وكأنه لم يبقَ لنا سوى الكتابة.
في يوم واحد: عشر ضحايا في قصف على السكسكية، مسيّرة تلاحق عاملاً سورياً وابنته على دراجة نارية فتقتلهما، تدمير دارة سعد الزين التراثية في كفر رمان، وسيل من القصف الإسرائيلي المركّز على قرى الجنوب.
هذا يوم “عادي” آخر انقضى…
لكنني لست في الجنوب. أكتب من شعور لا أعرف كيف أرتّبه: عجز، وظلم، وغصّة، وحيرة كبيرة. أعيش في بيروت، هذه العاصمة التي تبدو أحياناً مركز الصورة واللغة والحداد، وهي نفسها المدينة التي لجأ إليها كثيرون منّا. وصل إليها نازحون من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، بعدما تركوا بيوتهم على رجاء عودة ليس واضحاً متى تتحقق.
بات قصفنا وموتنا عاديين بالكاد يُلحظان. تكرّس هذا بعد الأربعاء الدامي الذي أصاب بيروت في 8 نيسان/ أبريل الماضي، حين قتل القصف الإسرائيلي نحو 350 لبنانياً ولبنانية، وجرح نحو 1200 آخرين. بعدها، ساهمت التفاهمات في تحييد العاصمة وإعلان وقف إطلاق نار جزئي لم يشمل الجنوب، الذي استمر فيه عدّاد الموت والتدمير بوتيرة حادة…
الجنوب يُدمَّر فيما الحياة في بيروت تسير شبه عادية. هذه المفارقة تملؤني أسى. لا أكتب عن بيروت بوصفها خصماً. كيف تكون خصماً وهي أيضاً ملاذ؟
يتنازعني تناقض جارح: كيف تكون المدينة ملاذاً لنا، وفي الوقت نفسه مركزاً رمزياً يكشف، كلما أصابها القصف، كم كان موتنا اليومي في الأطراف أقل مرئية، وأقل قدرة على استدعاء الحداد العام؟
أنا، كجنوبية، أعيش هذا التمزق بين حرب إسرائيلية شرسة تطارد قرانا وبيوتنا وذاكرتنا، وبين شعور دفين بأن خساراتنا لا تصير “لبنانية” بالكامل إلا حين تقترب من العاصمة. عشت هذا التناقض بقسوة بعد يوم الأربعاء الدامي في 8 نيسان/ أبريل، حين استهدفت إسرائيل قلب بيروت بقصف واسع ودموي.
في ذلك اليوم، لم يكن الوجع على بيروت موضع سؤال. بيروت تُقصف، وهذا وحده كافٍ للغضب والحزن والخوف. لكن السؤال الذي نهشني كان في مكان آخر: لماذا بدا البلد كأنه استفاق فجأة على أن الحرب قائمة؟
ليست الغصّة من الحزن على بيروت، بل من تفاوت الحزن. من أن يصير الألم حدثاً وطنياً فقط حين يبلغ المركز، بينما يبقى في الأطراف خبراً متكرراً، رقماً إضافياً، صورة بيت مهدّم، أو اسماً جديداً في نشرة طويلة.
بين العاصمة كملاذ والعاصمة كصورة
منذ كنت طفلة، شعرت أنني أعيش على هامش بيروت، بمعنى أن النظام اللبناني، بإعلامه وسياسته وذاكرته العامة، جعل منها مركز الحكاية. كأن ما يحدث في العاصمة يملك قدرة أكبر على أن يُرى ويُسمّى ويُرثى، بينما ما يحدث بعيداً عنها يبقى غالباً في الخلفية.
هذا الشعور عززته مشاهد كثيرة خلال الحرب: خيم النازحين في البيال، قبالة الشقق الفارهة، أجساد تفترش الأرض بينما تستمر حياة المدينة بإيقاعها المعتاد، نازحون يحاولون ترتيب ما تبقى من حياتهم داخل مدينة لم تتوقف تماماً، وليس مطلوباً منها أن تفعل.
لا أقول ذلك إدانة للناس. فالحياة، حتى في زمن الحرب، تبحث عن طريقة كي تستمر، ونحن نستمر معها على رغم كل ما أصابنا. لكن استمرار الحياة قرب الفاجعة يجعل التفاوت أكثر إيلاماً، وأكثر عرياً.
لا أحد يريد أن تتحول البلاد كلها إلى مأتم دائم. من حق سكان المناطق الأقل تعرضاً للقصف أن يحاولوا التقاط أنفاسهم وحياتهم، وأن يذهبوا إلى أعمالهم، أو أن يمشوا على البحر، ويشتروا خبزهم، أو يربّوا أطفالهم. ماذا بوسع الناس أن تفعل أمام حرب طويلة تُنهك الجميع بدرجات مختلفة؟
لكن ما يصعب ابتلاعه هو أن يبدو موتنا، بعد تكراره، كأنه فقد قدرته على الصدمة. أن يصبح قصف الجنوب تفصيلاً مألوفاً، ونزوح أهله مشهداً متوقعاً، وتدمير قراه وتجريف بيوته وكأنهما جزء من طبيعة الحرب.
كتب علي مطر عبر منصة فيسبوك: “ربما لم نمت بما فيه الكفاية”. هذه الجملة أصابتني لأنها تختصر شعوراً جارحاً، هل موتنا اليومي لم يكن كافياً ليستدعي الحداد، وليصير يومنا أسود. لم يكن كافياً كي تُرى خسارتنا ككارثة وطنية كاملة، لا ككلفة متوقعة لحربٍ تدور “هناك”.
إقرأوا أيضاً:
صورة جبل الريحان بأشجاره المحترقة جراء الغارات الإسرائيلية، ليست أقل وجعاً من صورة بيروت المكسورة. انهيار ذاكرة قرية، واحتراق مكانٍ كنا نمضي فيه الربيع، وفقدان بيتٍ عمره من عمر العائلة، ليست خسائر هامشية. لكنها لا تدخل دائماً إلى اللغة العامة بوصفها فاجعة مكتملة.
الموت أراه كل يوم، الخوف من أن تكون عائلتي هي الصورة التالية، والرقم التالي في جنوب لبنان هو هاجسي. كل يوم نعيشه هو يوم نجاة بالنسبة إلينا. وكل يوم هو خسارة أخرى، نعدّ فيها من وما فقدنا: من الحجر والبشر، من البيوت والحقول، من الطريق إلى القرية، ومن القدرة على تخيّل العودة.
لكن اللامرئية التي أتحدث عنها ليست جغرافية فقط، وليست مرتبطة بالعاصمة وحدها. هي سياسية وأخلاقية أيضاً. فإذا كانت مركزية بيروت تكشف خللاً في توزيع الحزن والظهور، فإن خطاب حزب الله يذهب أبعد من ذلك. فهو لا يكتفي بجعل خساراتنا غير مرئية، بل يحاول أن يجعل حزننا نفسه غير مشروع.
إنها سردية طويلة جعلت من الجنوب والبقاع والضاحية مساحات “طبيعية” للحرب، كأن الموت فيها جزء من تكوينها، لا عنفاً واسعاً وتدميراً ممنهجاً للحياة والبيوت والأرزاق والذاكرة. كأننا خُلقنا لنكون أرقاماً، و”سعداء”، و”مشاريع شهداء”، على نحو ما يصف حزب الله ضحايا الحرب، لا بشراً لهم ملامح وذكريات ويوميات، وحق في الحياة، وحق في الأمان، وحق في الحزن، وحق في أن يكون موتهم مرئياً وحقيقياً.
هذه السردية عززها حزب الله بخطابه عن الصبر والصمود والاحتكام لأمر القيادة. عززها بتلقيب الشهداء بـ”السعداء” – من يسعد لموته يا الله؟ – وبزغاريد الأمهات، وبالفدائية، وبنزع الأنسنة عن الناس وعن حزنهم على دمار منازلهم وفقد أحبّتهم.
كل شيء يجب أن يكون فداءً لأحد. وإن لم نقبل بذلك، نصبح كأننا غير جديرين “بالدماء التي تُقدَّم لأجلنا”. يصبح المطلوب أن نعطي شيئاً في المقابل: موتنا اليومي، ومنازلنا، وأرضنا، ونزوحنا، وكل هذا الذل، بصمت. بصمت واضح، وإسكات لصوت الدمعة كي لا يطغى على ضجة “الانتصار”.
يمارس حزب الله محاولات واضحة لضبط الحزن داخل روايته. إذ قال رئيس كتلته النيابية محمد رعد إن “التباكي على الخسائر والضحايا إبّان مواجهة ومقاومة العدو المجرم يصبح عزفاً وتحريضاً مجانياً ورقصاً على جراح الشرفاء، وتهليلاً وتوظيفاً لئيماً وحاقداً لجرائم وغارات العدو”.
هذه العبارة تختصر الكثير: الحزن نفسه يصبح تهمة. البكاء يتحول إلى تحريض. والحديث عن الخسائر يصير “رقصاً على الجراح”. هكذا يُنتزع من الناس حقهم البديهي في التعبير عن الألم، وتُعاد صياغة الفاجعة باعتبارها مادة يجب أن تخدم خطاب الصمود، لا حياة البشر.
وتستمر هذه المحاولات في الميدان أيضاً، حين يُمنع الصحافيون والصحافيات من التصوير مع النازحين والنازحات في أماكن نزوحهم، أو أمام منازلهم المدمّرة في مناطق خاضعة لسيطرة الحزب، خوفاً من زلّة حزن قد تخرّب لوحة “الانتصار” الكبيرة.
مناصرو حزب الله يعزفون على اللحن نفسه، عبر قمع الأصوات التي تعلو مفجوعة بخسائرها. فادية حناوي مثالاً: السيدة اللبنانية التي نزحت من بلدة عيترون الحدودية، وسقطت دمعتها أمام الكاميرا، فوجدت نفسها أمام جمهور لا يرحم، حوّل حقها في الحزن إلى اتهام.
حتى الموت قهراً يحاولون إنكاره. بعد خبر وفاة الحاج حسين فقيه، أبو علي، الذي ارتبطت صورته بمشهد جلوسه أمام منزله المدمّر بفعل القصف الإسرائيلي، سارع بعض المناصرين إلى نفي أن يكون موته قهراً. كأن المطلوب ليس فقط إنكار الحزن، بل إنكار العلاقة بين الفقد والجسد، بين البيت المنهار والقلب المنهك، بين الركام والموت البطيء.
محاولة إسكات فادية، ومحاولة إسكات الموت نفسه، هما محاولتان للمحو. محاولتان لجعل الخسائر كلها لا مرئية، مجرد أضرار جانبية لحرب أوسع. إنه انتزاع للحظة الحزن والموت، واستبدال مفروض لهما بابتسامة أمام الكاميرات، يجب أن تُكلّل بالقول إن كل هذا الركام والدمار فداء للمقاومة.
كم يجب أن يكون حجم الفاجعة، بمقياس حزب الله، كي يُسمح لنا بالبكاء عليها؟ متى يصبح التفجّع مشروعاً؟
يجب أن نمتلك حق التفجّع بأصغر غصّة في هذه الحرب، لا بالموت فقط، بل بعدد الساعات التي أمضاها النازحون على الطرقات في الزحمة الخانقة، بالنزوح لأكثر من ثلاث مرات، بأمل العودة ثم النزوح مجدداً، بفقدان الأحبة والذاكرة الجماعية، بالهدم الذي نراه أمام أعيننا، بشعور الإبعاد قسراً عن القرية والبيت والمقبرة والطريق والأشجار. هذه كلها ليست خسائر جانبية، إنها خسائر فعلية، ويجب أن تكون مرئية.
نحن لا نطلب من حزب الله أن “يعطينا” حقنا في الحزن. هذا الحق لا يمنحه حزب ولا قيادة ولا جمهور. نحن نريد فقط أن يتوقف عن مصادرته. أن يفهم أن موتنا ليس تمريناً يومياً على الاحتمال، بل كارثة مستمرة. أن يفهم أن الحداد لا يُمنح، بل هو حق إنساني بديهي.
في الحالتين، النتيجة واحدة: تحويل موتنا وخساراتنا إلى أمر ثانوي وغير مرئي. فكما جعلت مركزية بيروت آلام الهامش خلفية بعيدة لا تستدعي الحداد نفسه، عمل حزب الله أيضاً على محو الحزن الفردي والجماعي تحت ضجيج “الصمود” و”الانتصار”.
في الحالتين، يصبح المطلوب منا ألّا نُرى ونحن نخسر، وألّا نُسمع ونحن نبكي.
لكننا نكتب، لأن الكتابة ربما هي ما تبقى لنا كي نعيد أسماءنا إلى الفاجعة. كي نقول إننا لسنا أرقاماً، ولا ديكوراً في حرب أحد، ولا مادة دعائية لصمود أحد. نحن بشر نخسر بيوتنا وأهلنا وذاكرتنا، ومن حقنا أن نحزن.












