ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن كلفة صناعة الجوع في غزة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يصفه معلقون بأنه “تسليح الجوع”. جوع الغزيين وموتهم يُكرّسان بوصفهما عملية تتم إدارتها: تُموَّل، وتُنظَّم، وتُحسَب تكاليفها كما تُحسب تكاليف أي مشروع آخر.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

عظام تبدو أوضح من الجلد، ووجوه ضامرة وعيون أهل ذابلة يائسة تحدّق في الفراغ.
هي صور باتت وكأنها العلامة الفارقة لغزة اليوم، حيث نُطبع مع مشهد موت أطفال القطاع البطيء جوعاً أمام الكاميرات.

من لم تبرز عظامه يحاول استغلال ما تبقى من قوته للسير كيلومترات عدة وسط الشمس والرمال بغية الحصول على كرتونة مساعدات. وهناك يقف جنود إسرائيليون عند حواجز معدنية، لا يهتمون بالأمعاء الخاوية بقدر ما يترصدون كيف يمكن اصطياد العابرين كالعصافير وقتلهم.

المفارقة أن جوع الغزيين وموتهم يُكرّسان بوصفهما عملية تتم إدارتها: تُموَّل، وتُنظَّم، وتُحسَب تكاليفها كما تُحسب تكاليف أي مشروع آخر.

الجوع هناك ليس حادثًا طبيعيًا ولا نتيجة عجز اقتصادي، بل استراتيجية سياسية، مُحكمة الكلفة مثلما يُحكم الحصار. والمفارقة المذهلة أن إدارة التجويع تكلّف أموالًا طائلة: إنشاء الحواجز، تمويل القوات، دفع مرتبات الجنود الذين يفرضون التجويع ويقتلون الجوعى الباحثين عن مساعدات، تنظيم الممرات التي يسير عليها يومياً آلاف الفلسطينيين بحثًا عن كرتونة من المؤن، مراقبة التحركات، وحتى السيطرة على مسار شاحنات الإغاثة.

هذا كله يكلف مالًا وفيرًا..

التجويع في غزة ليس فقط جريمة أخلاقية، بل مشروع اقتصادي ذو بنية كاملة، تدعمه مليارات الدولارات. الإنفاق على الحرب لا يقتصر على شراء الأسلحة، بل يمتد إلى تمويل منظومة تجويع كاملة، تُحرم من خلالها الأسواق المحلية من الموارد، وتُفكّك سلاسل الإمداد.

اقتصاد الحرب لا يعمل فقط على مستوى القصف والهدم، بل في إعادة هيكلة الحياة اليومية بحيث يصبح البقاء نفسه صعبًا ومكلفًا.

في غزة، تُوجَّه الأموال الضخمة نحو تشغيل الآلة العسكرية: رواتب الجنود، تكنولوجيا المراقبة، صيانة الدبابات والطائرات، بناء الحواجز، وإدارة الممرات الضيقة التي يضطر الناس لعبورها سيرًا لمسافات تصل أحيانًا إلى 12 كيلومترًا للحصول على مساعدات تُمنع في اللحظة الأخيرة.

وصف بعض المعلّقين هذه السياسة بأنها “تسليح الجوع”، أي أنه ليس مجرد حرمان من الغذاء، بل استخدامه كأداة ضغط وتفاوض.

هذا الحصار المعاصر يدار بأسلوب منظم: التحكم في أعداد الشاحنات، اختيار مواقع التسليم، وإدارة المخاطر على نحو يضاعف المعاناة بدل تقليلها.

والجوع، على عكس ما يبدو، ليس بلا كلفة. هناك ميزانيات تُرصد لتأمين “فعالية” الحصار:

بناء الحواجز الأمنية وإدارتها.

تكنولوجيا المراقبة الحرارية والطائرات المسيّرة لمتابعة حركة الأفراد.

تكاليف منع المساعدات أو تأخيرها، وهو ما يتطلب إدارة ميدانية وقانونية.

النفقات اللوجستية لضمان أن يبقى “الضغط” قائمًا على السكان.

كل دولار يُصرف على هذه العمليات هو دولار يُسحب من إمكانات الإنقاذ أو إعادة الإعمار.

تدمير البنية الغذائية في غزة ليس حدثًا موقتًا. الأجيال التي تنشأ في بيئة المجاعة ستواجه آثارًا بيولوجية ومعرفية لا رجعة فيها. وهذا التدمير المتعمد للبنية الإنتاجية والمخزون الغذائي يعني أن إعادة الإعمار لن تكون مجرد مسألة بناء منازل، بل إعادة بناء قدرات بشرية تضررت جذريًا.

هنا، يصبح الاقتصاد أداة للجريمة: الميزانيات المخصّصة للحصار والتجويع ليست حيادية، بل مشاركة في الفعل الإجرامي نفسه.

تقدّر Oxfam أن أقل من 3 في المئة من الإنفاق العسكري لدول مجموعة السبع يكفي لإنهاء الجوع عالميًا وسداد ديون الجنوب العالمي.

وبحسب برنامج الأغذية العالمي، فإن العالم الذي ينفق سنويًا ما يزيد عن 2.72 تريليون دولار على التسليح العسكري، يمكنه إنهاء الجوع العالمي بتكلفة لا تتجاوز الـ40 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو 1.5 في المئة فقط من الإنفاق العسكري العالمي.

حتى في السيناريوهات الأكثر تساهلاً والتي تدمج القضاء على الفقر وتحسين البنى الزراعية، وتصل تكلفتها إلى 265 مليار دولار سنويًا، تبقى هذه الكلفة أقل من 10 في المئة مما يُصرف على الجيوش والأسلحة.

هذه المقارنات تكشف مفارقة صارخة: جزء ضئيل من الموارد المخصصة للحروب قادر، لو أُعيد توجيهه، على إنهاء أحد أكثر أشكال المعاناة الإنسانية انتشارًا.

في غزة، يظهر هذا التناقض بأوضح صوره: الأموال التي تُنفق لتقييد دخول الغذاء، أو لتدمير البيوت والمستشفيات والمدارس، أو لتعطيل المعابر، يمكن أن تحوّل الوضع جذريًا لو أعيد توجيهها نحو الحياة بدل الموت.

العظام الناتئة لأطفال غزة هي نتاج قرار طويل الأمد، مُموَّل ومنظَّم، بجعل الجوع أداة حرب.

السؤال الذي يجب أن يظل معلقًا في وجه هذا العالم: كم من العظام الهزيلة يجب أن تُعرض على شاشاتنا قبل أن ندرك أن الجوع ليس شأناً عارضًا، بل صناعة… وأن إنهاء هذه الصناعة يبدأ بتغيير أولويات الإنفاق من القتل إلى الحياة.

يصفه معلقون بأنه “تسليح الجوع”. جوع الغزيين وموتهم يُكرّسان بوصفهما عملية تتم إدارتها: تُموَّل، وتُنظَّم، وتُحسَب تكاليفها كما تُحسب تكاليف أي مشروع آخر.


عظام تبدو أوضح من الجلد، ووجوه ضامرة وعيون أهل ذابلة يائسة تحدّق في الفراغ.
هي صور باتت وكأنها العلامة الفارقة لغزة اليوم، حيث نُطبع مع مشهد موت أطفال القطاع البطيء جوعاً أمام الكاميرات.

من لم تبرز عظامه يحاول استغلال ما تبقى من قوته للسير كيلومترات عدة وسط الشمس والرمال بغية الحصول على كرتونة مساعدات. وهناك يقف جنود إسرائيليون عند حواجز معدنية، لا يهتمون بالأمعاء الخاوية بقدر ما يترصدون كيف يمكن اصطياد العابرين كالعصافير وقتلهم.

المفارقة أن جوع الغزيين وموتهم يُكرّسان بوصفهما عملية تتم إدارتها: تُموَّل، وتُنظَّم، وتُحسَب تكاليفها كما تُحسب تكاليف أي مشروع آخر.

الجوع هناك ليس حادثًا طبيعيًا ولا نتيجة عجز اقتصادي، بل استراتيجية سياسية، مُحكمة الكلفة مثلما يُحكم الحصار. والمفارقة المذهلة أن إدارة التجويع تكلّف أموالًا طائلة: إنشاء الحواجز، تمويل القوات، دفع مرتبات الجنود الذين يفرضون التجويع ويقتلون الجوعى الباحثين عن مساعدات، تنظيم الممرات التي يسير عليها يومياً آلاف الفلسطينيين بحثًا عن كرتونة من المؤن، مراقبة التحركات، وحتى السيطرة على مسار شاحنات الإغاثة.

هذا كله يكلف مالًا وفيرًا..

التجويع في غزة ليس فقط جريمة أخلاقية، بل مشروع اقتصادي ذو بنية كاملة، تدعمه مليارات الدولارات. الإنفاق على الحرب لا يقتصر على شراء الأسلحة، بل يمتد إلى تمويل منظومة تجويع كاملة، تُحرم من خلالها الأسواق المحلية من الموارد، وتُفكّك سلاسل الإمداد.

اقتصاد الحرب لا يعمل فقط على مستوى القصف والهدم، بل في إعادة هيكلة الحياة اليومية بحيث يصبح البقاء نفسه صعبًا ومكلفًا.

في غزة، تُوجَّه الأموال الضخمة نحو تشغيل الآلة العسكرية: رواتب الجنود، تكنولوجيا المراقبة، صيانة الدبابات والطائرات، بناء الحواجز، وإدارة الممرات الضيقة التي يضطر الناس لعبورها سيرًا لمسافات تصل أحيانًا إلى 12 كيلومترًا للحصول على مساعدات تُمنع في اللحظة الأخيرة.

وصف بعض المعلّقين هذه السياسة بأنها “تسليح الجوع”، أي أنه ليس مجرد حرمان من الغذاء، بل استخدامه كأداة ضغط وتفاوض.

هذا الحصار المعاصر يدار بأسلوب منظم: التحكم في أعداد الشاحنات، اختيار مواقع التسليم، وإدارة المخاطر على نحو يضاعف المعاناة بدل تقليلها.

والجوع، على عكس ما يبدو، ليس بلا كلفة. هناك ميزانيات تُرصد لتأمين “فعالية” الحصار:

بناء الحواجز الأمنية وإدارتها.

تكنولوجيا المراقبة الحرارية والطائرات المسيّرة لمتابعة حركة الأفراد.

تكاليف منع المساعدات أو تأخيرها، وهو ما يتطلب إدارة ميدانية وقانونية.

النفقات اللوجستية لضمان أن يبقى “الضغط” قائمًا على السكان.

كل دولار يُصرف على هذه العمليات هو دولار يُسحب من إمكانات الإنقاذ أو إعادة الإعمار.

تدمير البنية الغذائية في غزة ليس حدثًا موقتًا. الأجيال التي تنشأ في بيئة المجاعة ستواجه آثارًا بيولوجية ومعرفية لا رجعة فيها. وهذا التدمير المتعمد للبنية الإنتاجية والمخزون الغذائي يعني أن إعادة الإعمار لن تكون مجرد مسألة بناء منازل، بل إعادة بناء قدرات بشرية تضررت جذريًا.

هنا، يصبح الاقتصاد أداة للجريمة: الميزانيات المخصّصة للحصار والتجويع ليست حيادية، بل مشاركة في الفعل الإجرامي نفسه.

تقدّر Oxfam أن أقل من 3 في المئة من الإنفاق العسكري لدول مجموعة السبع يكفي لإنهاء الجوع عالميًا وسداد ديون الجنوب العالمي.

وبحسب برنامج الأغذية العالمي، فإن العالم الذي ينفق سنويًا ما يزيد عن 2.72 تريليون دولار على التسليح العسكري، يمكنه إنهاء الجوع العالمي بتكلفة لا تتجاوز الـ40 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو 1.5 في المئة فقط من الإنفاق العسكري العالمي.

حتى في السيناريوهات الأكثر تساهلاً والتي تدمج القضاء على الفقر وتحسين البنى الزراعية، وتصل تكلفتها إلى 265 مليار دولار سنويًا، تبقى هذه الكلفة أقل من 10 في المئة مما يُصرف على الجيوش والأسلحة.

هذه المقارنات تكشف مفارقة صارخة: جزء ضئيل من الموارد المخصصة للحروب قادر، لو أُعيد توجيهه، على إنهاء أحد أكثر أشكال المعاناة الإنسانية انتشارًا.

في غزة، يظهر هذا التناقض بأوضح صوره: الأموال التي تُنفق لتقييد دخول الغذاء، أو لتدمير البيوت والمستشفيات والمدارس، أو لتعطيل المعابر، يمكن أن تحوّل الوضع جذريًا لو أعيد توجيهها نحو الحياة بدل الموت.

العظام الناتئة لأطفال غزة هي نتاج قرار طويل الأمد، مُموَّل ومنظَّم، بجعل الجوع أداة حرب.

السؤال الذي يجب أن يظل معلقًا في وجه هذا العالم: كم من العظام الهزيلة يجب أن تُعرض على شاشاتنا قبل أن ندرك أن الجوع ليس شأناً عارضًا، بل صناعة… وأن إنهاء هذه الصناعة يبدأ بتغيير أولويات الإنفاق من القتل إلى الحياة.