حتى لو كان ذلك لعبةً يتهمها البعض بأنها مجرد كرة تتناقلها أقدام مستعجلة، أو أداة تحيد النظر عما ينبغي أن يرى، لكنها لمن يحبها، في السلم والحرب، في الموت والفرح، استراحةٌ من صخب الحياة، وهروبٌ من الواقع، ووسيلة وقضية؛ لو شاء، أو مجرد لعبة ليس بالضرورة أن تلتزم بقواعد الحرب، وتصير جزءًا من ذاكرتها.

"درج" | 19.07.2024

اغتيال مرهج الجرماني… محاولة لضرب الاحتجاجات السلمية في السويداء

لا شكّ بأن اغتيال مرهج يصب في مصلحة النظام، فهو لم يترك ساحة الاعتصام منذ بداية الثورة العام الماضي، وفي الشهر الماضي احتجز هو وفصيله عشرات الضباط والعناصر التابعين للنظام السوري، على خلفية اعتقال الأجهزة الأمنية شابة من السويداء بسبب نشاطها المدني، وتمكن بالفعل من تحريرها بعملية مقايضة.
14.06.2024
زمن القراءة: 5 minutes

18 عاماً، جرت خلالها أربعة مونديالات ومئات البطولات العالمية وآلاف المباريات، ولم يحظ بمواكبتها ومتابعتها الكثير من اللبنانيين، بسبب انشغالهم بالحرب، وقليلون جداً من سمحت لهم الظروف بأن يشاهدوا لحظاتها التاريخية عبر البث المباشر.

عقب فوز فريق “ريال مدريد” الأسباني في نهائي بطولة دوري أبطال أوروبا، أمام نظيره الألماني “بروسيا دورتموند” بهدفين لصفر، انطلقت في عدد من شوارع بيروت، احتفالات عفوية لجماهير الفريق الأسباني؛ الذين عادةً ما يحتشدون في المقاهي والمطاعم لمتابعة المباراة، وكان أبرزها في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث اعتادت جماهير الريال خلال السنوات الماضية، التجمع للاحتفال بفوزه في المباريات الكبرى والبطولات المهمة. 

تكرر هذا المشهد لأكثر من مرةٍ خلال الأشهر الماضية، وفي كل مرةٍ، كانت الاحتفالات تلقى هجوماً وانتقادات حادة، من داخل المجتمع الشيعي تحديداً، باعتبار أنها إهانة لدماء من سقطوا في الحرب الدائرة في الجنوب منذ 8 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وتتنافى مع مبدأ مراعاة حالة العزاء التي يعيشها هذا المجتمع، وانتقد البعض المحتفلين، قائلين: “من الأجدر لهم الصمت والتزام منازلهم، عوضاً عن إظهار الفرحة، وكأن لا شيء يحدث من حولهم”. 

كذلك فعل بعض المتابعين العرب، بعد أن نشرت صفحات كروية عربية مقاطع مصورة، عن احتفالات أقامتها الجماهير ذاتها خلال فترة الحرب، حيث طالبوا المحتفلين ب”تحرير غزة”، بدل الاحتشاد في الشوارع من أجل مباراة كرة قدم، فما كان من بعض اللبنانيين إلا الرد على هذه التعليقات، بالقول: “إن لبنان جزء من هذه الحرب، وهو ينال نصيبه من الاعتداءات الإسرائيلية وما تخلّفه من ضحايا ومصابين ودمار، بشكل يومي، وهذه الفرحة حقٌ لنا، في ظل ما تمر به البلاد من اضطرابات أمنية واجتماعية واقتصادية، لا حول ولا قوة ولا خيار للشعب فيها”.

هذا الهروب من الواقع، ليس من نصيب اللبنانيين وحدهم في هذه الحرب، ففي غزة أيضاً، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع مصورة لشبان يتابعون مباريات دوري الأبطال في المقاهي، التي ما زالت في الخدمة، ولعل أبرزها كان المقطع الذي نشره الكوميدي الغزي الشاب أحمد جمعة، المعروف باستخدامه الكوميديا السوداء لتوثيق ما يعيشه ومن حوله، من معاناة فرضتها عليهم الحرب، إذ قام بنشر فيديو ساخر لاستبدال المشاهدين في أحد المقاهي نشرة أخبار الجزيرة من أجل مشاهدة المباراة النهائية، وقد أظهر الفيديو تفاعل الغزيين بالأهازيج، لحظة تتويج الريال بكأس البطولة، كذلك  انتشرت دعابات عبّر فيها غزيون عن فرحتهم، أو خيبتهم، من نتيجة “الكلاسيكو” الأول بين فريقي “برشلونة” و”ريال مدريد”، التي تأخر وصولها إليهم لانقطاع الاتصالات عن القطاع بسبب الحرب.

يأتي هذا المشهد، شبيهاً بما حدث عقب تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب/ أغسطس 2020، الذي تزامن مع أيام الحجر الصحي والإغلاق العام، استجابة لجائحة “كورونا”، حيث خيمت على اللبنانيين حال من الغضب واليأس والحزن، وكان من السهل رصدها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، التي شكلت المتنفس الوحيد للناس حينها، للتعبير عن سخطهم، بعد أن تضافرت جهود القوى الأمنية ومناصري الأحزاب لقمع المظاهرات والاحتجاجات العفوية، التي خرجت مطالبةً بمحاسبة المسؤولين.

بعد عشرة أيام من الانفجار، انطلقت المباراة الشهيرة بين فريقي “برشلونة” و”بايرن ميونخ”، وانتهت بثمانية أهداف في مرمى الأول، فأحدثت النتيجة حالاً من الهرج و”التزريك” أي التنمر، الذي يصاحب عادة نتائج صادمة كهذه، وعلى مدى يومين على الأقل، تبدل المناخ العام لمواقع التواصل الاجتماعي، من الشحن العاطفي والتوتر إلى السخرية وال”ميمز”، البعيدة كل البعد عن واقع البلد، الذي كان في أوج لحظات انهياره.

ملهاة أم وسيلة؟

في مونديال 2010، الذي تزامنت تحضيراته المحلية والعالمية، مع موعد الامتحانات المدرسية النهائية، وتسللت أخباره إلى أحاديثنا اليومية ومقاعدنا الدراسية، تفرغ الناظر العام في المدرسة لنا، وصار يلقي على مسامعنا محاضرات يومية، مفادها أن الغرب ابتكر لعبة كرة القدم لإلهائنا عن قضايانا الكبرى، كالحرب المقبلة ذات يوم، لا يهم متى، لكنها مقبلة. 

لم يكترث معظمنا، بحديث الناظر العام؛ الذي كنت حينها لا أشك في حكمته ورؤيته للأمور، واستكملنا بعيداً عن ناظريه، مناوشاتنا الصغيرة وتحدياتنا وتباهينا بما تمتلكه المنتخبات التي نشجعها، من بطولات وأسماء وقدرات تمكنها من اكتساح المنتخبات الأخرى، ورسمت في اليوم التالي لتلك العظةِ، على حقيبتي المدرسية السوداء، بقلم التصحيح الأبيض وقلمي الحبرٍ الأخضر والأحمر علم إيطاليا، التي غادرت ذلك المونديال في أدواره الأولى.

تعاقبت السنوات، لتكذب هذا الادعاء الساذج ومعه فرضية المؤامرة، التي حاول الناظر إيهامنا بها، فملاعب كرة القدم تحولت منذ بدء الحرب إلى ساحات للتضامن مع غزة، رغم القيود التي فرضتها اتحادات كرة القدم العالمية.

فقد عبّرت جماهير فرق أوروبية وعربية كثيرة، عن إدانتها للحرب الإسرائيلية، ووقوفها في صف الشعب الفلسطيني وحقه في الحياة، وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد لمشجعي أندية أوروبية يقومون بالتصفير وإطلاق أصوات الاعتراض ضد الفرق الإسرائيلية المشاركة في البطولات، وآخرين يرفعون لافتات منددة بالاحتلال، أو يقدمون عروضاً تمثيلية تعكس معاناة أطفال غزة خلال الحرب، وحملت ابنة المدرب الأسباني بيب غوارديولا الكوفية الفلسطينية في احتفال فوز فريق والدها ببطولة الدوري الإنكليزي، الذي سبق وعلق على مجريات الحرب في أحد المؤتمرات الصحافية الكروية، مستغرباً “صمت العالم إزاء ما يحدث في غزة”، كذلك شارك لاعبون عالميون في الحملة العالمية الهادفة، للفت النظر حول الجرائم المروعة، التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي خلال غزو رفح.

الذاكرة الكروية في الحرب

عقب تتويج منتخب إيطاليا بطلاً لكأس العالم في 9 تموز/ يوليو عام 2006، واندلاع الحرب الإسرائيلية الثانية على لبنان بعدها بثلاثة أيام، انتشرت مقولة ساذجة؛ لا أعلم حجم تداولها، مفادها أن فوز إيطاليا في أي مونديال يعني نشوب حرب إسرائيلية لبنانية، ذلك أنه في صيف عام 1982، حدث فوز إيطاليا والاجتياح الإسرائيلي للبنان معاً، لم ينتبه وقتها مروجو هذه الإشاعة أن الاجتياح سبق الفوز، وأن النهائي الذي جمع بين الطليان والألمان على الأراضي الأسبانية، قد وقع بعد أكثر من شهر من المعارك الطاحنة التي شهدتها البلاد، والتي امتدت 18 عاماً، وانتهت بانسحاب إسرائيل في أيار/ مايو 2000. 

18 عاماً، جرت خلالها أربعة مونديالات ومئات البطولات العالمية وآلاف المباريات، ولم يحظ بمواكبتها ومتابعتها الكثير من اللبنانيين، بسبب انشغالهم بالحرب، وقليلون جداً من سمحت لهم الظروف بأن يشاهدوا لحظاتها التاريخية عبر البث المباشر.

تغيب عن ذاكرتي تلك الأيام، ولا تغيب عنها المباراة النهائية، ونطحة نجم المنتخب الفرنسي زين الدين زيدان الشهيرة للاعب الإيطالي ماركو ماتيراتزي، وطرده من المعلب على إثرها، كذلك ركلات الترجيح الحاسمة، ولحظات التتويج الساحرة، والكأس الذهبية التي أغرقها اللاعبون بالقُبل والدموع، وفرحتي الطفولية ببطولة لا أعرف عنها الكثير، سوى أنني أحب اللاعب الإيطالي فرانشيسكو توتي، فلقد كان هذا بنظري كافياً، لولاءٍ كروي للفريق “الآزوري”، الذي صار عمره اليوم 18 عاماً.

 وما زال محفوراً في ذاكرتي أيضاً، اللحظة الأولى التي أيقظتني فيها والدتي من النوم، لتخبرني أن الحرب ( تموز/ يونيو 2006) قد بدأت، وأن علينا الخروج فوراً من منزلنا، وما تلاها من مآسٍ على مدى 33 ليلة ثقيلة، لا متنفس فيها لأي فرحة طفولية وغير طفولية.

بعد انتهاء الحرب، وعودتنا إلى البيت، شاهدت الإعادات المتاحة لمباريات ذلك المونديال كلها، وشاهدت بالأخص مباراة النهائي والتتويج أكثر من مرةٍ، ولم تمنع ذكريات الحرب الأليمة السعادة من أن تجتاحني، في كل مرةٍ تُظهر الشاشة الصغيرة مشهد تسجيل ضربة الجزاء الأخيرة، التي منحت إيطاليا اللقب، فأفرح وكأنني أشاهدها للمرة الأولى.

تُكثّف الحرب من ارتباط الفرد بما يحب، وبالمُتع الصغيرة المتاحة له، لما يتولد لديه من شعور بنهايةٍ وشيكة، يستحق أن يعيش ويفتش عما يمده بالسعادة والراحة والمعنى قبل وقوعها، حتى لو كان ذلك لعبةً يتهمها البعض بأنها مجرد كرة تتناقلها أقدام مستعجلة، أو أداة تحيد النظر عما ينبغي أن يرى، لكنها لمن يحبها، في السلم والحرب، في الموت والفرح، استراحةٌ من صخب الحياة، وهروبٌ من الواقع، ووسيلة وقضية؛ لو شاء، أو مجرد لعبة ليس بالضرورة أن تلتزم بقواعد الحرب، وتصير جزءًا من ذاكرتها.

14.06.2024
زمن القراءة: 5 minutes

اشترك بنشرتنا البريدية