ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن كفاءة المنظومة مجتمعةً: بلدية بيروت نموذجاً

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أين بلدية بيروت من الناس؟ وأين خطّتها ومشاريعها وموازناتها وقراراتها؟ من حقّ الناس أن يسألوا البلدية عمّا تفعله، وأن يطالبوها بالنتائج، لا أن يخرج المسؤولون ليشكوا للناس من طريقة عمل المؤسّسة التي يُفترَض أن يديروها. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مرّ نحو خمسة عشر شهراً على الانتخابات البلدية في بيروت، وهي مدّة كافية لنسأل: ماذا تغيّر في المدينة؟ ماذا أنجز المجلس البلدي؟ وما الذي يستطيع سكّان بيروت أن يلمسوه فعلياً في شوارعهم وخدماتهم وحياتهم اليومية؟

قبل أيّام، أطلّ أحد أعضاء المجلس البلدي في حديث علني ليقرّ بأن العمل داخل المجلس لا يسير كما يجب، وبوجود صعوبة في تحديد المشكلات ومعالجتها، فضلاً عن تعطّل أجهزة تابعة للبلدية والعجز عن إصلاحها. 

وفي حديثه نفسه، قال بوضوح: “معنا مصاري كتير، بس منا عارفين كيف نشتغل”. وهذه شهادة من داخل المجلس عن خلل يطال طريقة إدارة المدينة.

الحفر منتشرة في شوارع بيروت، وما زالت مناطق مختلفة من المدينة تعاني من مشكلة المجاري، فيما قال عضو المجلس إن ثلاث سيّارات “أكواتاك” تابعة للبلدية معطّلة، ما يحدّ من قدرة البلدية على فتح المجاري ومعالجة المشكلة. 

أمّا في ملفّ النفايات، فأقرّ بعدم وجود خطّة واضحة: لا فرز من المصدر، ولا تسبيخ، ولا طمر، ولا حرق، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أازمة السير: لا خطّة لمعالجتها.

صحيح أن بيروت مرّت بظروف استثنائية. أثقلتها الحرب، وفرض النزوح ضغطاً إضافياً على بنيتها التحتية وخدماتها، فيما زادت الأزمة الاقتصادية والمؤسّساتية عمل البلدية صعوبة. لكن في هذه الظروف تحديداً، كان يُفترَض أن يكون التواصل مع الناس أوضح، وأن يعرف السكّان ماذا تفعل البلدية، وما الذي تستطيع فعله، وما الذي تعجز عنه ولماذا. 

البلدية ليست مطالبة بإنهاء الحرب أو حلّ أزمة الدولة، هي مطالبة بإدارة ما يقع ضمن صلاحياتها، وتحديد أولوياتها، والتنسيق مع الجهات المعنيّة، والتواصل بشفافية مع السكّان.

فأين البلدية من الناس؟ وأين خطّتها ومشاريعها وموازناتها وقراراتها؟ من حقّ الناس أن يسألوا البلدية عمّا تفعله، وأن يطالبوها بالنتائج، لا أن يخرج المسؤولون ليشكوا للناس من طريقة عمل المؤسّسة التي يُفترَض أن يديروها. 

البلدية مؤسّسة عامّة، وعلاقتها بالناس لا تقوم فقط على تقديم الخدمات، بل أيضاً على التواصل معهم وإتاحة مساءلتها.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الطريقة التي أدارت بها القوى السياسية معركة انتخابات العام 2025، فأداء بلدية بيروت مسألة إدارية منفصلة عن السياسة التي أنتجت هذا المجلس. 

ففي انتخابات 2025، شهدت العاصمة واحداً من أكثر التحالفات الانتخابية غرابة: “القوّات اللبنانية” و”حزب الله”، “الكتائب” و”التيّار الوطني الحرّ”، حركة “أمل” وقوى وشخصيّات أخرى تختلف وتتواجه في السياسة الوطنية، اجتمعت كلها تقريباً في لائحة واحدة. قوى لا تكاد تتّفق على ملفّ سيادي أو اقتصادي أو سياسي أساسي، وجدت صيغة للتفاهم حين تعلّق الأمر بالانتخابات البلدية في بيروت.

قدّمت هذه القوى تحالفها يومها تحت عنوان حماية المناصفة والتوازنات في العاصمة. لكنّ النتيجة العملية كانت أيضاً تشكيل جبهة حزبية عريضة في مواجهة القوى المستقلّة، وفي مقدّمتها ائتلاف «بيروت مدينتي». ونجحت الجبهة: حصدت لائحة «بيروت بتجمعنا» 23 مقعداً من أصل 24، ولم يتمكّن «بيروت مدينتي» من إيصال أي من مرشّحيه إلى المجلس.

وهكذا تصبح المساءلة اليوم أكثر من مشروعة. فمن استطاع جمع كل هذه القوى المتناقضة في ماكينة انتخابية واحدة، ألا يُفترَض أن يكون قادراً على جمعها حول خطّة للنفايات والسير والمجاري والمساحات العامّة وأملاك البلدية؟ ومن امتلك القدرة على التنسيق لحماية الحصص والتوازنات، لماذا يبدو عاجزاً عن التنسيق لإصلاح ثلاث آليّات معطّلة أو تحديد أولويات واضحة لمدينة تمتلك البلدية نفسها، بحسب أحد أعضائها، الأموال اللازمة للعمل؟

كان يمكن للقوى المتحالفة آنذاك أن تختلف مع ائتلاف “بيروت مدينتي” على الحلول، كان يمكن القول إن برنامجه غير واقعي، أو إن بعض مشاريعه مكلفة، أو إن أولوياته خاطئة، وكان يمكن أن تُخاض المعركة حول النقل والنفايات والمساحات العامّة والأملاك البلدية والبنية التحتية والحوكمة.

لكنّ المعركة لم تكن بين برامج ورؤى مختلفة لإدارة بيروت. وبدلاً من مناقشة ما اقترحه ائتلاف “بيروت مدينتي”، جرى التصويب على القيم التي حملها: المساواة، والحرّيات، والمشاركة، وحقّ جميع سكّان المدينة في الإسهام في صنع مستقبلها. قُدّمت هذه القيم وكأنها تهديد لهويّة بيروت ونسيجها وتوازناتها الطائفية، فتجاوزت القوى السياسية التقليدية خلافاتها وتوحّدت في لائحة واحدة لمواجهة الائتلاف.

واليوم، لا يعود فشل البلدية مجرّد خلل إداري أو مسؤولية أفراد متفرّقين. فاللائحة الفائزة كانت ثمرة تكتّل حزبي واسع ضمّ قوى تختلف في كل شيء تقريباً، لكنّها اتّفقت على مواجهة ائتلاف “بيروت مدينتي”، وقدّم هذا التكتّل نفسه على أنه “الأكثر قدرة” على حماية بيروت وإدارتها، لكن بعد خمسة عشر شهراً، لا يزال من الصعب على سكّان المدينة أن يروا خطّة واضحة أو إنجازاً ملموساً أو علاقة منتظمة مع البلدية. لذلك، لا تمثّل بلدية بيروت مجرّد تجربة بلدية متعثّرة، بل نموذجاً مصغّراً عن كفاءة المنظومة مجتمعة: تتقن حشد القوى لمواجهة المنافس، ثم تتعطّل عندما يحين وقت العمل وتحمّل المسؤولية.

لم تكن المواجهة، إذاً، مع برنامج بلدي فحسب، بل مع نموذج سياسي مختلف: مواطنات ومواطنون يدخلون العمل العامّ من خارج الاصطفافات التقليدية، ويضعون أمام الناس برنامجاً واضحاً يقبلون أن يُحاسَبوا على أساسه.

لا أدّعي أن ائتلاف «بيروت مدينتي» كان سينجح في تنفيذ كل ما وعد به لو فاز، لكنْ ثمّة فرق سياسي جوهري بين مشروع يمكن مناقشته ومساءلته وفق برنامج معلن، وبين انتخابات تُخاض عبر استنفار العصبيات وتخويف الناس من الآخر.

بعد خمسة عشر شهراً، لا يمكننا أن نعرف كيف كانت ستبدو المدينة لو فاز ائتلاف «بيروت مدينتي»، لكن يمكننا أن نسأل، في ضوء ما آلت إليه الأمور: هل كان ذلك التكتّل الحزبي من أجل بيروت، أم ضد ائتلاف «بيروت مدينتي»؟

أمّا إدارة المدينة بالخوف والمحاصصة وحماية التوازنات السياسية، فلا تنتج بلدية قادرة ولا مدينة أفضل. بيروت لا تُدار بالخوف من الآخر، بل بالرؤية والعمل والمساءلة وبعلاقة حقيقية مع جميع سكّانها.

وائل السواح- كاتب سوري | 05.09.2026

بعد الأسد… كيف نُنصف الضحايا من دون أن نصنع “عدالة المنتصر”؟

لا أعتقد أن المؤسّسات التي أُنشئت حتى الآن تتمتّع بالاستقلال الذي تتطلّبه هذه المهمّة. فالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وهيئة المفقودين مرتبطتان بالسلطة التنفيذية، في حين يُفترَض بالمؤسّسات المعنيّة بكشف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها أن تكون قادرة، عند الضرورة، على فتح ملفّات تمسّ السلطة نفسها أو جهات قريبة منها.
26.08.2026
زمن القراءة: 4 minutes

أين بلدية بيروت من الناس؟ وأين خطّتها ومشاريعها وموازناتها وقراراتها؟ من حقّ الناس أن يسألوا البلدية عمّا تفعله، وأن يطالبوها بالنتائج، لا أن يخرج المسؤولون ليشكوا للناس من طريقة عمل المؤسّسة التي يُفترَض أن يديروها. 


مرّ نحو خمسة عشر شهراً على الانتخابات البلدية في بيروت، وهي مدّة كافية لنسأل: ماذا تغيّر في المدينة؟ ماذا أنجز المجلس البلدي؟ وما الذي يستطيع سكّان بيروت أن يلمسوه فعلياً في شوارعهم وخدماتهم وحياتهم اليومية؟

قبل أيّام، أطلّ أحد أعضاء المجلس البلدي في حديث علني ليقرّ بأن العمل داخل المجلس لا يسير كما يجب، وبوجود صعوبة في تحديد المشكلات ومعالجتها، فضلاً عن تعطّل أجهزة تابعة للبلدية والعجز عن إصلاحها. 

وفي حديثه نفسه، قال بوضوح: “معنا مصاري كتير، بس منا عارفين كيف نشتغل”. وهذه شهادة من داخل المجلس عن خلل يطال طريقة إدارة المدينة.

الحفر منتشرة في شوارع بيروت، وما زالت مناطق مختلفة من المدينة تعاني من مشكلة المجاري، فيما قال عضو المجلس إن ثلاث سيّارات “أكواتاك” تابعة للبلدية معطّلة، ما يحدّ من قدرة البلدية على فتح المجاري ومعالجة المشكلة. 

أمّا في ملفّ النفايات، فأقرّ بعدم وجود خطّة واضحة: لا فرز من المصدر، ولا تسبيخ، ولا طمر، ولا حرق، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أازمة السير: لا خطّة لمعالجتها.

صحيح أن بيروت مرّت بظروف استثنائية. أثقلتها الحرب، وفرض النزوح ضغطاً إضافياً على بنيتها التحتية وخدماتها، فيما زادت الأزمة الاقتصادية والمؤسّساتية عمل البلدية صعوبة. لكن في هذه الظروف تحديداً، كان يُفترَض أن يكون التواصل مع الناس أوضح، وأن يعرف السكّان ماذا تفعل البلدية، وما الذي تستطيع فعله، وما الذي تعجز عنه ولماذا. 

البلدية ليست مطالبة بإنهاء الحرب أو حلّ أزمة الدولة، هي مطالبة بإدارة ما يقع ضمن صلاحياتها، وتحديد أولوياتها، والتنسيق مع الجهات المعنيّة، والتواصل بشفافية مع السكّان.

فأين البلدية من الناس؟ وأين خطّتها ومشاريعها وموازناتها وقراراتها؟ من حقّ الناس أن يسألوا البلدية عمّا تفعله، وأن يطالبوها بالنتائج، لا أن يخرج المسؤولون ليشكوا للناس من طريقة عمل المؤسّسة التي يُفترَض أن يديروها. 

البلدية مؤسّسة عامّة، وعلاقتها بالناس لا تقوم فقط على تقديم الخدمات، بل أيضاً على التواصل معهم وإتاحة مساءلتها.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الطريقة التي أدارت بها القوى السياسية معركة انتخابات العام 2025، فأداء بلدية بيروت مسألة إدارية منفصلة عن السياسة التي أنتجت هذا المجلس. 

ففي انتخابات 2025، شهدت العاصمة واحداً من أكثر التحالفات الانتخابية غرابة: “القوّات اللبنانية” و”حزب الله”، “الكتائب” و”التيّار الوطني الحرّ”، حركة “أمل” وقوى وشخصيّات أخرى تختلف وتتواجه في السياسة الوطنية، اجتمعت كلها تقريباً في لائحة واحدة. قوى لا تكاد تتّفق على ملفّ سيادي أو اقتصادي أو سياسي أساسي، وجدت صيغة للتفاهم حين تعلّق الأمر بالانتخابات البلدية في بيروت.

قدّمت هذه القوى تحالفها يومها تحت عنوان حماية المناصفة والتوازنات في العاصمة. لكنّ النتيجة العملية كانت أيضاً تشكيل جبهة حزبية عريضة في مواجهة القوى المستقلّة، وفي مقدّمتها ائتلاف «بيروت مدينتي». ونجحت الجبهة: حصدت لائحة «بيروت بتجمعنا» 23 مقعداً من أصل 24، ولم يتمكّن «بيروت مدينتي» من إيصال أي من مرشّحيه إلى المجلس.

وهكذا تصبح المساءلة اليوم أكثر من مشروعة. فمن استطاع جمع كل هذه القوى المتناقضة في ماكينة انتخابية واحدة، ألا يُفترَض أن يكون قادراً على جمعها حول خطّة للنفايات والسير والمجاري والمساحات العامّة وأملاك البلدية؟ ومن امتلك القدرة على التنسيق لحماية الحصص والتوازنات، لماذا يبدو عاجزاً عن التنسيق لإصلاح ثلاث آليّات معطّلة أو تحديد أولويات واضحة لمدينة تمتلك البلدية نفسها، بحسب أحد أعضائها، الأموال اللازمة للعمل؟

كان يمكن للقوى المتحالفة آنذاك أن تختلف مع ائتلاف “بيروت مدينتي” على الحلول، كان يمكن القول إن برنامجه غير واقعي، أو إن بعض مشاريعه مكلفة، أو إن أولوياته خاطئة، وكان يمكن أن تُخاض المعركة حول النقل والنفايات والمساحات العامّة والأملاك البلدية والبنية التحتية والحوكمة.

لكنّ المعركة لم تكن بين برامج ورؤى مختلفة لإدارة بيروت. وبدلاً من مناقشة ما اقترحه ائتلاف “بيروت مدينتي”، جرى التصويب على القيم التي حملها: المساواة، والحرّيات، والمشاركة، وحقّ جميع سكّان المدينة في الإسهام في صنع مستقبلها. قُدّمت هذه القيم وكأنها تهديد لهويّة بيروت ونسيجها وتوازناتها الطائفية، فتجاوزت القوى السياسية التقليدية خلافاتها وتوحّدت في لائحة واحدة لمواجهة الائتلاف.

واليوم، لا يعود فشل البلدية مجرّد خلل إداري أو مسؤولية أفراد متفرّقين. فاللائحة الفائزة كانت ثمرة تكتّل حزبي واسع ضمّ قوى تختلف في كل شيء تقريباً، لكنّها اتّفقت على مواجهة ائتلاف “بيروت مدينتي”، وقدّم هذا التكتّل نفسه على أنه “الأكثر قدرة” على حماية بيروت وإدارتها، لكن بعد خمسة عشر شهراً، لا يزال من الصعب على سكّان المدينة أن يروا خطّة واضحة أو إنجازاً ملموساً أو علاقة منتظمة مع البلدية. لذلك، لا تمثّل بلدية بيروت مجرّد تجربة بلدية متعثّرة، بل نموذجاً مصغّراً عن كفاءة المنظومة مجتمعة: تتقن حشد القوى لمواجهة المنافس، ثم تتعطّل عندما يحين وقت العمل وتحمّل المسؤولية.

لم تكن المواجهة، إذاً، مع برنامج بلدي فحسب، بل مع نموذج سياسي مختلف: مواطنات ومواطنون يدخلون العمل العامّ من خارج الاصطفافات التقليدية، ويضعون أمام الناس برنامجاً واضحاً يقبلون أن يُحاسَبوا على أساسه.

لا أدّعي أن ائتلاف «بيروت مدينتي» كان سينجح في تنفيذ كل ما وعد به لو فاز، لكنْ ثمّة فرق سياسي جوهري بين مشروع يمكن مناقشته ومساءلته وفق برنامج معلن، وبين انتخابات تُخاض عبر استنفار العصبيات وتخويف الناس من الآخر.

بعد خمسة عشر شهراً، لا يمكننا أن نعرف كيف كانت ستبدو المدينة لو فاز ائتلاف «بيروت مدينتي»، لكن يمكننا أن نسأل، في ضوء ما آلت إليه الأمور: هل كان ذلك التكتّل الحزبي من أجل بيروت، أم ضد ائتلاف «بيروت مدينتي»؟

أمّا إدارة المدينة بالخوف والمحاصصة وحماية التوازنات السياسية، فلا تنتج بلدية قادرة ولا مدينة أفضل. بيروت لا تُدار بالخوف من الآخر، بل بالرؤية والعمل والمساءلة وبعلاقة حقيقية مع جميع سكّانها.