ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن مجزرة آل سرايا في السويداء

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“مش عارفة على مين إحزن أكثر على زوجي وللا اولادي؟ بيقولوا الحزن عالولد أكثر، أنا حزني على كل حدا فيهم بيركّع جبل.”

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ثمّة مرويّة يتناقلها أهل السويداء شفاهاً:

في أوائل خمسينيات القرن الماضي، نزل أحد تجّار دمشق ضيفاً عند أبو حسن يحيى سرايا، التاجر المعروف في السويداء. في صباح اليوم الثاني، أفطر الضيف في المضافة، وقام ليتوجّه إلى السوق، توقّف قليلاً وقال لأبي حسن: “يمكن إني نسيت صرّة المصاري بالغرفة مطرح ما كنت نايم، وفيها ٢٥ ألف ليرة سورية”. 

كانت هذه تساوي غالياً في تلك الأيّام. استمهله يحيى سرايا، دخل إلى الغرفة وعاد ليعطيه الصرّة: “تفضّل، لاقتها إختك إم حسن تحت الفراش”. بعد استضافة أسبوع رجع التاجر الشامي إلى بيته بالبضاعة، لاقته زوجته باستغراب: “كيف جبت البضاعة وأنت نسيان صرّة المصاري هون بالبيت؟!”.

اجتمع التاجر الدمشقي بكبار تجّار الشام وأخبرهم بالقصة، وقرّر أن يسافر معهم إلى بيت أبو حسن في السويداء، حاملاً ذبيحة، ليردّ له ماله، ويعتذر منه ويشكره على كرمه. رحّب أبو حسن بضيوفه وذبح على شرف زيارتهم عدّة ذبائح ودعا وجهاء السويداء. 

بالردّ على سؤال التاجر الشامي: “إنو ليش هيك عملت وأعطيتني مصاري من عندك؟”، أجاب أبو حسن: “الأمانة عهد، والعهد متبادل، والمعزّب (المُستضيف) لازم يكون أهل للأمانة وبالتالي للاستضافة… هذا اللي ربونا عليه أهلنا وجدودنا”.

وتقول واقعة طازجة: صباح الأربعاء، 16 تمّوز/ يوليو 2025، إن جماعات لم يُربّها أهلها، ولا قادتها العسكريون، على معنى (العهد المتبادل) ردّت الأمانة لأبناء يحيى سرايا وأحفاده وأقاربه بمجزرة. ثمانية رجال، مدنيّون، ينتمون إلى هذا البيت: غسان يحيى سرايا وولداه حسام وكريم، وأبناء عمّه الثلاثة عليّ ووليد ويحيى، وابن أختهم اسماعيل جانبيه وجارهم عامر الفقيه، أُعدموا رمياً بالرصاص في ساحة خلدون زين الدين (تشرين سابقاً).

كان اسم هذه الساحة، مسرح الجريمة: ساحة تشرين، ومنذ انطلاق الموجة الأخيرة للثورة السورية السلمية، كما أيّام انطلاقتها في عام 2011، بإحيائها في محافظة السويداء وحدها ضدّ بشار الأسد، منذ آب/ أغسطس 2023 حتى هروب الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ارتأى روّاد ساحة الكرامة تغيير اسمها لتحمل اسم خلدون زين الدين، الضابط المنشقّ عن نظام الأسد في عام 2011، وشهيد الثورة على أرض السويداء حين تسلّل إلى ظهر جبل العرب مع رفاقه الثوار في كانون الأول/ ديسمبر في عام 2012، لتحرير السويداء من نظام الأسد. خسر خلدون زين الدين المعركة وحياته، لفظ أنفاسه الأخيرة مثخناً بجراحه، ناطقاً بوصيّته الأخيرة: الكرامة يا أهل الجبل، الكرامة!

ثلج جبل العرب وثّق دم خلدون زين الدين على بياضه، أما مجزرة الساحة التي تحمل اسمه، فقد وثّقها الفاعلون بفيديو مصوّر، ونشروه بأنفسهم. 

تسرّب الفيديو قرابة العاشرة مساء في اليوم نفسه، نقلته إليهم ناشطة تشتغل في التوثيق. وإن عرف أهل الضحايا، فلا أدنى إمكانيّة لقطع مئة متر، هي المسافة ما بين بيتهم وساحة خلدون زين الدين، التي يحتلّها الأمن العامّ وقنّاصته. 

بقيت الجثامين مشلوحةً حتى صباح 17 تمّوز/ يوليو، حيث قام الدكتور بسّام جانبيه قريب الضحايا ونسيبهم، بعملية دفن سريع، مستغلّاً ساعات الأمان القليلة ما بين انسحاب الأمن العامّ من المدينة وغزوة العشائر، التي أرسلها أحمد الشرع نفسه، وسيّرها أحمد الدالاتي.

من حظّ الشهيد حسام عدا أنه سوري (درزي) يحمل الجنسيّة الأميركية أيضاً، ليحظى بتغطية الإعلام الأميركي لعيّنة من مجازر ارتكبها عناصر وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة السورية المؤقّتة، في محافظة السويداء في أقصى جنوب سوريا، التي يبلغ عدد سكّانها نحو 500 ألف نسمة، غالبيتهم من الدروز.

نساء العائلة، في بيتهن القريب من ساحة كانت ملعباً لطفولة ضحايا المجزرة، لم يصلهن الخبر إلا في صباح اليوم التالي، بعد انقضاء أربع وعشرين ساعة على جثث مرميّة تحت شمس السويداء الحارقة وليلها الأخرس، إلا من دويّ القذائف ورائحة الموت المُتربّص بمكوّن سوري كامل، مدانٍ بجريمة انتمائه إلى طائفة الدروز. ففي حين دخلت هذه الجماعات السويداء تحت مسمّى (فضّ الاشتباك وضبط الأمن) لم تضبط في واقع الأمر، ولا حتى بشاعة أشكال القتل والإذلال والنهب وحرق كلّ مظهر للمدنية…

في مكالمة فيديو مع نساء البيت، بدت السيدة غازية، أم الشهداء الثلاثة عليّ ووليد ويحيى، وهم أبناؤها الذكور جميعهم، وجدّة اسماعيل جانبيه ابن ابنتها، بدت صافنة، ساهمة عن دنيانا، تدمع عيناها ثم تركّز نظّارتيها وتعاود القراءة في كتاب الحكمة…    

بذهول، تقول ديما زوجة عليّ: “الصبح حوالي الساعة 6 كنا نايمين، سمعت حركة قوية قدّام بيتنا، من الشباك رأيتهم، كثار كثير، سمعت واحد لهجته إدلبية ع بيسأل: كم واحد بهذا البيت؟ رد عليه واحد لهجتُه بدوية: 6 رجال، بعرفهم. ثم صيحات الله أكبر من الكل، وتطويق الدار، ثم قذيفتين هاون على البيت أصابت المطبخ والدرج وإحدى غرف النوم، سقط علينا باطون من السقف، ثم رصاص على بوابة المضافة في الطابق الأرضي. اقتحموا كالوحوش بلباس مكتوب عليه: لا إله إلا الله، كانوا كثار، كثار. بينما رجالنا قد أفاقوا ووقفوا في رأس الدرج عند الطابق الثاني، فورا أطلق واحد رصاص عليهم، أصاب زوجي علي، بعدها صاح أحدهم: سلّموا حالكم وعليكم الأمان. نزلوا رجالنا، كانوا بالبيجامات، علي لابس برجله شحاطة، وحسام كان حافي. صفّفوهم رتلاً مترادفاً وساروا بهم خارج البيت”.

تُكمل ديما بصوت راجف: “بقي قسم من العساكر معنا نحن النساء، صاحوا بنا: فوتوا لجوّا أحسن ما نصفّيكن. تراجعنا للكوريدور وتكوّمنا حوالين بعضنا. بعد شويّ رجعوا جماعة منهم، صاروا بناتنا يبكوا ويعيّطوا: وين أخذتوا بيّاتنا (آباءنا) الرجال كانوا لابسين أسود، لباس الأمن العام، حبسونا بغرفة وغلّقوا علينا. قلت له: موجّهة الله عليك لا تؤذوا رجالنا. أجابني: انتو غدارين من عصابات الهجري، هاتوا كل مفاتيح السيارات والخزنة بتكون مقابل سلامة رجالكم. بعد ما أخذوا المفاتيح عرّف أحدهم عن نفسه: أنا أبو جعفر من دير الزور نحنا جايين بحث عن السلاح وبس، وأنتو قطعتولي قلبي، من هالشوارب بدّي رجّعلكن آباءكن، كلها ساعتين تحقيق وبيرجعوا. 

ما كنا منعرف انهن صفّوا رجالنا ورجعوا لعندنا لينهبوا”.

تروي هيلين زوجة يحيى: “كانوا جماعات كأنها منفصلة عن بعضها. بعد أولئك، دخل علينا اثنين قالوا انهم من الحرس الجمهوري. قال: بدّي أمّن عليكن، راح آخذكن لعند أهلي بدرعا، أمي بتحب الضيوف وبتكرمهم، ولما يهدأ الحال برجّعكن، ارتعبنا. قلنا له: خلينا هون حوالين أهلنا، قال: هاتوا شو عندكن ذهب ومصاري؟ قلنالهم: اللي قبلكن أخذوا كل شي خذوا شو ما بدكم من البيت بس رجّعوا رجالنا. حبسونا بلا طعام ولا ماء، وظلوا طول النهار والليل ينهبوا ويكوّموا كل شي بالسيارات وأخذوها محمّلة وراحوا”.

تُتابع ماجدة زوجة غسان وأم حسام وكريم: “أخذوا الرجال وحبسونا بالغرفة. وكلنا كنا لابسين ثياب محتشمة ومغطيين رؤوسنا، ولبّسنا حتى البنات فوط سميكة على رؤوسهن وتلفّعوا ببطانيات رقيقة. كل شوي تيجي مجموعة جديدة، عرّف أحدهم عن نفسه: أنا أبو قتيبة شو عندكن ذهب؟ ردّينا: جماعة أبو جعفر أخذوا كل شي. قال: منستفيد منكن بشغلات ثانية، هاي عندكن صبايا حلوات، ونحنا مرعوبين وساكتين. واحد منهن انجعى على الدرج، أخذ راحته وصار يدخّن ويقول: مين جايي على بالها تعدّل مزاجها بسيجارة؟ بنات سلفي صبايا زغار يبكوا وأنا سكّتهم. شفت كيف تطليعتُه إلهن مش نظيفة، حطيت إيدي على قلبي. واحد منهن قال: خلص لا تهكلوا همّ، مسك وحدة من البنات وباس راسها، وقال لإختي غازية، أم الشباب: أنتِ بمقام الوالدة، وكان ع بيتطلع بسنسال برقبتي، فكّيت السلسال وقلتله خذه، وأخذ كمان السلسال من رقبة ديما. كان في معهن واحد شكلو غريب، أسود، ولهجته غريبة: قال ما عليكن أمان، هاتوا الموبايلات”.  

سميرة، أخت غسان وعمّة  حسام وكريم، تقول بأشدّ حسرة: “قال لنا المعزّون: يا ريت تركوا ولو واحد منهم حيّ. قلنا لها: يا نغصة قلبي عليهم، هم ورثوا عن والديهم وجدهم المحبة والوِفق. يمكن لو بقي واحد منهم حيّ كان مات طقّ، ما بيقدر يعيش بلاهن. رجالنا مثل ما حبوا بعضهم بالحياة مسكوا إيدين بعضهم وراحوا عالموت سوا، حتى لا حدا يعتب على الثاني ولا حدا يحزن على الثاني”.

تقول ديما: “من جميع رجال عائلتنا بقي لي ابن وحيد يدرس في الجامعة الأميركية في الإمارات”.

تنحب ماجدة زوجة غسان وأم حسام وكريم، وتشرح: “قلتُ لابن عم زوجي، الدكتور بسّام جانبيه: ليش دفنتهم بسرعة؟ يا ريتك خلّيتنا نودّعهم، أجاب: أكرمتهم بالدفن السريع، وما كان بدّي ايّاكِ تشوفي شو صار فيهم بعد 24 ساعة مشلوحين تحت الشمس والليل، ولا تشوفي السويداء المنكوبة بعد غزو الهمج، خلّيكي متذكرتيهن بصورتهم الحلوة”.

وتقول: آآآه، لو توزّعتْ مصيبتي على جبال ما بتحملها، لكني أشفق على نساء غيري، شتّتْ عقولهن وهن يجمعن أشلاء أبنائهن، وأدعو لهن بالصبر الجميل كما نحن راضيات ومسلّمات”.

تُخرج سميرة زفيراً طويلاً وتُكمل: “قضيّتنا هي قضية جبل العرب كله. رجالنا ماتوا في أجَلهم المقدّر، وكانوا عمّالين حسنات، بحسناتهم أشفق الله علينا نحن نساؤهم فصان عرضنا وسلمنا من وحوشهم، نحن نساء العائلة وغيرنا ممن احتمين ببيتنا، كنا حوالي عشر ولايا سلمتْ أعراضنا من هؤلاء البرابرة، اللصوص، الشياطين. مصيبتنا كبيرة، ومصيبة أسرتنا بالذات أكبر منّا، لكنّ مصائب الناس خفّفت من مصيبتنا، فرجالنا دُفنوا كاملين. أهلنا ربونا على الرضى والتسليم والإيمان بالقضاء والقدر والحياة والموت والتقمّص، شرّبونا إياها بالملعقة، والإيمان بيعين، ربنا غرس الصبر الجميل بقلوبنا..”.

تستذكر سميرة شيئاً: “الغريب، أنه وحين نُهب بيتنا، سلِم من همجيّتهم كيس أمانات للناس، فيه ذهب ومال، كما العادة منذ أيّام أبي وجدي، أودعه أهل جبل العرب في بيتنا، وخبّأه أخي غسان في مكان لائذ لا يهتدي سارق إليه… ألف الحمد لله على سلامة الأمانة، التي سنبدأ بإعادتها إلى أصحابها”.

هؤلاء هم آل سرايا، رجالاً ونساء…

لتوصيفهم، لا بدّ من فهم جزئيّة جوهرية في تركيبة السويداء، ما يمكن أن نسمّيها بمصطلحات اليوم: الحالة الدرزية، التي لن يفهمها غزاة السويداء، كحالة عاطفية وأخلاقية، آل سرايا خير مثال عليها. 

عائلة تُعيدنا إلى مفهوم الأسرة بمعناها الوجداني والتربوي؛ محبّة وأخلاق وكرم وعطاء وعلم وفهم وشهامة وصداقة وطيبة. عائلة لم تؤذِ في تاريخها أحداً، وتحتوي كلّ من يختلف عنها، وتعتني بعائلات فقيرة لا يمكن إحصاؤها، بدعم صامت! 

وإلى ذلك، هي مؤسّسة متكاملة، تتقاسم المهمّات والمسؤوليات في ما بينها، بينما غرف المؤونة فيها مشاع للجميع، ابتداء بالجدّ الأوّل سلمان سرايا، الذي كان تاجر قمح في النصف الأوّل من القرن العشرين، أيّام كان اقتصاد السويداء زراعياً وتقتصر التجارة فيها على تبادلية محلّية داخل المحافظة نفسها، انفتح سلمان سرايا على السفر لبيع القمح في دمشق والقدس.

أبناء سلمان سرايا ثلاثة: يوسف أكبرهم، سافر إلى المكسيك عن طريق بيروت. من هناك، وبعد أن أصبح في دمشق مكاتب سفر لتسيير معاملات طالبي الهجرة إلى أميركا اللاتينية عموماً، اشتغل على أمرين: طلب من أخويه يحيى (صاحب المرويّة أعلاه) ومهنّا المقيمين في السويداء، أن يفتتحا أوّل مكتب سفريّات في مدينة السويداء، يتولّى التواصل مع مكتب دمشق ليوفّر على الناس أعباء الأسفار المتكرّرة إلى العاصمة، وهو ما حصل، إذ أصبح مكتب الأخوين موثوقاً لإنجاز طلبات السفر، حتى وصول المهاجرين إلى مقاصدهم في مختلف دول أميركا اللاتينية. 

ومن جانبه، أسّس يوسف بنك مكسيكو في المكسيك، يُودع لديه أبناء السويداء أموالهم المدّخرة، ويحوّلها يوسف إلى بنك في بيروت، من هناك يستلمها أخواه يحيى ومهنّا ويأتيان بها إلى أصحابها أو عائلاتهم في السويداء. لاحقاً، وقبل أن تدخل ثقافة إيداع الأموال في البنوك لدى أهالي السويداء المقيمين فيها، أصبحوا يُودعون أموالهم ومصاغ نسائهم لدى الأخوين يحيى ومهنّا، وما زال كثيرون يفعلون هذا حتى اليوم.

وفي السويداء أيضاً، تقاسم يحيى ومهنّا مسؤوليات الأسرة والشأن العامّ، كمؤسّسة متكاملة. كان يحيى، إضافة إلى كونه تاجر قمح معروفاً بين تجّار دمشق، مسؤولاً عن الحالة العشائرية في محافظة السويداء، كشريك تحكيم رافد للتحكيم المدني، وسيط بين القضاء المدني والتحكيم العشائري، ما يستدعي تجوالاً دائماً في أنحاء المحافظة، بينما أخوه أبو عليّ مهنّا يربّي أولاده وأولاد أخيه، الذين يحبّونه ويحترمونه ويهابونه كأنه أبوهم لا عمّهم.

منذ أيّام الأخوين يحيى ومهنّا، اللذين لم يغتربا خارج السويداء يوماً، كان ارتباط عائلتيهما هو الأكثر حميمية وعمليّة. أنشآ معاً كازية (محطة وقود) سرايا، ومطحنة للقمح، وزرعا بساتين تفاح وعنب في ظهر الجبل، ولاحقاً، في منتصف ستينيات القرن الماضي، أنشأ ابن عمهم أسعد “سينما سرايا”، هي السينما الأولى كمعلَم في مدينة السويداء المعاصرة، وجزء حميم من ذاكرتها الراسخة.

حين توفّي يحيى سرايا في عام 1979، قال سلطان الأطرش: “اليوم قُطعت ذراعي اليمين”، تعبير لا يُحيل إلى حزن فحسب، بل هو أيضاً “نعي لركن في الوطن”، على حدّ تعبير حفيده المحامي علاء صيموعة.

تابع الأبناء على خطى الآباء. وُصف بيتهم بأنه مستودع أمانات، ووكالة تعليم طلّاب غير رسمية ولا حتى معلنة، ودعم جمعيات خيرية، إقراض المحتاجين دون منّة ولا فوائد، ولآجال طويلة، وتوزيع ما يفوق 100 كيس طحين دفعة واحدة كلّ موسم، يدور غسّان وأبناء عمّه بسياراتهم ليوزّعوها بأنفسهم على الناس، وكذلك المحروقات وصناديق التفاح وتنكات زيت الزيتون.

كان حسام وأخوه كريم (35 و33 عاماً) آخر من يسير على خطى العائلة. حسام الوسيم، جميل المحيّا، عذب البسمة، طيّب الملقى، درس المحاسبة في جامعة دمشق، وسافر إلى أميركا ليُكمل تعليمه ويدفع بدلاً عن خدمة الجيش، أكمل دراسة ماجستير محاسبة وتدقيق قانوني، ونال الجنسيّة الأميركية وعاد إلى السويداء، وافتتح فيها “مدرسة سرايا” الافتراضية الذكية، التي تُدرّس المنهج الأميركي لتعليم الأطفال من الصفّ الأوّل حتى الرابع. 

أدارها هو وأخوه كريم خرّيج كليّة إدارة الأعمال في الجامعة الأوروبية الخاصّة في سوريا. توسّعت المدرسة إلى أكثر من فرع، عدد تلاميذها كبير جداً، وكان في ارتفاع مستمرّ، مع تخصيص 350 مقعداً لتلاميذ يتلقّون التعليم بالمجّان. كذلك كان الأخوان يشتغلان على افتتاح فرع في السعودية.

لكنّهما قُتلا، واجتاح القتلة بساتين الزيتون في أراضي الثعلة غرب المدينة، اقتلعوا زيتون آل سرايا، وكلّ زيتون، ثم أحرقوا الأراضي والبساتين كما البيوت، وفجّروا آبار المياه.

شهد هيثم رافع، صهر العائلة: “يوم دفنّا شهداءنا، وبعد انسحاب قوات الأمن العامّ، وكان حصار السويداء ما يزال مستمرّاً، والماء والكهرباء والمحروقات والإنترنت مقطوعة، والجبهات في قرى السويداء الغربية مشتعلة؛ كان عليّ أخ زوجتي قد أخبرني قبل أيّام، أنه ملأ خزّانات كازيتهم بالوقود، فمنذ أحداث الساحل وجرمانا وصحنايا كان وأبناء عمّه يحدسون أن أمراً مماثلاً يُدبّر للسويداء، وعلينا أن نستعدّ. جئتُ مع رفاقي إلى حماتي أمّ عليّ، أم الشهداء، نستشيرها في فتح الكازية لتزويد الناس بالوقود، وأوّلهم المقاتلون دفاعاً عن السويداء. راقبتُ هذه المرأة اللي مخبيّة حزنها عنا، كيف رفعتْ عيونها عن كتاب الحكمة! الحكمة اللي علّمتها تظلّ رزينة وساكتة كلّ الوقت، يا دوب طلع صوتها مثل أي رجّال حكيم. أصلاً نحنا جدّاتنا وعمّاتنا وخالاتنا عندهن حكمة مثل الرجال وأكثر. 

قالت لي حماتي أمّ عليّ إنهن عبّوا الكازية، وكان قلبها حاسسها انو نحنا مقبلين على محنة، قالت: أي يا سندي افتحوا الكازية ووزعوا مازوت وبنزين على الناس اللي عم بيدافعوا عن السويدا، حسنة عن أرواح أولادنا”. 

ولأن الكهرباء مقطوعة، أخرجنا من المستودع ترومبة (آلة ضخّ) قديمة شبه بدائية تشتغل على البنزين، وقضينا الليل نضخّ المحروقات إلى الناس”.  

تقول ماجدة زوجة غسان وأم حسام وكريم: “منذ عدنا إلى البيت، أنتظر انفضاض المعزّين لأتعايش مع مأساتي، أدخل غرفة نومنا وغرف نوم أولادي، أُعيد ترتيب خزائنهم التي نعثها الشياطين ونهبوا منها ما نهبوا. تطلب النساء مساعدتي فأجيب: ما حدا بيعرف يساعد أمّ بترتيب خزانة أولادها، أنا أشمّ كلّ قطعة ثياب وأبوسها وأطويها وأبكي على عدد خيطانها، مشتاقتلهن كثييير كثير… ليتني متُّ قبلهم أو معهم، كانوا قريبين كثير، أصدقائي مش بس أولادي. كلّ يوم الصبح لازم قبل ما يروحوا عالشغل نقعد سوى أنا وزوجي وأولادي، نحكي بكل شي، نفضفض لبعضنا، والمسا نفس القعدة بعد الشغل. كنت إترك كل شي عندي شغل أو التزام منشان ما ضيّع هالقعدة، شو دينهم هالمجرمين ليقتلوا زوجي واولادي؟ جريمتنا إننا حبّينا هالبلد وما طقنا نعيش غير فيه وكان عندنا ألف فرصة، عندنا رزق خيرات الله، لكن أولادي بيحبوا الشغل، كانوا عصاميين. حسام كان يقول لي: يا ماما خليني إبني نفسي بالأول بعدين بتزوّج، ما بدي عيش على تعب بابا، العروس اللي راح إتجوّزها أنا اللي لازم إفتح لها بيت مش بابا، لازم إحفظ كرامتها. كانوا يحترموا الصغير قبل الكبير، يمرّ طفل ع بيبيع بسكوت، كل مرة حسام يشتري منه ويعطيه زيادة ويجيب عالبيت ونحنا ما مناكل بسكوت، يقول: خلّيه يظلّ يترزّق الله أحسن ما يشحذ أو ينحرف”.

تعود ماجدة إلى البكاء: “مش عارفة على مين إحزن أكثر على زوجي وللا اولادي؟ بيقولوا الحزن عالولد أكثر، أنا حزني على كل حدا فيهم بيركّع جبل. زوجي غسان ما بيروح من بالي، حزّ بنفسي كثييير، يا غبنه، بعدو ما تهنّى بأولاده، كان بيحقلّه يعيش ويستمتع على قد ما بيحبّ الحياة والعيلة، وبيحبّ يقدّم للكل. بقلبي فقد وفرااااغ، كنت بتمنّى نكبر سوى ونفرح بأولادنا سوى، ظلّ قول له: نشالله موت أنا بحياتك، ولا لحظة فكّرت انهن راح يموتوا قبلي،الضربة انهن الثلاثة سوى، ما تركولي مجال إحزن على واحد منهم لحاله، أو إبكي مع حدا على اللي راح، ولا لاقي حدّي حدا منهن يبكي معي ويطبطب على ظهري. لكن أنا مأمّنة عليهن إنهن راحوا سوى عالموت، اولادي كانوا مع بيهم، يعني حسّوا بالأمان بوجوده قبل ما يموتوا، أعانوا بعضهم حتى على محنة الموت”.

نعى المحامي علاء صيموعة، ابن أختهم، أخواله على صفحته على “فيسبوك”: “غسّان، عليّ، وليد، يحيى، حسام، كريم، اسماعيل جانبيه، سرايا السويداء، ليسوا رجالاً فقط، بل أعمدة العزّ وحرّاس الشرف، سُراة الدرب، ومصابيح الحقّ في ليل طويل كانت فيه الأخلاق راية تُرفع، وكانت سوريا أوّلاً، والسويداء قلبها النابض، وسُويداؤها وجدانها العميق.

في زمان كانت الكلمة حرماً، والضيف سلطاناً، وقف يحيى كقاض من زمن العدالة الغابرة، يدفع من ماله حتى لا يُقال إن أمانة ضاعت في داره، وذاك الدمشقي الذي عاد من دمشق طارقاً باب مضافة جدّي باكياً، لأن اليد التي سألته عن المال كانت أطهر من أن تُخوّن، وأكرم من أن تُحرج.

هذان جدّي وأخوه، كانا خزّان أمانات المهاجرين إلى أميركا اللاتينية، ثقة تمشي على قدمين، ومضافة لا تُقفل إلا لتُفتح من جديد، دارهما دار “السرايا”، قلعة الكرم، وجامع الفخر، ومضيف من لا مضيف له. دار أنجبت أخوالي الشهداء الذين ذادوا عن الأرض، وحموا السويداء حين هجمت عليها ظلال الهمج. يومان من النار، وقفوا حائط صدّ، لا يخافون موتاً لأن الموت في حضن الأرض شرف.

دارهم، وصمة عزّ على جبين السويداء، وصمة ثورة في وجه هذا الحاكم الراهن. حين حاكم يخون ومحكوم يُذلّ، هؤلاء أخوالي، وهؤلاء شرفي، هؤلاء قبلتي، ولـتخسأ قبلة من اغتالهم.

رحلوا عن وجه الدنيا ووجوههم إلى ربّهم مشرقة، وأيديهم بيضاء. هؤلاء، سبقونا، ونحن بعد في أوّل سطر من كتابهم”.

“مش عارفة على مين إحزن أكثر على زوجي وللا اولادي؟ بيقولوا الحزن عالولد أكثر، أنا حزني على كل حدا فيهم بيركّع جبل.”

ثمّة مرويّة يتناقلها أهل السويداء شفاهاً:

في أوائل خمسينيات القرن الماضي، نزل أحد تجّار دمشق ضيفاً عند أبو حسن يحيى سرايا، التاجر المعروف في السويداء. في صباح اليوم الثاني، أفطر الضيف في المضافة، وقام ليتوجّه إلى السوق، توقّف قليلاً وقال لأبي حسن: “يمكن إني نسيت صرّة المصاري بالغرفة مطرح ما كنت نايم، وفيها ٢٥ ألف ليرة سورية”. 

كانت هذه تساوي غالياً في تلك الأيّام. استمهله يحيى سرايا، دخل إلى الغرفة وعاد ليعطيه الصرّة: “تفضّل، لاقتها إختك إم حسن تحت الفراش”. بعد استضافة أسبوع رجع التاجر الشامي إلى بيته بالبضاعة، لاقته زوجته باستغراب: “كيف جبت البضاعة وأنت نسيان صرّة المصاري هون بالبيت؟!”.

اجتمع التاجر الدمشقي بكبار تجّار الشام وأخبرهم بالقصة، وقرّر أن يسافر معهم إلى بيت أبو حسن في السويداء، حاملاً ذبيحة، ليردّ له ماله، ويعتذر منه ويشكره على كرمه. رحّب أبو حسن بضيوفه وذبح على شرف زيارتهم عدّة ذبائح ودعا وجهاء السويداء. 

بالردّ على سؤال التاجر الشامي: “إنو ليش هيك عملت وأعطيتني مصاري من عندك؟”، أجاب أبو حسن: “الأمانة عهد، والعهد متبادل، والمعزّب (المُستضيف) لازم يكون أهل للأمانة وبالتالي للاستضافة… هذا اللي ربونا عليه أهلنا وجدودنا”.

وتقول واقعة طازجة: صباح الأربعاء، 16 تمّوز/ يوليو 2025، إن جماعات لم يُربّها أهلها، ولا قادتها العسكريون، على معنى (العهد المتبادل) ردّت الأمانة لأبناء يحيى سرايا وأحفاده وأقاربه بمجزرة. ثمانية رجال، مدنيّون، ينتمون إلى هذا البيت: غسان يحيى سرايا وولداه حسام وكريم، وأبناء عمّه الثلاثة عليّ ووليد ويحيى، وابن أختهم اسماعيل جانبيه وجارهم عامر الفقيه، أُعدموا رمياً بالرصاص في ساحة خلدون زين الدين (تشرين سابقاً).

كان اسم هذه الساحة، مسرح الجريمة: ساحة تشرين، ومنذ انطلاق الموجة الأخيرة للثورة السورية السلمية، كما أيّام انطلاقتها في عام 2011، بإحيائها في محافظة السويداء وحدها ضدّ بشار الأسد، منذ آب/ أغسطس 2023 حتى هروب الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ارتأى روّاد ساحة الكرامة تغيير اسمها لتحمل اسم خلدون زين الدين، الضابط المنشقّ عن نظام الأسد في عام 2011، وشهيد الثورة على أرض السويداء حين تسلّل إلى ظهر جبل العرب مع رفاقه الثوار في كانون الأول/ ديسمبر في عام 2012، لتحرير السويداء من نظام الأسد. خسر خلدون زين الدين المعركة وحياته، لفظ أنفاسه الأخيرة مثخناً بجراحه، ناطقاً بوصيّته الأخيرة: الكرامة يا أهل الجبل، الكرامة!

ثلج جبل العرب وثّق دم خلدون زين الدين على بياضه، أما مجزرة الساحة التي تحمل اسمه، فقد وثّقها الفاعلون بفيديو مصوّر، ونشروه بأنفسهم. 

تسرّب الفيديو قرابة العاشرة مساء في اليوم نفسه، نقلته إليهم ناشطة تشتغل في التوثيق. وإن عرف أهل الضحايا، فلا أدنى إمكانيّة لقطع مئة متر، هي المسافة ما بين بيتهم وساحة خلدون زين الدين، التي يحتلّها الأمن العامّ وقنّاصته. 

بقيت الجثامين مشلوحةً حتى صباح 17 تمّوز/ يوليو، حيث قام الدكتور بسّام جانبيه قريب الضحايا ونسيبهم، بعملية دفن سريع، مستغلّاً ساعات الأمان القليلة ما بين انسحاب الأمن العامّ من المدينة وغزوة العشائر، التي أرسلها أحمد الشرع نفسه، وسيّرها أحمد الدالاتي.

من حظّ الشهيد حسام عدا أنه سوري (درزي) يحمل الجنسيّة الأميركية أيضاً، ليحظى بتغطية الإعلام الأميركي لعيّنة من مجازر ارتكبها عناصر وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة السورية المؤقّتة، في محافظة السويداء في أقصى جنوب سوريا، التي يبلغ عدد سكّانها نحو 500 ألف نسمة، غالبيتهم من الدروز.

نساء العائلة، في بيتهن القريب من ساحة كانت ملعباً لطفولة ضحايا المجزرة، لم يصلهن الخبر إلا في صباح اليوم التالي، بعد انقضاء أربع وعشرين ساعة على جثث مرميّة تحت شمس السويداء الحارقة وليلها الأخرس، إلا من دويّ القذائف ورائحة الموت المُتربّص بمكوّن سوري كامل، مدانٍ بجريمة انتمائه إلى طائفة الدروز. ففي حين دخلت هذه الجماعات السويداء تحت مسمّى (فضّ الاشتباك وضبط الأمن) لم تضبط في واقع الأمر، ولا حتى بشاعة أشكال القتل والإذلال والنهب وحرق كلّ مظهر للمدنية…

في مكالمة فيديو مع نساء البيت، بدت السيدة غازية، أم الشهداء الثلاثة عليّ ووليد ويحيى، وهم أبناؤها الذكور جميعهم، وجدّة اسماعيل جانبيه ابن ابنتها، بدت صافنة، ساهمة عن دنيانا، تدمع عيناها ثم تركّز نظّارتيها وتعاود القراءة في كتاب الحكمة…    

بذهول، تقول ديما زوجة عليّ: “الصبح حوالي الساعة 6 كنا نايمين، سمعت حركة قوية قدّام بيتنا، من الشباك رأيتهم، كثار كثير، سمعت واحد لهجته إدلبية ع بيسأل: كم واحد بهذا البيت؟ رد عليه واحد لهجتُه بدوية: 6 رجال، بعرفهم. ثم صيحات الله أكبر من الكل، وتطويق الدار، ثم قذيفتين هاون على البيت أصابت المطبخ والدرج وإحدى غرف النوم، سقط علينا باطون من السقف، ثم رصاص على بوابة المضافة في الطابق الأرضي. اقتحموا كالوحوش بلباس مكتوب عليه: لا إله إلا الله، كانوا كثار، كثار. بينما رجالنا قد أفاقوا ووقفوا في رأس الدرج عند الطابق الثاني، فورا أطلق واحد رصاص عليهم، أصاب زوجي علي، بعدها صاح أحدهم: سلّموا حالكم وعليكم الأمان. نزلوا رجالنا، كانوا بالبيجامات، علي لابس برجله شحاطة، وحسام كان حافي. صفّفوهم رتلاً مترادفاً وساروا بهم خارج البيت”.

تُكمل ديما بصوت راجف: “بقي قسم من العساكر معنا نحن النساء، صاحوا بنا: فوتوا لجوّا أحسن ما نصفّيكن. تراجعنا للكوريدور وتكوّمنا حوالين بعضنا. بعد شويّ رجعوا جماعة منهم، صاروا بناتنا يبكوا ويعيّطوا: وين أخذتوا بيّاتنا (آباءنا) الرجال كانوا لابسين أسود، لباس الأمن العام، حبسونا بغرفة وغلّقوا علينا. قلت له: موجّهة الله عليك لا تؤذوا رجالنا. أجابني: انتو غدارين من عصابات الهجري، هاتوا كل مفاتيح السيارات والخزنة بتكون مقابل سلامة رجالكم. بعد ما أخذوا المفاتيح عرّف أحدهم عن نفسه: أنا أبو جعفر من دير الزور نحنا جايين بحث عن السلاح وبس، وأنتو قطعتولي قلبي، من هالشوارب بدّي رجّعلكن آباءكن، كلها ساعتين تحقيق وبيرجعوا. 

ما كنا منعرف انهن صفّوا رجالنا ورجعوا لعندنا لينهبوا”.

تروي هيلين زوجة يحيى: “كانوا جماعات كأنها منفصلة عن بعضها. بعد أولئك، دخل علينا اثنين قالوا انهم من الحرس الجمهوري. قال: بدّي أمّن عليكن، راح آخذكن لعند أهلي بدرعا، أمي بتحب الضيوف وبتكرمهم، ولما يهدأ الحال برجّعكن، ارتعبنا. قلنا له: خلينا هون حوالين أهلنا، قال: هاتوا شو عندكن ذهب ومصاري؟ قلنالهم: اللي قبلكن أخذوا كل شي خذوا شو ما بدكم من البيت بس رجّعوا رجالنا. حبسونا بلا طعام ولا ماء، وظلوا طول النهار والليل ينهبوا ويكوّموا كل شي بالسيارات وأخذوها محمّلة وراحوا”.

تُتابع ماجدة زوجة غسان وأم حسام وكريم: “أخذوا الرجال وحبسونا بالغرفة. وكلنا كنا لابسين ثياب محتشمة ومغطيين رؤوسنا، ولبّسنا حتى البنات فوط سميكة على رؤوسهن وتلفّعوا ببطانيات رقيقة. كل شوي تيجي مجموعة جديدة، عرّف أحدهم عن نفسه: أنا أبو قتيبة شو عندكن ذهب؟ ردّينا: جماعة أبو جعفر أخذوا كل شي. قال: منستفيد منكن بشغلات ثانية، هاي عندكن صبايا حلوات، ونحنا مرعوبين وساكتين. واحد منهن انجعى على الدرج، أخذ راحته وصار يدخّن ويقول: مين جايي على بالها تعدّل مزاجها بسيجارة؟ بنات سلفي صبايا زغار يبكوا وأنا سكّتهم. شفت كيف تطليعتُه إلهن مش نظيفة، حطيت إيدي على قلبي. واحد منهن قال: خلص لا تهكلوا همّ، مسك وحدة من البنات وباس راسها، وقال لإختي غازية، أم الشباب: أنتِ بمقام الوالدة، وكان ع بيتطلع بسنسال برقبتي، فكّيت السلسال وقلتله خذه، وأخذ كمان السلسال من رقبة ديما. كان في معهن واحد شكلو غريب، أسود، ولهجته غريبة: قال ما عليكن أمان، هاتوا الموبايلات”.  

سميرة، أخت غسان وعمّة  حسام وكريم، تقول بأشدّ حسرة: “قال لنا المعزّون: يا ريت تركوا ولو واحد منهم حيّ. قلنا لها: يا نغصة قلبي عليهم، هم ورثوا عن والديهم وجدهم المحبة والوِفق. يمكن لو بقي واحد منهم حيّ كان مات طقّ، ما بيقدر يعيش بلاهن. رجالنا مثل ما حبوا بعضهم بالحياة مسكوا إيدين بعضهم وراحوا عالموت سوا، حتى لا حدا يعتب على الثاني ولا حدا يحزن على الثاني”.

تقول ديما: “من جميع رجال عائلتنا بقي لي ابن وحيد يدرس في الجامعة الأميركية في الإمارات”.

تنحب ماجدة زوجة غسان وأم حسام وكريم، وتشرح: “قلتُ لابن عم زوجي، الدكتور بسّام جانبيه: ليش دفنتهم بسرعة؟ يا ريتك خلّيتنا نودّعهم، أجاب: أكرمتهم بالدفن السريع، وما كان بدّي ايّاكِ تشوفي شو صار فيهم بعد 24 ساعة مشلوحين تحت الشمس والليل، ولا تشوفي السويداء المنكوبة بعد غزو الهمج، خلّيكي متذكرتيهن بصورتهم الحلوة”.

وتقول: آآآه، لو توزّعتْ مصيبتي على جبال ما بتحملها، لكني أشفق على نساء غيري، شتّتْ عقولهن وهن يجمعن أشلاء أبنائهن، وأدعو لهن بالصبر الجميل كما نحن راضيات ومسلّمات”.

تُخرج سميرة زفيراً طويلاً وتُكمل: “قضيّتنا هي قضية جبل العرب كله. رجالنا ماتوا في أجَلهم المقدّر، وكانوا عمّالين حسنات، بحسناتهم أشفق الله علينا نحن نساؤهم فصان عرضنا وسلمنا من وحوشهم، نحن نساء العائلة وغيرنا ممن احتمين ببيتنا، كنا حوالي عشر ولايا سلمتْ أعراضنا من هؤلاء البرابرة، اللصوص، الشياطين. مصيبتنا كبيرة، ومصيبة أسرتنا بالذات أكبر منّا، لكنّ مصائب الناس خفّفت من مصيبتنا، فرجالنا دُفنوا كاملين. أهلنا ربونا على الرضى والتسليم والإيمان بالقضاء والقدر والحياة والموت والتقمّص، شرّبونا إياها بالملعقة، والإيمان بيعين، ربنا غرس الصبر الجميل بقلوبنا..”.

تستذكر سميرة شيئاً: “الغريب، أنه وحين نُهب بيتنا، سلِم من همجيّتهم كيس أمانات للناس، فيه ذهب ومال، كما العادة منذ أيّام أبي وجدي، أودعه أهل جبل العرب في بيتنا، وخبّأه أخي غسان في مكان لائذ لا يهتدي سارق إليه… ألف الحمد لله على سلامة الأمانة، التي سنبدأ بإعادتها إلى أصحابها”.

هؤلاء هم آل سرايا، رجالاً ونساء…

لتوصيفهم، لا بدّ من فهم جزئيّة جوهرية في تركيبة السويداء، ما يمكن أن نسمّيها بمصطلحات اليوم: الحالة الدرزية، التي لن يفهمها غزاة السويداء، كحالة عاطفية وأخلاقية، آل سرايا خير مثال عليها. 

عائلة تُعيدنا إلى مفهوم الأسرة بمعناها الوجداني والتربوي؛ محبّة وأخلاق وكرم وعطاء وعلم وفهم وشهامة وصداقة وطيبة. عائلة لم تؤذِ في تاريخها أحداً، وتحتوي كلّ من يختلف عنها، وتعتني بعائلات فقيرة لا يمكن إحصاؤها، بدعم صامت! 

وإلى ذلك، هي مؤسّسة متكاملة، تتقاسم المهمّات والمسؤوليات في ما بينها، بينما غرف المؤونة فيها مشاع للجميع، ابتداء بالجدّ الأوّل سلمان سرايا، الذي كان تاجر قمح في النصف الأوّل من القرن العشرين، أيّام كان اقتصاد السويداء زراعياً وتقتصر التجارة فيها على تبادلية محلّية داخل المحافظة نفسها، انفتح سلمان سرايا على السفر لبيع القمح في دمشق والقدس.

أبناء سلمان سرايا ثلاثة: يوسف أكبرهم، سافر إلى المكسيك عن طريق بيروت. من هناك، وبعد أن أصبح في دمشق مكاتب سفر لتسيير معاملات طالبي الهجرة إلى أميركا اللاتينية عموماً، اشتغل على أمرين: طلب من أخويه يحيى (صاحب المرويّة أعلاه) ومهنّا المقيمين في السويداء، أن يفتتحا أوّل مكتب سفريّات في مدينة السويداء، يتولّى التواصل مع مكتب دمشق ليوفّر على الناس أعباء الأسفار المتكرّرة إلى العاصمة، وهو ما حصل، إذ أصبح مكتب الأخوين موثوقاً لإنجاز طلبات السفر، حتى وصول المهاجرين إلى مقاصدهم في مختلف دول أميركا اللاتينية. 

ومن جانبه، أسّس يوسف بنك مكسيكو في المكسيك، يُودع لديه أبناء السويداء أموالهم المدّخرة، ويحوّلها يوسف إلى بنك في بيروت، من هناك يستلمها أخواه يحيى ومهنّا ويأتيان بها إلى أصحابها أو عائلاتهم في السويداء. لاحقاً، وقبل أن تدخل ثقافة إيداع الأموال في البنوك لدى أهالي السويداء المقيمين فيها، أصبحوا يُودعون أموالهم ومصاغ نسائهم لدى الأخوين يحيى ومهنّا، وما زال كثيرون يفعلون هذا حتى اليوم.

وفي السويداء أيضاً، تقاسم يحيى ومهنّا مسؤوليات الأسرة والشأن العامّ، كمؤسّسة متكاملة. كان يحيى، إضافة إلى كونه تاجر قمح معروفاً بين تجّار دمشق، مسؤولاً عن الحالة العشائرية في محافظة السويداء، كشريك تحكيم رافد للتحكيم المدني، وسيط بين القضاء المدني والتحكيم العشائري، ما يستدعي تجوالاً دائماً في أنحاء المحافظة، بينما أخوه أبو عليّ مهنّا يربّي أولاده وأولاد أخيه، الذين يحبّونه ويحترمونه ويهابونه كأنه أبوهم لا عمّهم.

منذ أيّام الأخوين يحيى ومهنّا، اللذين لم يغتربا خارج السويداء يوماً، كان ارتباط عائلتيهما هو الأكثر حميمية وعمليّة. أنشآ معاً كازية (محطة وقود) سرايا، ومطحنة للقمح، وزرعا بساتين تفاح وعنب في ظهر الجبل، ولاحقاً، في منتصف ستينيات القرن الماضي، أنشأ ابن عمهم أسعد “سينما سرايا”، هي السينما الأولى كمعلَم في مدينة السويداء المعاصرة، وجزء حميم من ذاكرتها الراسخة.

حين توفّي يحيى سرايا في عام 1979، قال سلطان الأطرش: “اليوم قُطعت ذراعي اليمين”، تعبير لا يُحيل إلى حزن فحسب، بل هو أيضاً “نعي لركن في الوطن”، على حدّ تعبير حفيده المحامي علاء صيموعة.

تابع الأبناء على خطى الآباء. وُصف بيتهم بأنه مستودع أمانات، ووكالة تعليم طلّاب غير رسمية ولا حتى معلنة، ودعم جمعيات خيرية، إقراض المحتاجين دون منّة ولا فوائد، ولآجال طويلة، وتوزيع ما يفوق 100 كيس طحين دفعة واحدة كلّ موسم، يدور غسّان وأبناء عمّه بسياراتهم ليوزّعوها بأنفسهم على الناس، وكذلك المحروقات وصناديق التفاح وتنكات زيت الزيتون.

كان حسام وأخوه كريم (35 و33 عاماً) آخر من يسير على خطى العائلة. حسام الوسيم، جميل المحيّا، عذب البسمة، طيّب الملقى، درس المحاسبة في جامعة دمشق، وسافر إلى أميركا ليُكمل تعليمه ويدفع بدلاً عن خدمة الجيش، أكمل دراسة ماجستير محاسبة وتدقيق قانوني، ونال الجنسيّة الأميركية وعاد إلى السويداء، وافتتح فيها “مدرسة سرايا” الافتراضية الذكية، التي تُدرّس المنهج الأميركي لتعليم الأطفال من الصفّ الأوّل حتى الرابع. 

أدارها هو وأخوه كريم خرّيج كليّة إدارة الأعمال في الجامعة الأوروبية الخاصّة في سوريا. توسّعت المدرسة إلى أكثر من فرع، عدد تلاميذها كبير جداً، وكان في ارتفاع مستمرّ، مع تخصيص 350 مقعداً لتلاميذ يتلقّون التعليم بالمجّان. كذلك كان الأخوان يشتغلان على افتتاح فرع في السعودية.

لكنّهما قُتلا، واجتاح القتلة بساتين الزيتون في أراضي الثعلة غرب المدينة، اقتلعوا زيتون آل سرايا، وكلّ زيتون، ثم أحرقوا الأراضي والبساتين كما البيوت، وفجّروا آبار المياه.

شهد هيثم رافع، صهر العائلة: “يوم دفنّا شهداءنا، وبعد انسحاب قوات الأمن العامّ، وكان حصار السويداء ما يزال مستمرّاً، والماء والكهرباء والمحروقات والإنترنت مقطوعة، والجبهات في قرى السويداء الغربية مشتعلة؛ كان عليّ أخ زوجتي قد أخبرني قبل أيّام، أنه ملأ خزّانات كازيتهم بالوقود، فمنذ أحداث الساحل وجرمانا وصحنايا كان وأبناء عمّه يحدسون أن أمراً مماثلاً يُدبّر للسويداء، وعلينا أن نستعدّ. جئتُ مع رفاقي إلى حماتي أمّ عليّ، أم الشهداء، نستشيرها في فتح الكازية لتزويد الناس بالوقود، وأوّلهم المقاتلون دفاعاً عن السويداء. راقبتُ هذه المرأة اللي مخبيّة حزنها عنا، كيف رفعتْ عيونها عن كتاب الحكمة! الحكمة اللي علّمتها تظلّ رزينة وساكتة كلّ الوقت، يا دوب طلع صوتها مثل أي رجّال حكيم. أصلاً نحنا جدّاتنا وعمّاتنا وخالاتنا عندهن حكمة مثل الرجال وأكثر. 

قالت لي حماتي أمّ عليّ إنهن عبّوا الكازية، وكان قلبها حاسسها انو نحنا مقبلين على محنة، قالت: أي يا سندي افتحوا الكازية ووزعوا مازوت وبنزين على الناس اللي عم بيدافعوا عن السويدا، حسنة عن أرواح أولادنا”. 

ولأن الكهرباء مقطوعة، أخرجنا من المستودع ترومبة (آلة ضخّ) قديمة شبه بدائية تشتغل على البنزين، وقضينا الليل نضخّ المحروقات إلى الناس”.  

تقول ماجدة زوجة غسان وأم حسام وكريم: “منذ عدنا إلى البيت، أنتظر انفضاض المعزّين لأتعايش مع مأساتي، أدخل غرفة نومنا وغرف نوم أولادي، أُعيد ترتيب خزائنهم التي نعثها الشياطين ونهبوا منها ما نهبوا. تطلب النساء مساعدتي فأجيب: ما حدا بيعرف يساعد أمّ بترتيب خزانة أولادها، أنا أشمّ كلّ قطعة ثياب وأبوسها وأطويها وأبكي على عدد خيطانها، مشتاقتلهن كثييير كثير… ليتني متُّ قبلهم أو معهم، كانوا قريبين كثير، أصدقائي مش بس أولادي. كلّ يوم الصبح لازم قبل ما يروحوا عالشغل نقعد سوى أنا وزوجي وأولادي، نحكي بكل شي، نفضفض لبعضنا، والمسا نفس القعدة بعد الشغل. كنت إترك كل شي عندي شغل أو التزام منشان ما ضيّع هالقعدة، شو دينهم هالمجرمين ليقتلوا زوجي واولادي؟ جريمتنا إننا حبّينا هالبلد وما طقنا نعيش غير فيه وكان عندنا ألف فرصة، عندنا رزق خيرات الله، لكن أولادي بيحبوا الشغل، كانوا عصاميين. حسام كان يقول لي: يا ماما خليني إبني نفسي بالأول بعدين بتزوّج، ما بدي عيش على تعب بابا، العروس اللي راح إتجوّزها أنا اللي لازم إفتح لها بيت مش بابا، لازم إحفظ كرامتها. كانوا يحترموا الصغير قبل الكبير، يمرّ طفل ع بيبيع بسكوت، كل مرة حسام يشتري منه ويعطيه زيادة ويجيب عالبيت ونحنا ما مناكل بسكوت، يقول: خلّيه يظلّ يترزّق الله أحسن ما يشحذ أو ينحرف”.

تعود ماجدة إلى البكاء: “مش عارفة على مين إحزن أكثر على زوجي وللا اولادي؟ بيقولوا الحزن عالولد أكثر، أنا حزني على كل حدا فيهم بيركّع جبل. زوجي غسان ما بيروح من بالي، حزّ بنفسي كثييير، يا غبنه، بعدو ما تهنّى بأولاده، كان بيحقلّه يعيش ويستمتع على قد ما بيحبّ الحياة والعيلة، وبيحبّ يقدّم للكل. بقلبي فقد وفرااااغ، كنت بتمنّى نكبر سوى ونفرح بأولادنا سوى، ظلّ قول له: نشالله موت أنا بحياتك، ولا لحظة فكّرت انهن راح يموتوا قبلي،الضربة انهن الثلاثة سوى، ما تركولي مجال إحزن على واحد منهم لحاله، أو إبكي مع حدا على اللي راح، ولا لاقي حدّي حدا منهن يبكي معي ويطبطب على ظهري. لكن أنا مأمّنة عليهن إنهن راحوا سوى عالموت، اولادي كانوا مع بيهم، يعني حسّوا بالأمان بوجوده قبل ما يموتوا، أعانوا بعضهم حتى على محنة الموت”.

نعى المحامي علاء صيموعة، ابن أختهم، أخواله على صفحته على “فيسبوك”: “غسّان، عليّ، وليد، يحيى، حسام، كريم، اسماعيل جانبيه، سرايا السويداء، ليسوا رجالاً فقط، بل أعمدة العزّ وحرّاس الشرف، سُراة الدرب، ومصابيح الحقّ في ليل طويل كانت فيه الأخلاق راية تُرفع، وكانت سوريا أوّلاً، والسويداء قلبها النابض، وسُويداؤها وجدانها العميق.

في زمان كانت الكلمة حرماً، والضيف سلطاناً، وقف يحيى كقاض من زمن العدالة الغابرة، يدفع من ماله حتى لا يُقال إن أمانة ضاعت في داره، وذاك الدمشقي الذي عاد من دمشق طارقاً باب مضافة جدّي باكياً، لأن اليد التي سألته عن المال كانت أطهر من أن تُخوّن، وأكرم من أن تُحرج.

هذان جدّي وأخوه، كانا خزّان أمانات المهاجرين إلى أميركا اللاتينية، ثقة تمشي على قدمين، ومضافة لا تُقفل إلا لتُفتح من جديد، دارهما دار “السرايا”، قلعة الكرم، وجامع الفخر، ومضيف من لا مضيف له. دار أنجبت أخوالي الشهداء الذين ذادوا عن الأرض، وحموا السويداء حين هجمت عليها ظلال الهمج. يومان من النار، وقفوا حائط صدّ، لا يخافون موتاً لأن الموت في حضن الأرض شرف.

دارهم، وصمة عزّ على جبين السويداء، وصمة ثورة في وجه هذا الحاكم الراهن. حين حاكم يخون ومحكوم يُذلّ، هؤلاء أخوالي، وهؤلاء شرفي، هؤلاء قبلتي، ولـتخسأ قبلة من اغتالهم.

رحلوا عن وجه الدنيا ووجوههم إلى ربّهم مشرقة، وأيديهم بيضاء. هؤلاء، سبقونا، ونحن بعد في أوّل سطر من كتابهم”.