لا نرى بلادنا كما يراها الآخرون؛ مثل الشمس، تصف أختي شكل بيروت من السماء، تُنير القلوب وتحتضنها. يتخيل أحد الأصدقاء اللبنانيين أن هذا الكلام غير صحيح، يبحث عن ذلك النور. تتعب مدننا وتنسى أبناءها، لكنها تستمر في العطاء لضيوفها. أتمنى أن أراها، يقول. أفهمه جيداً، فأنا لا أرى بغداد بشكل واضح، يبدو الأمر وكأن نظارتي متسخة، يحبها أصدقائي العرب وأكرهها أحياناً، ولا أستطيع أن أستغني عنها. بيروت بأعيننا تشبه شمس العصر، ذهبية حتى في الحزن.
قلت لنفسي في المرة الأولى التي زرت فيها بيروت: “وأخيراً سأكون على طبيعتي لأول مرة في حياتي، أرتدي ما أريد، وأتصرف كما أريد، لا أحد سيأمرني: أنزلي تنورتك قليلاً، أخفضي صوت ضحكتك”، أو “ما عندنا بنية تعلچ هيج”.
سأحاول قدر الإمكان السير في ليل بيروت من دون خوف إذا عدت إلى البيت متأخرة، أمشي في شوارع المدينة بثقة، بلا خوف، بلا كلمة “زرگة”، والأهم هو لون بشرتي المنتشر كثير فيها، سأستمتع بقول: “عملت تان”.
فيروز بثوب أحمر
لم أتخيل يوماً لبنان كدولة، أفهم تماماً الشعور العميق بالألم لأبنائه، لكنني لطالما كنت معجبة به، وأراه دولة على هيئة شخص عصامي، كوّن نفسه وصنع من ذاته “سوبر ستار” بارز. لا أدري لماذا إذا أردت أن تخيل شكل لبنان فسيتراءى لي مثل وديع الصافي… لبنان الصافي، أو صباح إن كان أنثى.
تخبرني أمي أن زيارة لبنان كان حلم الشباب في السبعينات، والمحظوظ هو الذي جرب شعور “ثورة الحب العربي” وهي تنطلق من هناك، تحفظ فيلم “بنت الحارس” على ظهر قلب، وتتذكر “كانت فيروز ترتدي ثوباً أحمر رائعاً وهي تغني نسم علينا الهوا، قلدناها في بغداد، الموضة البيروتية لا يشبهها شيء. أنتم جيل لم يستمتع بهواء لبنان من خلال أفلام فيروز وصباح”.
تقول أمي إن “تمايل الممثلين اللبنانيين في مسلسل تلفزيوني، يجعلك تشعرين بهواء الضيعة”، بحثاً عن هذا الهواء والانتعاش، سافرت إلى لبنان مرات لا يمكن عدّها، حتى وصلت إلى تلك النقطة، أن أسمع “لديك وطن آخر هنا”. أحببت شعار “لبننة العراق” و”عرقنة لبنان”، حاولت كثيراً الابتعاد عن مفهومه السياسي وإسقاطاته الموجعة، التي تضعنا جميعاً في مركب مثقوب واحد، لكني تخيلت الجانب الذي أريده منه، في بيروت تحديداً، الصخب والفرح والحب على أنقاض الحزن. “أتعلمين أن بلدك مقسم دينياً وطائفياً؟ كبلدنا؟” يسألني أحد الأصدقاء، “أووه أنتم كذلك؟” أجيبه، ويتهكم: “أي كذلك، هذا النظام أوريجنال ميد إن ليبانون”.
تلبنن العراق
نتشابه بالحزن، إذ إن خارطة الحروب تنقل تجاربنا، تستنسخ أحزاننا وتنقلها منا إليكم ومنكم إلينا. يحدثني الأصدقاء عن الحرب الأهلية، أضع يدي على خدي، أقارن، نعم حدثت معنا الحكايات الحزينة نفسها. أعتقد أن فكرة الانتقال إلى لبنان أو سوريا، هي حتماً مثل الانتقال من مدينة إلى أخرى في العراق، الوجوه تحمل الملامح نفسها الذكريات والحسرات والأسئلة التي لا تجد إجابات، ما يخفف عني أحياناً ذكرياتي المرة التي ترافقني وتعيش معي وتزيد اكتئابي أضعافاً. إنه الشعور الجماعي، التروما المشتركة، أنا آسفة ولكن لا يمكنني أن أكون حرة في الحديث عن صدماتي من الحرب وذكرياتي ومواقفي التي من مفهوم التشاركية في الحزن، وجدتها في لبنان وسوريا أكثر من بلد عربي آخر، النكتة السوداء يمكنك أن تلقيها بدون خوف، مطمئناً لموجة الضحك القادمة: ألا تملكون دولة؟ والله؟ ونحن كذلك، طيب تشرفنا.
إن كنت تريد أو لا تريد، يُعرّفك لبنان بنفسه من صوت فيروز ووديع الصافي. يحمل مبدعوه بلدهم إلى العالم ويجعلونك تبحث عنه، لا حاجة الى أن تُتعب نفسك في البحث كثيراً، فهو يمنحك كل شيء، من الحياة السهلة إلى الفن إلى الأدب إلى الشمس إلى الحرية.
في زيارتي الأولى للبنان، طلب مني بعض الأصدقاء أن أقابلهم في مكان معين، دخلت فوجدت الشباب وهم يرقصون في فناء الملعب، هل أنا تائهة؟ لا؟ إنهم يبتكرون صناعة الحياة، كنت أشعر أني قادمة من خلف جدار زمني مرتفع وبعيد، من زمان آخر، توسلت “يا رب يلبنن العراق” في حب الحياة، وليس في السياسة فقط، لا أعلم لِمَ اكتسب سياسيونا في العراق خبرات زملائهم اللبنانيين، ولم يجبلوا معهم منه ميزة مدنية واحدة؟.
اللبنانيون يحبون الحياة، الى درجة أنك لن تصدق مطلقاً؛ حتى لو رأيت بأم عينك، كيف يواجهون الموت بعبارة “لنرقص حتى الصباح”، فلقد تكوّن عندهم وعي بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، بسبب كم الحروب التي دارت على أرضهم وسرقت أعمارهم.
هل الانقسام متشابه؟
لم أر الكثير من حرب 2006 في جنوب لبنان، كما لم أجد أحداً خارج حدود شرقنا الأوسط، يعرف أن العراق كان يواجه في هذا الوقت أيضاً، حرباً خفية بين مواطنيه، تخلّف كل صباح مئات الجثث والسيارات المتفجرة، لذا انهمكت كثيراً بمحاولات إيجاد طرق مبتكرة لأقارن بين البلدين، أن أجد نسختين من الجثث والقتلة المختلفين والمتنوعين.
اللبنانيون يحبون الحياة، الى درجة أنك لن تصدق مطلقاً؛ حتى لو رأيت بأم عينك، كيف يواجهون الموت بعبارة “لنرقص حتى الصباح”، فلقد تكوّن عندهم وعي بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، بسبب كم الحروب التي دارت على أرضهم وسرقت أعمارهم.
طالما شغلني مدى تأثير الحرب الأهلية على معنويات اللبنانيين، وفي كل زيارة لبيروت كان الجواب يأتيني، من خلال المباني المتبقية من زمن الحرب والشاهدة على قدرة شعب على بناء أحلامه مجدداً، فأجد أن اللبنانيين أكثر الشعوب خبرة في تجاوز الأزمات. تخطر ببالي بغداد من خلال رواية “طيور الهوليداي إن” لربيع جابر، بيروت في الرواية كانت بدأت بالانقسام إلى شرقية وغربية، مثل بغداد التي صارت منذ 2006 واحدة سنية وأخرى شيعية.
حاولت زيارة العدد الأكبر من المدن والمحافظات اللبنانية، ووجدت أن صيدا هي الأقرب إليّ، في الطريق إليها تبلغ حماستي منتهاها، يضحك أحد الأصدقاء: “شمّي ريحة الزبالة” يقول، أشم رائحة البحر والسمك، ورائحة صابون الغار، وأجري نحو القلعة لأعثر على أفضل زاوية يمكنني الجلوس فيها لأحكي مع البحر.
يردد صديق على مسمعي شعارات محطات “ثورية” مضت: “طلعت ريحتكن”، “كلّن يعني كلّن”، أجيبه: “لدينا هذه الهتافات نفسها، بتحويرة عراقية طبعاً”، نحن نقول: “شلع قلع”، كلانا محكوم بالتقسيم الطائفي السياسي نفسه، وممسوك من الدول المحتلة نفسها، حتى ثورتينا وأهم تظاهراتنا، حدثت في الوقت نفسه، في تشرين الأول/ أكتوبر 2019.
أمشي في ساحة التحرير وأسمع “من بغداد لبيروت… ثورة وحدة ما بتموت”، يكبر الأمل في وأشعر بخيط من الأمل امتد صوبنا من مكان عربي، ونحن نتابع تساقط المتظاهرين، حين تخرج تظاهرات في لبنان تساندنا وتدعم استمراريتنا.
كيف يكون شكل النصر؟
لا أريد لأي بلد أن يعيش الحرب، شعوري تجاه بيروت هو نفسه الذي أعيشه نحو بغداد، بيروت عندي مثل بغداد، هل لأنها واجهت ما واجهته مدينتي من حروب طويلة وصراعات؟ هل لأنها تعاني من الأحزاب الطائفية نفسها؟ لا أدري! ما عليّ أن أتقنه هو أن أحاول برغم شديد اليأس، تدريب ذاكرتي على الاحتفاظ بوجه لبنان ومدنه وبلحظاتي الفريدة حيث شممت هواءه وشعرت به ولمسته بيدي، وعلى تشكيل صوره في عينيّ شريطاً أخضر من أشجار الأرز والجبال التي تسلقتها لرؤية الخضرة والشمس.
كيف يرى الجميع مشهد النار وهي تصنع من خلفها دخاناً مخيفاً ومرعباً يغطي كل الجمال في الضاحية الجنوبية لبيروت، في الغابات، في الجنوب الأخضر من دون أن يعترضوا ولو بكلمة؟ كيف يسمح العالم برؤية الأرواح وهي تحلّق مع الطيور لأن السماء أكثر أماناً من الأرض؟ لا يمكن أن يكون هناك شيء أكثر بشاعة، من أن نترك لكل هذا الخوف أن يدخل قلوب الناس ولا نحرك ساكناً.
أسأل بماذا تشعر فيروز الآن؟ هل هي آمنة؟ أهكذا يكون جزاء الذي منحنا صوت الحياة في الصباح مع القهوة؟ غارات وصواريخ وخوف وقتل وصمت؟ أحب لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى، وأحلم بالنصر، كيف يكون النصر بالنسبة الى امرأة عاشت ثلاث حروب؟ ببساطة أن تكون آمنة، أن يكون لديها منزل لا تخشى مغادرته في أية لحظة، أن تتمسك ولو بجزء صغير من أحلامها.
إقرأوا أيضاً:











