ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن متلازمة “اعتذار العلويين”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا تكمن المشكلة في أن سوريا بلا مؤسسات، وإنما في أن المؤسسات التي تتشكل لا تؤدي وظيفة الوساطة بين السوريين. فهي لا تنقل اختلاف المجتمع إلى السياسة، ولا تتيح مشاركة متساوية، بل ترتب الجماعات من أعلى وتمنحها تمثيلاً شكلياً، فيما يبقى الكلام عن الجريمة والمسؤولية والذاكرة خارجها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

على الرغم من استمرار قتل العلويين والشماتة بالدروز وإلقاء اللوم عليهم، يتكرر على ألسنة البعض، مطلب اعتذار العلويين عما مضى. فكلما ظهر ضيق من تاريخ العنف، اتّجه الخطاب نحو ضحايا اليوم ليطالبهم بالاعتذار عن مجرمي البارحة، كأن الجماعات قادرة وحدها على معالجة ماضٍ لم تُنشأ بعد مؤسسات سياسية وقضائية قادرة على تسميته وتحديد المسؤولية عنه. وفي هذا الفراغ يظهر الاعتذار في ثلاث صيغ مختلفة، لا تتطابق على الرغم من استعمال الكلمة نفسها.

الصيغة التصالحية

تظهر أولاً صيغة تصالحية تكرر سردية عامة عن ضرورة الاعتذار لتجاوز الماضي، من دون أن تحدد من يعتذر لمن، وبأي صفة، وعن أي فعل. وهل يمكن أصلاً تحديد الأفعال التي يشملها هذا الاعتذار؟ داخل هذا الخطاب يتم الخلط كثيراً بين الاعتراف والاعتذار.

الاعتراف لا يعني أن تقف جماعة أمام جماعة أخرى في موقع الاتهام، وإنما أن يعترف كل طرف بالآخر بوصفه ذاتاً سياسية قادرة ومساوية له في الحق والوجود والفعل. وهو لا يقتصر على معرفة أن الآخر موجود، ولا على التسامح معه أو قبوله بوصفه استثناء، وإنما يقتضي الإقرار بقدرته على الكلام وسرد تجربته والمطالبة بحقوقه والمشاركة في بناء المجال العام، حتى عندما تأتي روايته من موقع لا يعرفه الآخر.

لم يمارس السوريون السياسة طوال عقود. وكان دفعهم إلى تنظيم مصالحهم وبناء سردية وطنية مشتركة أحد المخارج التي يتم تجنبها. لذلك يكون الاعتراف علاقة متبادلة، لا فعلاً أحادياً تمنحه جماعة قوية لجماعة أضعف تتعرض الآن لشتى أنواع ثقافة الكراهية، ولا يكتمل إلا عندما ينتقل من القول الأخلاقي إلى مؤسسة تثبت المساواة وتحفظ الوقائع وحقوق الضحايا. يحتاج الاعتراف إلى قضاء وأرشيف وسردية تضع السلطة في مركز المساءلة بوصفها بنية للقوة والقهر، وتفتح مجالاً سياسياً مشتركاً. ومن دون المؤسسة يبقى الاعتراف موقفاً أخلاقياً قابلاً للتراجع والإنكار.

أما الاعتذار فيصدر عن فاعل محدد يتحمّل مسؤولية محددة عن فعل أو عدم فعل ما يُسمى السكوت السلبي . لذلك لا يمكن الانتقال من الاعتراف بوجود بنية طائفية داخل النظام إلى مطالبة كل من وُلد علوياً بأن يعتذر عنها. فالاعتراف يعيد تأسيس العلاقة السياسية بين جماعات متساوية، بينما ينسب الاعتذار مسؤولية محددة إلى فاعلين محددين.

مسؤولية تاريخيّة غامضة!

الصيغة الثانية تربط العلويين بالنظام من خلال مسؤولية تاريخية جماعية. لكنها بقيت غامضة في ما تطلبه على الأرض. هل المطلوب بيان جماعي، أم اعتذار ديني، أم اعتراف سياسي أم تبرؤ فردي؟ إن طرح فكرة مجردة لا يجعلها قابلة للتحقق، لأن الأفكار لا تقبض على الواقع بسهولة.

الطائفة العلوية ليست مؤسسة لها رئيس منتخب أو جهاز أصدر أوامر باسمها، ولذلك لا يستطيع شخص أن يعتذر نيابة عن جميع أفرادها، كما يستطيع رئيس حكومة أو دولة أن يعتذر عن جرائم ارتكبتها مؤسسة رسمية باسم الدولة. فالدولة ذات قانونية مستمرة يمكن أن يمثلها شخص مخول، أما الطائفة فلا تملك هذه الصفة ولا هذا التفويض، وقد تكون هذه المشكلة. وهنا الفرق بين الحكومات والطوائف، وحتى لو تصرفت الطوائف باتساق معنوي ومادي، إلا أنها لا تستطيع التشبّه بالدول.

الاعتذار كصيغة أخلاقيّة

الصيغة الثالثة تحاول إعطاء الاعتذار معنى أخلاقياً، فتتجنب القول إن النظام الأسدي كان نظاماً علوياً، لكنها تعود إلى العلاقة التي أقامها بين الطائفة والبنية السجنية والأمنية والعسكرية، وإلى أشكال الانتقاء الطائفي داخل مؤسساته. يصبح الاعتذار هنا تبرؤاً من النظام، أو اعتذاراً عن الصمت أو تبريره ، لا إقراراً بمشاركة كل فرد في جرائمه. لكن الصمت تحت الخوف لا يساوي التبرير والمشاركة، والتبرير لا يساوي الاستفادة أو المشاركة المباشرة.

لذلك يبقى السؤال قائماً: لماذا يتحمل الفرد مسؤولية أخلاقية بسبب انتماء وُلد فيه؟ وما الحد الفاصل بين الاعتراف ببنية طائفية حقيقية وتحويل جماعة كاملة إلى ذات متهمة؟

ما الاعتذار أيضاً؟

لم يحمل الاعتذار تاريخياً المعنى الذي نفهمه اليوم، الكلمة اليونانية apologia كانت تعني خطاب الدفاع أو تقديم الحجة رداً على اتهام أو اعتراض. يقع اعتذار سقراط ضمن هذا المعنى، فهو ليس إقراراً بالخطأ ولا طلباً للمسامحة، وإنما دفاعٌ عن حياته وأفكاره أمام المحكمة، وشرحٌ للأسباب التي جعلته يقول آراءه ويمارس حياته على ذلك النحو. كان الاعتذار فعلاً من أفعال القول والحجاج، يهدف إلى إثبات حيثيات الموقف أو نفي التهمة، لا إلى الإقرار بضرر وقع على الآخر.

يظهر لدى الرومان، تمييز أدق داخل خطاب الدفاع، فقد ميزوا بين أن يعترف الإنسان بالفعل ثم ينفي مسؤوليته عنه بسبب الجهل أو المصادفة أو الضرورة، أي الفعل غير المقصود، وبين أن يعترف بأنه ارتكب فعلاً خاطئاً عن قصد ثم يطلب الصفح. في الحالة الأولى، يبقى الكلام في مستوى تقديم الأعذار وتخفيف المسؤولية، وفي الثانية يظهر الإقرار بالفعل، وإن ظل الاعتذار جزءاً من خطاب قضائي قانوني غايته تجنب العقوبة أو تخفيفها. عرف التقليد القديم إذاً الفرق بين تبرير الفعل والإقرار به والصفح وطلبه، لكنه لم يجعل التحول الداخلي وإصلاح العلاقة مع المتضرر مركزاً للاعتذار.

أدخلت التقاليد الدينية، وخصوصاً المسيحية، الاعتذار في علاقة أوسع بالتوبة والاعتراف بالخطيئة وطلب المغفرة. لم يعد السؤال كيف يدافع الإنسان عن نفسه أمام الآخرين، وإنما كيف يغيّر علاقته بالفعل الذي ارتكبه ويعود إلى الجماعة بعد أن أضرّ بها. ارتبط الإقرار اللفظي بالندم وتغيير السلوك، فلم يعد القول كافياً من دون تحول في الذات وأفعال تدل عليه. ومع ذلك، بقي الاعتذار مختلفاً عن التوبة، لأن التوبة تحوّل أخلاقي وديني شامل، بينما يتعلق الاعتذار عادة بفعل محدد وبشخص أو جماعة تضرّرت منه.

انتقلت بعض هذه العناصر إلى المجال السياسي في الدولة الحديثة بعد إعادة صياغتها. فالاعتذار السياسي ليس اعترافاً بالخطيئة أمام الله ولا طلباً شخصياً للصفح، وإنما فعل عام يصدر عن مؤسسة مستمرة قانونياً وسياسياً. تستطيع الدولة الاعتذار عن أعمال حكومات سابقة لأنها تحتفظ بالمؤسسات والالتزامات التي تستمر بعد رحيل الفاعلين الأفراد.

ويرتبط الاعتذار السياسي في الديمقراطيات الحديثة بإصلاح خلل في العضوية السياسية، أي الإقرار بأن جماعة تعرضت للاضطهاد أو الإقصاء ولم تُعامل بوصفها متساوية في الحقوق، والتزام الدولة بتغيير الشروط التي أنتجت ذلك. لذلك، لا تكمن قيمة الاعتذار السياسي في التعبير عن الندم وحده، وإنما في التحول الذي تعلنه مؤسسة، أو ممثل مخوّل بالكلام باسمها، وتلتزم بمقتضاه بعدم التكرار وإصلاح الضرر.

هنا تظهر مشكلة عبارة “اعتذار العلويين”، فحتى لو افترضنا إمكان هذا الاعتذار، مع صعوبة تحديد مَن يعتذر باسم مَن، فإنه لا يصبح فعلاً مؤسساً لمجتمع جديد إلا إذا جمع بين الإقرار بالضرر وضمان عدم التكرار وإصلاح البنية التي جعلت الجريمة ممكنة، داخل مؤسسة تتوسط بين الأطراف. ولا يقوم الاعتذار على توريث الذنب لأفراد الجماعة أو مطالبتهم بإدانة أنفسهم بسبب انتمائهم، وإنما على تحمّل مسؤوليات محددة عن المؤسسات والخطابات والذاكرة التي يمكن أن تستمر بعد الجريمة.

تزداد المشكلة تعقيداً لأن السوريين عاشوا حرباً أهلية مُنع طويلاً الاعتراف بها وصناعة شعور بالخجل من تسميتها. فتسمية ما حدث “حرباً أهلية” تزعزع موقعين معاً. إنها تضع النظام الجديد داخل الصراع بوصفه أحد أطرافه، لا سلطة خرجت من خارجه وتمثل نهايته، كما تجرح سردية وطنية ما زال كثير من الكتاب والمفكرين متعلقين بها.

والاعتراف بالحرب الأهلية يعني أن الانقسام لم يكن مؤامرة عابرة وقعت على مجتمع متماسك، وإنما أصبح جزءاً من علاقاته وذاكرته وخوف جماعاته من بعضها. لذلك تُعامل التسمية كأنها عار أو خيانة، مع أنها شرط لفهم ما حدث.

تعود بعض جذور هذه الحرب إلى تمركز مواقع واسعة في الجيش والأمن داخل شبكات مرتبطة بالنظام قام عليها علويون، وإلى بناء سردية وطنية هشة. لا تكفي هذه البنية وحدها لتفسير سوريا، لكنها جزء من نظام امتد نحو ستين عاماً، واستطاع جذب فئات كثيرة لم تنتمِ طائفياً إلى قاعدته، ثم دمجها داخل بنية الإذعان التي صنعها.

تظهر المشكلة عندما يُطلب من العلويين الاعتذار، فيكون شكل الاعتذار طقس إذعان يفرضه طرف منتصر خرج هو نفسه من حرب أهلية وكان طرفاً فيها. فالاعتراف لا ينتج مواطنة إلا بين أطراف متساوية، وداخل مؤسسة تسمح للضحايا بالكلام، وللمتهم بالدفاع، وللمجتمع بمعرفة الحقيقة وفهم الكيفية التي غرق فيها الأفراد داخل خطاب كبير كانت بنيته الطائفية حاضرة بقوة.

من يعتذر لمن؟

من يملك الكلام باسم الجماعة؟ وداخل أي مؤسسة يتم الاعتذار؟ لا يمكن بناء الاعتذار أمام طرف منتصر يتصرف كما لو أنه يملك براءة مطلقة، بعد حرب طويلة شعرت خلالها قطاعات علوية بأنها تدافع عن وجودها أمام خطاب أثار مخاوفها، ثم واجهها في مراحل لاحقة بالعنف. وقد رأت هذه القطاعات في النظام، ضمن مخيال سياسي صنعه الخوف والحرب، حماية من صراع جهادي سني نشأ في مجتمع دمر النظام وسائطه السياسية، فوجدت الخطابات الدينية مجالاً واسعاً لاحتلال الفراغ العام. كما دخلت إلى هذا الصراع تنظيمات وخبرات وأموال قادمة من الخارج، ولم ينشأ كله من داخل العلاقات السورية وحدها.

لذلك، لا يستطيع الاعتذار أن يعمل بوصفه إقرار طرف مذنب أمام طرف يتصرف كأنه يملك البراءة المطلقة. المطلوب انتقال من علاقة ينكر فيها كل طرف إنسانية الآخر إلى علاقة اعتراف متبادل. وهذا لا يلغي التفاوت في المسؤولية، لكنه يمنع الضحية أو المنتصر من تحويل العدالة إلى موقع دائم للتفوق الأخلاقي، كما يمنع الفاعل من استخدام عمومية الجماعة للهروب من مسؤوليته.

الاعتذار أم الدم الأقل قيمة؟

تلك هي الورطة الكبرى داخل حرب أهلية دفع العلويون ثمنها أيضاً. فالحرب السورية مأساة أهلية تعاقبت داخلها تنظيمات خارج البنى التقليدية، داعش والنصرة والتنظيمات الجهادية والعصابات الإجرامية والقتل الطائفي والاعتقال على الهوية، إلى جانب الشبكات المتغلغلة في الجيش والأمن التي يطغى عليها العلويون. إنها بنية متعاظمة من العنف والخوف والتورط، يصعب ردها إلى جماعة واحدة.

لكن ماذا لو اعتذر العلويون، تخيلاً؟ ماذا لو استطاعوا بعد سقوط النظام مباشرة التعبير عن شعور بالمسؤولية؟ لقد تخلى كثيرون فعلاً عن صور أبنائهم وعن الفخر بموتهم بوصفهم شهداء، بعدما وجدوا أنفسهم في موقع الطرف المهزوم. ثم أُقصوا من المجال العام، وتعرضوا للشتم إلكترونياً وإعلامياً، ورُفضت كل سردية تصدر عنهم.

ولنفترض أنهم انتقلوا من apologia، أي الدفاع عن الموقف وتبريره، إلى  ـhomologia بوصفها إقراراً بما حدث، ثم إلى الـmetanoia بوصفها تحولاً داخلياً يغير طريقة التفكير والعيش. ما يطلبه البعض بقي شكلياً، لأن الاعتذار، حتى لو صدر، لا يكتسب معنى داخلياً عندما يأتي تحت الخوف والهزيمة. كان يُنتظر بعد سقوط النظام أن تبني السلطة مؤسسات تشاركية تتيح هذا التحول. لكن مجازر الساحل والسويداء نقضت شروطه، لأن الآخر ظل يعامَل بوصفه دماً أقل قيمة، يمكن قتله بسبب هويته من دون أن يدخل موته كاملاً في الذاكرة الوطنية.

لم تمح المجازر إمكان الاعتذار، لكنها أعادت بأثر رجعي تحديد معنى ما سبقها. فما كان يمكن أن يُقرأ لحظة سقوط النظام، لو حدث، بوصفه مراجعة للذات وخروجاً من خطاب منغلق نحو خطاب أوسع، صار قابلاً لأن يُفهم لاحقاً بوصفه تصرف مهزوم يحاول النجاة داخل ميزان قوة منتصرة تمارس القتل بسهولة.

وما كان يمكن أن يكون إقراراً أخلاقياً تحول بعد المجازر إلى إذعان قهري أمام طرف لا يعترف بدم من يطالبه بالاعتذار. وقد عمّق قصور تحقيقات السلطة في مجازر الساحل هذا التحول في المعنى، لأن الحدث اللاحق لا يغير ما وقع في الماضي، لكنه يعيد بناء موقعه داخل الذاكرة.

لهذا لم تدفع المجازر قطاعات علوية نحو تحول جديد، وإنما أعادتها إلى اقتناعات الحرب الأهلية القديمة، وإلى الشعور بأنها جماعة مهددة لا تستطيع التخلي عن دفاعاتها، ما دام الاعتراف بجرائم النظام لا يقابله اعتراف بحقها في الحياة والحداد.

كما أعاد الخطاب المنتصر بناء الماضي بأثر رجعي، وجعل رواية النظام عن خطورة سقوط السلطة بيد المعارضة تبدو صحيحة لدى كثيرين. استعادت المخاوف والسرديات الطائفية القديمة قدرتها على الإقناع، لأن الواقع اللاحق منحها ما يشبه الإثبات.

يجعل القتل المتكرر للعلويين والشماتة بالدروز وتزايد الرموز التي تمجد العنف، وفشل السلطة في ملاحقة القتلة، الحديث عن الاعتذار والاعتراف أقرب إلى أفكار نظرية منفصلة عن شروط تحقّقها.

في سوريا، يُقلب الترتيب كله. تُطالب جماعات مقصاة من السياسة والمشاركة الوطنية بالاعتذار عما انتهى، بينما لا يُعترف بوضوح بما تعانيه اليوم. ولا تعترف السلطة بالجرائم التي وقعت في عهدها أو بمشاركة قوى مرتبطة بها، ولا تؤسس المجال الذي يسمح للسوريين بالاعتراف المتبادل والمشاركة وتحديد المسؤوليات.

وقبل أن يصبح الاعتذار شرطاً لدخول الجماعات في الوطنية، يجب أن توجد سياسة ومؤسسات تعترف بالسوريين بوصفهم متساوين، وأن تتحول ثقافة القتل من مادة للاتهام الطائفي إلى واقعة محددة لها فاعل وضحية ومسؤولية تحفظها مؤسسة.

لا تكمن المشكلة في أن سوريا بلا مؤسسات، وإنما في أن المؤسسات التي تتشكل لا تؤدي وظيفة الوساطة بين السوريين. فهي لا تنقل اختلاف المجتمع إلى السياسة، ولا تتيح مشاركة متساوية، بل ترتب الجماعات من أعلى وتمنحها تمثيلاً شكلياً، فيما يبقى الكلام عن الجريمة والمسؤولية والذاكرة خارجها.

لذلك، لا يكفي أن يُطلب من السوريين الاعتراف ببعضهم أو الاعتذار لبعضهم، ولا أن تُكتب مقالات تحليلية عن فوائد الاعتذارات والاعترافات، ما دامت المؤسسة عاجزة عن تسمية الجريمة، وتهيئة مناخ سياسي، وتحديد الفاعلين الجرميين، والأهم، الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، بما يتيح تشكّل خطاب سياسي، ومن ثم حفظ حقوق الضحايا. في سوريا، يجب أن يكون النقد الأولي موجهاً إلى السلطة التي تصنع كل الأشكال من دون أي ماهية حقيقية في داخلها. فقبل أن يصبح الاعتذار شرطاً للدخول في الوطنية، يجب أن يوجد مجال سياسي يعترف بالسوريين بوصفهم متساوين، ويمنع رواية المنتصر من الهروب من نتائج الحرب الأهلية، واحتكار البراءة الثورية، التي يا ليتها كانت، كما يمنع الفاعلين والجناة من الاختباء داخل عمومية جماعتهم. عندها فقط يصبح الاعتذار فعلاً حراً. 

لا تكمن المشكلة في أن سوريا بلا مؤسسات، وإنما في أن المؤسسات التي تتشكل لا تؤدي وظيفة الوساطة بين السوريين. فهي لا تنقل اختلاف المجتمع إلى السياسة، ولا تتيح مشاركة متساوية، بل ترتب الجماعات من أعلى وتمنحها تمثيلاً شكلياً، فيما يبقى الكلام عن الجريمة والمسؤولية والذاكرة خارجها.

على الرغم من استمرار قتل العلويين والشماتة بالدروز وإلقاء اللوم عليهم، يتكرر على ألسنة البعض، مطلب اعتذار العلويين عما مضى. فكلما ظهر ضيق من تاريخ العنف، اتّجه الخطاب نحو ضحايا اليوم ليطالبهم بالاعتذار عن مجرمي البارحة، كأن الجماعات قادرة وحدها على معالجة ماضٍ لم تُنشأ بعد مؤسسات سياسية وقضائية قادرة على تسميته وتحديد المسؤولية عنه. وفي هذا الفراغ يظهر الاعتذار في ثلاث صيغ مختلفة، لا تتطابق على الرغم من استعمال الكلمة نفسها.

الصيغة التصالحية

تظهر أولاً صيغة تصالحية تكرر سردية عامة عن ضرورة الاعتذار لتجاوز الماضي، من دون أن تحدد من يعتذر لمن، وبأي صفة، وعن أي فعل. وهل يمكن أصلاً تحديد الأفعال التي يشملها هذا الاعتذار؟ داخل هذا الخطاب يتم الخلط كثيراً بين الاعتراف والاعتذار.

الاعتراف لا يعني أن تقف جماعة أمام جماعة أخرى في موقع الاتهام، وإنما أن يعترف كل طرف بالآخر بوصفه ذاتاً سياسية قادرة ومساوية له في الحق والوجود والفعل. وهو لا يقتصر على معرفة أن الآخر موجود، ولا على التسامح معه أو قبوله بوصفه استثناء، وإنما يقتضي الإقرار بقدرته على الكلام وسرد تجربته والمطالبة بحقوقه والمشاركة في بناء المجال العام، حتى عندما تأتي روايته من موقع لا يعرفه الآخر.

لم يمارس السوريون السياسة طوال عقود. وكان دفعهم إلى تنظيم مصالحهم وبناء سردية وطنية مشتركة أحد المخارج التي يتم تجنبها. لذلك يكون الاعتراف علاقة متبادلة، لا فعلاً أحادياً تمنحه جماعة قوية لجماعة أضعف تتعرض الآن لشتى أنواع ثقافة الكراهية، ولا يكتمل إلا عندما ينتقل من القول الأخلاقي إلى مؤسسة تثبت المساواة وتحفظ الوقائع وحقوق الضحايا. يحتاج الاعتراف إلى قضاء وأرشيف وسردية تضع السلطة في مركز المساءلة بوصفها بنية للقوة والقهر، وتفتح مجالاً سياسياً مشتركاً. ومن دون المؤسسة يبقى الاعتراف موقفاً أخلاقياً قابلاً للتراجع والإنكار.

أما الاعتذار فيصدر عن فاعل محدد يتحمّل مسؤولية محددة عن فعل أو عدم فعل ما يُسمى السكوت السلبي . لذلك لا يمكن الانتقال من الاعتراف بوجود بنية طائفية داخل النظام إلى مطالبة كل من وُلد علوياً بأن يعتذر عنها. فالاعتراف يعيد تأسيس العلاقة السياسية بين جماعات متساوية، بينما ينسب الاعتذار مسؤولية محددة إلى فاعلين محددين.

مسؤولية تاريخيّة غامضة!

الصيغة الثانية تربط العلويين بالنظام من خلال مسؤولية تاريخية جماعية. لكنها بقيت غامضة في ما تطلبه على الأرض. هل المطلوب بيان جماعي، أم اعتذار ديني، أم اعتراف سياسي أم تبرؤ فردي؟ إن طرح فكرة مجردة لا يجعلها قابلة للتحقق، لأن الأفكار لا تقبض على الواقع بسهولة.

الطائفة العلوية ليست مؤسسة لها رئيس منتخب أو جهاز أصدر أوامر باسمها، ولذلك لا يستطيع شخص أن يعتذر نيابة عن جميع أفرادها، كما يستطيع رئيس حكومة أو دولة أن يعتذر عن جرائم ارتكبتها مؤسسة رسمية باسم الدولة. فالدولة ذات قانونية مستمرة يمكن أن يمثلها شخص مخول، أما الطائفة فلا تملك هذه الصفة ولا هذا التفويض، وقد تكون هذه المشكلة. وهنا الفرق بين الحكومات والطوائف، وحتى لو تصرفت الطوائف باتساق معنوي ومادي، إلا أنها لا تستطيع التشبّه بالدول.

الاعتذار كصيغة أخلاقيّة

الصيغة الثالثة تحاول إعطاء الاعتذار معنى أخلاقياً، فتتجنب القول إن النظام الأسدي كان نظاماً علوياً، لكنها تعود إلى العلاقة التي أقامها بين الطائفة والبنية السجنية والأمنية والعسكرية، وإلى أشكال الانتقاء الطائفي داخل مؤسساته. يصبح الاعتذار هنا تبرؤاً من النظام، أو اعتذاراً عن الصمت أو تبريره ، لا إقراراً بمشاركة كل فرد في جرائمه. لكن الصمت تحت الخوف لا يساوي التبرير والمشاركة، والتبرير لا يساوي الاستفادة أو المشاركة المباشرة.

لذلك يبقى السؤال قائماً: لماذا يتحمل الفرد مسؤولية أخلاقية بسبب انتماء وُلد فيه؟ وما الحد الفاصل بين الاعتراف ببنية طائفية حقيقية وتحويل جماعة كاملة إلى ذات متهمة؟

ما الاعتذار أيضاً؟

لم يحمل الاعتذار تاريخياً المعنى الذي نفهمه اليوم، الكلمة اليونانية apologia كانت تعني خطاب الدفاع أو تقديم الحجة رداً على اتهام أو اعتراض. يقع اعتذار سقراط ضمن هذا المعنى، فهو ليس إقراراً بالخطأ ولا طلباً للمسامحة، وإنما دفاعٌ عن حياته وأفكاره أمام المحكمة، وشرحٌ للأسباب التي جعلته يقول آراءه ويمارس حياته على ذلك النحو. كان الاعتذار فعلاً من أفعال القول والحجاج، يهدف إلى إثبات حيثيات الموقف أو نفي التهمة، لا إلى الإقرار بضرر وقع على الآخر.

يظهر لدى الرومان، تمييز أدق داخل خطاب الدفاع، فقد ميزوا بين أن يعترف الإنسان بالفعل ثم ينفي مسؤوليته عنه بسبب الجهل أو المصادفة أو الضرورة، أي الفعل غير المقصود، وبين أن يعترف بأنه ارتكب فعلاً خاطئاً عن قصد ثم يطلب الصفح. في الحالة الأولى، يبقى الكلام في مستوى تقديم الأعذار وتخفيف المسؤولية، وفي الثانية يظهر الإقرار بالفعل، وإن ظل الاعتذار جزءاً من خطاب قضائي قانوني غايته تجنب العقوبة أو تخفيفها. عرف التقليد القديم إذاً الفرق بين تبرير الفعل والإقرار به والصفح وطلبه، لكنه لم يجعل التحول الداخلي وإصلاح العلاقة مع المتضرر مركزاً للاعتذار.

أدخلت التقاليد الدينية، وخصوصاً المسيحية، الاعتذار في علاقة أوسع بالتوبة والاعتراف بالخطيئة وطلب المغفرة. لم يعد السؤال كيف يدافع الإنسان عن نفسه أمام الآخرين، وإنما كيف يغيّر علاقته بالفعل الذي ارتكبه ويعود إلى الجماعة بعد أن أضرّ بها. ارتبط الإقرار اللفظي بالندم وتغيير السلوك، فلم يعد القول كافياً من دون تحول في الذات وأفعال تدل عليه. ومع ذلك، بقي الاعتذار مختلفاً عن التوبة، لأن التوبة تحوّل أخلاقي وديني شامل، بينما يتعلق الاعتذار عادة بفعل محدد وبشخص أو جماعة تضرّرت منه.

انتقلت بعض هذه العناصر إلى المجال السياسي في الدولة الحديثة بعد إعادة صياغتها. فالاعتذار السياسي ليس اعترافاً بالخطيئة أمام الله ولا طلباً شخصياً للصفح، وإنما فعل عام يصدر عن مؤسسة مستمرة قانونياً وسياسياً. تستطيع الدولة الاعتذار عن أعمال حكومات سابقة لأنها تحتفظ بالمؤسسات والالتزامات التي تستمر بعد رحيل الفاعلين الأفراد.

ويرتبط الاعتذار السياسي في الديمقراطيات الحديثة بإصلاح خلل في العضوية السياسية، أي الإقرار بأن جماعة تعرضت للاضطهاد أو الإقصاء ولم تُعامل بوصفها متساوية في الحقوق، والتزام الدولة بتغيير الشروط التي أنتجت ذلك. لذلك، لا تكمن قيمة الاعتذار السياسي في التعبير عن الندم وحده، وإنما في التحول الذي تعلنه مؤسسة، أو ممثل مخوّل بالكلام باسمها، وتلتزم بمقتضاه بعدم التكرار وإصلاح الضرر.

هنا تظهر مشكلة عبارة “اعتذار العلويين”، فحتى لو افترضنا إمكان هذا الاعتذار، مع صعوبة تحديد مَن يعتذر باسم مَن، فإنه لا يصبح فعلاً مؤسساً لمجتمع جديد إلا إذا جمع بين الإقرار بالضرر وضمان عدم التكرار وإصلاح البنية التي جعلت الجريمة ممكنة، داخل مؤسسة تتوسط بين الأطراف. ولا يقوم الاعتذار على توريث الذنب لأفراد الجماعة أو مطالبتهم بإدانة أنفسهم بسبب انتمائهم، وإنما على تحمّل مسؤوليات محددة عن المؤسسات والخطابات والذاكرة التي يمكن أن تستمر بعد الجريمة.

تزداد المشكلة تعقيداً لأن السوريين عاشوا حرباً أهلية مُنع طويلاً الاعتراف بها وصناعة شعور بالخجل من تسميتها. فتسمية ما حدث “حرباً أهلية” تزعزع موقعين معاً. إنها تضع النظام الجديد داخل الصراع بوصفه أحد أطرافه، لا سلطة خرجت من خارجه وتمثل نهايته، كما تجرح سردية وطنية ما زال كثير من الكتاب والمفكرين متعلقين بها.

والاعتراف بالحرب الأهلية يعني أن الانقسام لم يكن مؤامرة عابرة وقعت على مجتمع متماسك، وإنما أصبح جزءاً من علاقاته وذاكرته وخوف جماعاته من بعضها. لذلك تُعامل التسمية كأنها عار أو خيانة، مع أنها شرط لفهم ما حدث.

تعود بعض جذور هذه الحرب إلى تمركز مواقع واسعة في الجيش والأمن داخل شبكات مرتبطة بالنظام قام عليها علويون، وإلى بناء سردية وطنية هشة. لا تكفي هذه البنية وحدها لتفسير سوريا، لكنها جزء من نظام امتد نحو ستين عاماً، واستطاع جذب فئات كثيرة لم تنتمِ طائفياً إلى قاعدته، ثم دمجها داخل بنية الإذعان التي صنعها.

تظهر المشكلة عندما يُطلب من العلويين الاعتذار، فيكون شكل الاعتذار طقس إذعان يفرضه طرف منتصر خرج هو نفسه من حرب أهلية وكان طرفاً فيها. فالاعتراف لا ينتج مواطنة إلا بين أطراف متساوية، وداخل مؤسسة تسمح للضحايا بالكلام، وللمتهم بالدفاع، وللمجتمع بمعرفة الحقيقة وفهم الكيفية التي غرق فيها الأفراد داخل خطاب كبير كانت بنيته الطائفية حاضرة بقوة.

من يعتذر لمن؟

من يملك الكلام باسم الجماعة؟ وداخل أي مؤسسة يتم الاعتذار؟ لا يمكن بناء الاعتذار أمام طرف منتصر يتصرف كما لو أنه يملك براءة مطلقة، بعد حرب طويلة شعرت خلالها قطاعات علوية بأنها تدافع عن وجودها أمام خطاب أثار مخاوفها، ثم واجهها في مراحل لاحقة بالعنف. وقد رأت هذه القطاعات في النظام، ضمن مخيال سياسي صنعه الخوف والحرب، حماية من صراع جهادي سني نشأ في مجتمع دمر النظام وسائطه السياسية، فوجدت الخطابات الدينية مجالاً واسعاً لاحتلال الفراغ العام. كما دخلت إلى هذا الصراع تنظيمات وخبرات وأموال قادمة من الخارج، ولم ينشأ كله من داخل العلاقات السورية وحدها.

لذلك، لا يستطيع الاعتذار أن يعمل بوصفه إقرار طرف مذنب أمام طرف يتصرف كأنه يملك البراءة المطلقة. المطلوب انتقال من علاقة ينكر فيها كل طرف إنسانية الآخر إلى علاقة اعتراف متبادل. وهذا لا يلغي التفاوت في المسؤولية، لكنه يمنع الضحية أو المنتصر من تحويل العدالة إلى موقع دائم للتفوق الأخلاقي، كما يمنع الفاعل من استخدام عمومية الجماعة للهروب من مسؤوليته.

الاعتذار أم الدم الأقل قيمة؟

تلك هي الورطة الكبرى داخل حرب أهلية دفع العلويون ثمنها أيضاً. فالحرب السورية مأساة أهلية تعاقبت داخلها تنظيمات خارج البنى التقليدية، داعش والنصرة والتنظيمات الجهادية والعصابات الإجرامية والقتل الطائفي والاعتقال على الهوية، إلى جانب الشبكات المتغلغلة في الجيش والأمن التي يطغى عليها العلويون. إنها بنية متعاظمة من العنف والخوف والتورط، يصعب ردها إلى جماعة واحدة.

لكن ماذا لو اعتذر العلويون، تخيلاً؟ ماذا لو استطاعوا بعد سقوط النظام مباشرة التعبير عن شعور بالمسؤولية؟ لقد تخلى كثيرون فعلاً عن صور أبنائهم وعن الفخر بموتهم بوصفهم شهداء، بعدما وجدوا أنفسهم في موقع الطرف المهزوم. ثم أُقصوا من المجال العام، وتعرضوا للشتم إلكترونياً وإعلامياً، ورُفضت كل سردية تصدر عنهم.

ولنفترض أنهم انتقلوا من apologia، أي الدفاع عن الموقف وتبريره، إلى  ـhomologia بوصفها إقراراً بما حدث، ثم إلى الـmetanoia بوصفها تحولاً داخلياً يغير طريقة التفكير والعيش. ما يطلبه البعض بقي شكلياً، لأن الاعتذار، حتى لو صدر، لا يكتسب معنى داخلياً عندما يأتي تحت الخوف والهزيمة. كان يُنتظر بعد سقوط النظام أن تبني السلطة مؤسسات تشاركية تتيح هذا التحول. لكن مجازر الساحل والسويداء نقضت شروطه، لأن الآخر ظل يعامَل بوصفه دماً أقل قيمة، يمكن قتله بسبب هويته من دون أن يدخل موته كاملاً في الذاكرة الوطنية.

لم تمح المجازر إمكان الاعتذار، لكنها أعادت بأثر رجعي تحديد معنى ما سبقها. فما كان يمكن أن يُقرأ لحظة سقوط النظام، لو حدث، بوصفه مراجعة للذات وخروجاً من خطاب منغلق نحو خطاب أوسع، صار قابلاً لأن يُفهم لاحقاً بوصفه تصرف مهزوم يحاول النجاة داخل ميزان قوة منتصرة تمارس القتل بسهولة.

وما كان يمكن أن يكون إقراراً أخلاقياً تحول بعد المجازر إلى إذعان قهري أمام طرف لا يعترف بدم من يطالبه بالاعتذار. وقد عمّق قصور تحقيقات السلطة في مجازر الساحل هذا التحول في المعنى، لأن الحدث اللاحق لا يغير ما وقع في الماضي، لكنه يعيد بناء موقعه داخل الذاكرة.

لهذا لم تدفع المجازر قطاعات علوية نحو تحول جديد، وإنما أعادتها إلى اقتناعات الحرب الأهلية القديمة، وإلى الشعور بأنها جماعة مهددة لا تستطيع التخلي عن دفاعاتها، ما دام الاعتراف بجرائم النظام لا يقابله اعتراف بحقها في الحياة والحداد.

كما أعاد الخطاب المنتصر بناء الماضي بأثر رجعي، وجعل رواية النظام عن خطورة سقوط السلطة بيد المعارضة تبدو صحيحة لدى كثيرين. استعادت المخاوف والسرديات الطائفية القديمة قدرتها على الإقناع، لأن الواقع اللاحق منحها ما يشبه الإثبات.

يجعل القتل المتكرر للعلويين والشماتة بالدروز وتزايد الرموز التي تمجد العنف، وفشل السلطة في ملاحقة القتلة، الحديث عن الاعتذار والاعتراف أقرب إلى أفكار نظرية منفصلة عن شروط تحقّقها.

في سوريا، يُقلب الترتيب كله. تُطالب جماعات مقصاة من السياسة والمشاركة الوطنية بالاعتذار عما انتهى، بينما لا يُعترف بوضوح بما تعانيه اليوم. ولا تعترف السلطة بالجرائم التي وقعت في عهدها أو بمشاركة قوى مرتبطة بها، ولا تؤسس المجال الذي يسمح للسوريين بالاعتراف المتبادل والمشاركة وتحديد المسؤوليات.

وقبل أن يصبح الاعتذار شرطاً لدخول الجماعات في الوطنية، يجب أن توجد سياسة ومؤسسات تعترف بالسوريين بوصفهم متساوين، وأن تتحول ثقافة القتل من مادة للاتهام الطائفي إلى واقعة محددة لها فاعل وضحية ومسؤولية تحفظها مؤسسة.

لا تكمن المشكلة في أن سوريا بلا مؤسسات، وإنما في أن المؤسسات التي تتشكل لا تؤدي وظيفة الوساطة بين السوريين. فهي لا تنقل اختلاف المجتمع إلى السياسة، ولا تتيح مشاركة متساوية، بل ترتب الجماعات من أعلى وتمنحها تمثيلاً شكلياً، فيما يبقى الكلام عن الجريمة والمسؤولية والذاكرة خارجها.

لذلك، لا يكفي أن يُطلب من السوريين الاعتراف ببعضهم أو الاعتذار لبعضهم، ولا أن تُكتب مقالات تحليلية عن فوائد الاعتذارات والاعترافات، ما دامت المؤسسة عاجزة عن تسمية الجريمة، وتهيئة مناخ سياسي، وتحديد الفاعلين الجرميين، والأهم، الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، بما يتيح تشكّل خطاب سياسي، ومن ثم حفظ حقوق الضحايا. في سوريا، يجب أن يكون النقد الأولي موجهاً إلى السلطة التي تصنع كل الأشكال من دون أي ماهية حقيقية في داخلها. فقبل أن يصبح الاعتذار شرطاً للدخول في الوطنية، يجب أن يوجد مجال سياسي يعترف بالسوريين بوصفهم متساوين، ويمنع رواية المنتصر من الهروب من نتائج الحرب الأهلية، واحتكار البراءة الثورية، التي يا ليتها كانت، كما يمنع الفاعلين والجناة من الاختباء داخل عمومية جماعتهم. عندها فقط يصبح الاعتذار فعلاً حراً.