ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

عن مصير الأموال المستردّة من الفساد في العراق

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يرى المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء مظهر محمد صالح أن استرداد الأموال يحقق للدولة مكسبين متلازمين، الأول يتمثل في تعزيز المالية العامة عبر تدفقات نقدية جديدة تدخل الموازنة تحت باب الإيرادات الأخرى، والثاني يتمثل في وقف نزيف الفساد الذي استنزف المال العام لسنوات، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تقليل الهدر وخفض كلفة الإنفاق الحكومي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تعد القضية في العراق تقتصر على اعتقال مسؤول أو استعادة رزم من الأموال والذهب والعقارات، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر حساسية تتعلق بإدارة تلك الأموال بعد عودتها إلى الدولة. فحملة “صولة الفجر” لم تكشف فقط حجم الثروات التي راكمها متهمون بالفساد، وإنما وضعت الحكومة أمام اختبار مختلف يتمثل في تحويل الأموال المستردة إلى منفعة عامة يشعر بها العراقيون، بدلاً من أن تتحول إلى أرقام تذوب داخل أبواب الموازنة العامة.

الصور التي وثقت ضبط مليارات الدنانير وملايين الدولارات وكميات كبيرة من الذهب والعقارات أعادت إلى الواجهة ملفاً ظل لسنوات مرتبطاً بملاحقة الفاسدين، فيما بقيت المرحلة اللاحقة، وهي إدارة الأموال المستردة، أقل حضوراً في النقاش العام. فنجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يقاس بعدد أوامر القبض أو حجم الأموال المضبوطة فحسب، وإنما بقدرة الدولة على إعادة توظيف تلك الموارد في مشاريع تعيد الى المواطن جزءاً من المال الذي فقده بسبب الفساد.

وتزداد أهمية هذا الملف في ظلّ التباين الكبير في تقديرات الأموال المنهوبة منذ عام 2003، والتي تتراوح، بحسب مسؤولين وخبراء، بين 60 و300 مليار دولار، فيما يرفع آخرون الرقم إلى أكثر من تريليوني دولار، وهو ما يجعل الأموال المستردة، مهما بلغ حجمها، مورداً استثنائياً يستوجب إدارة مختلفة عن إيرادات الدولة التقليدية.

يرى المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء مظهر محمد صالح أن استرداد الأموال يحقق للدولة مكسبين متلازمين، الأول يتمثل في تعزيز المالية العامة عبر تدفقات نقدية جديدة تدخل الموازنة تحت باب الإيرادات الأخرى، والثاني يتمثل في وقف نزيف الفساد الذي استنزف المال العام لسنوات، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تقليل الهدر وخفض كلفة الإنفاق الحكومي.

ويصف صالح هذه المعادلة بأنها تحقق أثراً مالياً مزدوجاً، فالدولة لا تستفيد فقط من الأموال التي تستردها، بل أيضاً من الأموال التي لن تُهدر مستقبلاً بعد إغلاق منافذ الفساد، وهو ما يمثل اقتصادياً “كلفة الفرصة البديلة”. 

ويوضح أن إنشاء حساب خاص لإيداع الأموال المستردة يحمل بعداً يتجاوز الجانب المالي، لأنه يعكس مستوى حوكمة الدولة ويمنع ذوبان تلك الأموال داخل حسابات الموازنة التقليدية، بما يحفظ ما يسميه “الذاكرة المالية العراقية”.

ويؤكد أن الأموال المستردة ينبغي أن تتجه إلى مشاريع خدمية واضحة، مثل بناء المستشفيات وشق الطرق وتمويل شبكات الرعاية الاجتماعية ودعم الأيتام والأرامل، بما يعكس انتقال المال من مسار الفساد إلى مسار التنمية. كما يعتقد أن هذه الموارد ستخفف الحاجة إلى الاقتراض الداخلي والخارجي، وإن كان حجم تأثيرها سيبقى مرهوناً بقيمة الأموال التي ستنجح الدولة في استردادها.

ويشير صالح إلى أن تقدير الأموال المنهوبة لا يزال محل تباين، إذ تتراوح التقديرات بين 60 و300 مليار دولار، موضحاً أن الأموال المطلوب استردادها لا تقتصر على النقد، بل تشمل عقارات وأراضيَ ومزارع ومركبات وأسهماً وسندات وأصولاً موجودة خارج البلاد، وهو ما يجعل عملية الحصر والاسترداد معقّدة وتحتاج إلى وقت وجهد قانوني ودولي.

غير أن إدارة هذه الأموال بعد استردادها لا تخضع للبعد المالي وحده، إنما ترتبط أيضاً بإطار قانوني يحدد كيفية التصرف بها.

المتخصص في الشأن القانوني محمد جمال يوضح أن المشرع العراقي نظم استرداد الأموال عبر قانون صندوق استرداد أموال العراق رقم (9) لسنة 2012 المعدل، فيما نصت المادة (11) منه على إيداع الأموال المستردة في حساب وزارة المالية وتسجيلها باسم الجهات العراقية.

كما نص قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 على أن جميع الإيرادات العامة تدخل إلى الخزينة العامة ويكون الإنفاق منها وفق قانون الموازنة.

إلا أن التشريعات النافذة، بحسب جمال، لم تنظم بصورة صريحة كيفية تخصيص الأموال المستردة بعد دخولها الخزينة، الأمر الذي يجعلها تندمج مع بقية الإيرادات العامة من دون وجود آلية مستقلة تسمح بتتبّعها أو تخصيصها مشاريع بعينها.

ويقول إن هذه الثغرة تستدعي تعديل التشريعات النافذة أو إصدار قانون خاص ينشئ صندوقاً وطنياً مستقلاً للأموال المستردة، يخضع لرقابة الجهات المتخصصة، مع تخصيص موارده لقطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، وإصدار تقارير دورية تكشف حجم الأموال المستردة وأوجه إنفاقها، بما يعزز الشفافية ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

وأثار ظهور رزم من الدولارات الجديدة بحوزة بعض المتهمين بالفساد تساؤلات بشأن مصدرها وآلية وصولها إليهم.

الخبير المالي والمدير السابق في البنك المركزي العراقي محمود داغر يؤكد أن وجود أوراق نقدية جديدة لدى الفاسدين لا يعني وجود مسار غير قانوني داخل البنك المركزي، موضحاً أن البنك يجهز المصارف بالأموال الجديدة، ثم تصرفها المصارف إلى المواطنين والشركات والدوائر الحكومية عند سحبهم أموالهم، لتصبح بعد ذلك جزءاً من التداول النقدي الطبيعي.

ويبين داغر أن حجم النقد المتداول خارج المصارف يبلغ نحو 95 تريليون دينار، وهو ما يزيد من احتمالات استخدام الأموال النقدية في عمليات الفساد، لافتاً إلى أن الفاسدين يفضلون التعامل بالنقد لأنه لا يترك أثراً مصرفياً واضحاً، خلافاً لوسائل الدفع الإلكتروني التي تتيح تتبع حركة الأموال ومراقبتها، وهو ما يجعل التوسع في الدفع الإلكتروني إحدى أهم أدوات الحد من الفساد.

وفي ما يتعلق بآلية الاستفادة من الأموال المستردة، يؤكد المتخصص بالشأن الاقتصادي حيدر الشيخ أن رئيس مجلس الوزراء وجّه وزير المالية بفتح حساب خاص لإيداع الأموال المستردة من المتهمين بالفساد والكسب غير المشروع.

ويقدر الشيخ أن قيمة الأموال النقدية المستردة قد تتجاوز الـ500 مليون دولار، فيما قد ترتفع إلى نحو مليار دولار بعد احتساب قيمة العقارات والممتلكات المنقولة وغير المنقولة التي ستُصادَر.

ويشير إلى أن الأموال المودعة في الحساب الخاص لا يمكن التصرف بها إلا بأمر مباشر من رئيس مجلس الوزراء، على أن تُجري الحكومة، بعد انتهاء حملة “صولة الفجر”، مناقلات مالية للاستفادة منها بحسب الأولويات التي تحددها.

وعلى الرغم من ذلك، يشرح الشيخ أن هذه الأموال لن تكون كافية لمعالجة الأزمة المالية بصورة شاملة، إذ يحتاج العراق إلى نحو 50 مليار دولار لسد العجز المالي، فيما تحتاج الحكومة إلى نحو 8 تريليونات دينار شهرياً لتأمين رواتب موظفي القطاع العام، ما يعني أن الأموال المستردة ستشكل مورداً مهماً، لكنها لن تكون بديلاً عن الإصلاحات الاقتصادية والمالية الأوسع.

ويردف أن الحملة تحمل في الوقت نفسه رسالة طمأنة للمستثمرين العرب والأجانب، لأنها تعكس جدية الحكومة في مكافحة الفساد، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على بيئة الاستثمار.

في السياق ذاته، يؤكد المستشار القانوني لرئيس الوزراء منير حداد أن حملة مكافحة الفساد لا تزال مستمرة وتتوسع استناداً إلى اعترافات المقبوض عليهم، وتشمل مسؤولين حاليين وسابقين ونواباً في قضايا تتعلق بالاختلاس وتضخم الثروات وغسل الأموال.

ويكشف حداد أن تقديرات الأموال المنهوبة من العراق منذ عام 2003 تجاوزت تريليوني دولار، مشيراً إلى أن التعاون مع إقليم كردستان أسفر عن استرداد ثمانية مطلوبين، وأن جميع الأموال والعقارات التي تثبت صلتها بجرائم الفساد ستعود إلى خزينة الدولة، فيما ستتواصل الحملة في جميع المحافظات وصولاً إلى محاكمات علنية واستكمال إجراءات استرجاع المال العام.

وفيما تتواصل التحقيقات، بدأت الحكومة تكشف تباعاً حجم الأموال والممتلكات التي ضبطتها خلال الحملة، وهو ما منح الرأي العام تصوراً أولياً عن حجم الثروات التي يتم تعقبها واستعادتها.

فقد أعلنت الحكومة، ضبط نحو 98 مليار دينار عراقي و11 مليون دولار أميركي في ملف وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، إلى جانب حجز 70 عقاراً و21 مركبة حديثة، فضلاً عن أسلحة ومصوغات ذهبية مخبأة.

كما أعلنت ضبط 11 مليون دولار أميركي و4 مليارات دينار عراقي، إضافة إلى أصول عقارية كبيرة لا تزال التحقيقات مستمرة بشأنها، في ملف وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج البهادلي.

وفي ملف النائبة عالية نصيف، كشفت الحكومة عن ضبط مبالغ تقدر بـ98 مليار دينار عراقي، إلى جانب 50 كيلوغراماً من الذهب.

وفي أبرز الأحكام القضائية التي رافقت الحملة، صدر حكم بالسجن لمدة 10 سنوات بحق المدير العام الأسبق للهيئة العامة للضرائب أسامة حسام جودت، و5 سنوات بحق زوجته تمارا صباح، مع فرض غرامة مالية قدرها 32 مليار دينار عراقي، ومصادرة 22 عقاراً داخل العراق وتركيا، إضافة إلى أموال مودعة في مصارف كويتية وتركية.

وعلى الرغم من أهمية هذه الأرقام، فإن القيمة الحقيقية لحملة “صولة الفجر” لن تُقاس بحجم الأموال المضبوطة لكن بقدرة الدولة على إدارة تلك الأموال بكفاءة وشفافية وتحويلها إلى مشاريع يلمسها المواطن في حياته اليومية. فاسترداد المال العام يمثل بداية مسار طويل، يتطلب منظومة قانونية ومالية تضمن عدم ذوبان الأموال داخل الإيرادات التقليدية، وتكفل توجيهها إلى قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، مع إخضاعها لرقابة مؤسسية ونشر بيانات دورية عن حجم الأموال المستردة وأوجه إنفاقها. 

وعندها فقط، يتحول المال المسترد من أرقام في البيانات الرسمية إلى خدمات عامة تعيد الى المواطن جزءاً من الثقة التي فقدها بمؤسسات الدولة، وتجعل مكافحة الفساد مشروعاً تنموياً لا يقتصر على الملاحقات القضائية وحدها.

06.07.2026
زمن القراءة: 6 minutes

يرى المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء مظهر محمد صالح أن استرداد الأموال يحقق للدولة مكسبين متلازمين، الأول يتمثل في تعزيز المالية العامة عبر تدفقات نقدية جديدة تدخل الموازنة تحت باب الإيرادات الأخرى، والثاني يتمثل في وقف نزيف الفساد الذي استنزف المال العام لسنوات، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تقليل الهدر وخفض كلفة الإنفاق الحكومي.

لم تعد القضية في العراق تقتصر على اعتقال مسؤول أو استعادة رزم من الأموال والذهب والعقارات، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر حساسية تتعلق بإدارة تلك الأموال بعد عودتها إلى الدولة. فحملة “صولة الفجر” لم تكشف فقط حجم الثروات التي راكمها متهمون بالفساد، وإنما وضعت الحكومة أمام اختبار مختلف يتمثل في تحويل الأموال المستردة إلى منفعة عامة يشعر بها العراقيون، بدلاً من أن تتحول إلى أرقام تذوب داخل أبواب الموازنة العامة.

الصور التي وثقت ضبط مليارات الدنانير وملايين الدولارات وكميات كبيرة من الذهب والعقارات أعادت إلى الواجهة ملفاً ظل لسنوات مرتبطاً بملاحقة الفاسدين، فيما بقيت المرحلة اللاحقة، وهي إدارة الأموال المستردة، أقل حضوراً في النقاش العام. فنجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يقاس بعدد أوامر القبض أو حجم الأموال المضبوطة فحسب، وإنما بقدرة الدولة على إعادة توظيف تلك الموارد في مشاريع تعيد الى المواطن جزءاً من المال الذي فقده بسبب الفساد.

وتزداد أهمية هذا الملف في ظلّ التباين الكبير في تقديرات الأموال المنهوبة منذ عام 2003، والتي تتراوح، بحسب مسؤولين وخبراء، بين 60 و300 مليار دولار، فيما يرفع آخرون الرقم إلى أكثر من تريليوني دولار، وهو ما يجعل الأموال المستردة، مهما بلغ حجمها، مورداً استثنائياً يستوجب إدارة مختلفة عن إيرادات الدولة التقليدية.

يرى المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء مظهر محمد صالح أن استرداد الأموال يحقق للدولة مكسبين متلازمين، الأول يتمثل في تعزيز المالية العامة عبر تدفقات نقدية جديدة تدخل الموازنة تحت باب الإيرادات الأخرى، والثاني يتمثل في وقف نزيف الفساد الذي استنزف المال العام لسنوات، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تقليل الهدر وخفض كلفة الإنفاق الحكومي.

ويصف صالح هذه المعادلة بأنها تحقق أثراً مالياً مزدوجاً، فالدولة لا تستفيد فقط من الأموال التي تستردها، بل أيضاً من الأموال التي لن تُهدر مستقبلاً بعد إغلاق منافذ الفساد، وهو ما يمثل اقتصادياً “كلفة الفرصة البديلة”. 

ويوضح أن إنشاء حساب خاص لإيداع الأموال المستردة يحمل بعداً يتجاوز الجانب المالي، لأنه يعكس مستوى حوكمة الدولة ويمنع ذوبان تلك الأموال داخل حسابات الموازنة التقليدية، بما يحفظ ما يسميه “الذاكرة المالية العراقية”.

ويؤكد أن الأموال المستردة ينبغي أن تتجه إلى مشاريع خدمية واضحة، مثل بناء المستشفيات وشق الطرق وتمويل شبكات الرعاية الاجتماعية ودعم الأيتام والأرامل، بما يعكس انتقال المال من مسار الفساد إلى مسار التنمية. كما يعتقد أن هذه الموارد ستخفف الحاجة إلى الاقتراض الداخلي والخارجي، وإن كان حجم تأثيرها سيبقى مرهوناً بقيمة الأموال التي ستنجح الدولة في استردادها.

ويشير صالح إلى أن تقدير الأموال المنهوبة لا يزال محل تباين، إذ تتراوح التقديرات بين 60 و300 مليار دولار، موضحاً أن الأموال المطلوب استردادها لا تقتصر على النقد، بل تشمل عقارات وأراضيَ ومزارع ومركبات وأسهماً وسندات وأصولاً موجودة خارج البلاد، وهو ما يجعل عملية الحصر والاسترداد معقّدة وتحتاج إلى وقت وجهد قانوني ودولي.

غير أن إدارة هذه الأموال بعد استردادها لا تخضع للبعد المالي وحده، إنما ترتبط أيضاً بإطار قانوني يحدد كيفية التصرف بها.

المتخصص في الشأن القانوني محمد جمال يوضح أن المشرع العراقي نظم استرداد الأموال عبر قانون صندوق استرداد أموال العراق رقم (9) لسنة 2012 المعدل، فيما نصت المادة (11) منه على إيداع الأموال المستردة في حساب وزارة المالية وتسجيلها باسم الجهات العراقية.

كما نص قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 على أن جميع الإيرادات العامة تدخل إلى الخزينة العامة ويكون الإنفاق منها وفق قانون الموازنة.

إلا أن التشريعات النافذة، بحسب جمال، لم تنظم بصورة صريحة كيفية تخصيص الأموال المستردة بعد دخولها الخزينة، الأمر الذي يجعلها تندمج مع بقية الإيرادات العامة من دون وجود آلية مستقلة تسمح بتتبّعها أو تخصيصها مشاريع بعينها.

ويقول إن هذه الثغرة تستدعي تعديل التشريعات النافذة أو إصدار قانون خاص ينشئ صندوقاً وطنياً مستقلاً للأموال المستردة، يخضع لرقابة الجهات المتخصصة، مع تخصيص موارده لقطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، وإصدار تقارير دورية تكشف حجم الأموال المستردة وأوجه إنفاقها، بما يعزز الشفافية ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

وأثار ظهور رزم من الدولارات الجديدة بحوزة بعض المتهمين بالفساد تساؤلات بشأن مصدرها وآلية وصولها إليهم.

الخبير المالي والمدير السابق في البنك المركزي العراقي محمود داغر يؤكد أن وجود أوراق نقدية جديدة لدى الفاسدين لا يعني وجود مسار غير قانوني داخل البنك المركزي، موضحاً أن البنك يجهز المصارف بالأموال الجديدة، ثم تصرفها المصارف إلى المواطنين والشركات والدوائر الحكومية عند سحبهم أموالهم، لتصبح بعد ذلك جزءاً من التداول النقدي الطبيعي.

ويبين داغر أن حجم النقد المتداول خارج المصارف يبلغ نحو 95 تريليون دينار، وهو ما يزيد من احتمالات استخدام الأموال النقدية في عمليات الفساد، لافتاً إلى أن الفاسدين يفضلون التعامل بالنقد لأنه لا يترك أثراً مصرفياً واضحاً، خلافاً لوسائل الدفع الإلكتروني التي تتيح تتبع حركة الأموال ومراقبتها، وهو ما يجعل التوسع في الدفع الإلكتروني إحدى أهم أدوات الحد من الفساد.

وفي ما يتعلق بآلية الاستفادة من الأموال المستردة، يؤكد المتخصص بالشأن الاقتصادي حيدر الشيخ أن رئيس مجلس الوزراء وجّه وزير المالية بفتح حساب خاص لإيداع الأموال المستردة من المتهمين بالفساد والكسب غير المشروع.

ويقدر الشيخ أن قيمة الأموال النقدية المستردة قد تتجاوز الـ500 مليون دولار، فيما قد ترتفع إلى نحو مليار دولار بعد احتساب قيمة العقارات والممتلكات المنقولة وغير المنقولة التي ستُصادَر.

ويشير إلى أن الأموال المودعة في الحساب الخاص لا يمكن التصرف بها إلا بأمر مباشر من رئيس مجلس الوزراء، على أن تُجري الحكومة، بعد انتهاء حملة “صولة الفجر”، مناقلات مالية للاستفادة منها بحسب الأولويات التي تحددها.

وعلى الرغم من ذلك، يشرح الشيخ أن هذه الأموال لن تكون كافية لمعالجة الأزمة المالية بصورة شاملة، إذ يحتاج العراق إلى نحو 50 مليار دولار لسد العجز المالي، فيما تحتاج الحكومة إلى نحو 8 تريليونات دينار شهرياً لتأمين رواتب موظفي القطاع العام، ما يعني أن الأموال المستردة ستشكل مورداً مهماً، لكنها لن تكون بديلاً عن الإصلاحات الاقتصادية والمالية الأوسع.

ويردف أن الحملة تحمل في الوقت نفسه رسالة طمأنة للمستثمرين العرب والأجانب، لأنها تعكس جدية الحكومة في مكافحة الفساد، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على بيئة الاستثمار.

في السياق ذاته، يؤكد المستشار القانوني لرئيس الوزراء منير حداد أن حملة مكافحة الفساد لا تزال مستمرة وتتوسع استناداً إلى اعترافات المقبوض عليهم، وتشمل مسؤولين حاليين وسابقين ونواباً في قضايا تتعلق بالاختلاس وتضخم الثروات وغسل الأموال.

ويكشف حداد أن تقديرات الأموال المنهوبة من العراق منذ عام 2003 تجاوزت تريليوني دولار، مشيراً إلى أن التعاون مع إقليم كردستان أسفر عن استرداد ثمانية مطلوبين، وأن جميع الأموال والعقارات التي تثبت صلتها بجرائم الفساد ستعود إلى خزينة الدولة، فيما ستتواصل الحملة في جميع المحافظات وصولاً إلى محاكمات علنية واستكمال إجراءات استرجاع المال العام.

وفيما تتواصل التحقيقات، بدأت الحكومة تكشف تباعاً حجم الأموال والممتلكات التي ضبطتها خلال الحملة، وهو ما منح الرأي العام تصوراً أولياً عن حجم الثروات التي يتم تعقبها واستعادتها.

فقد أعلنت الحكومة، ضبط نحو 98 مليار دينار عراقي و11 مليون دولار أميركي في ملف وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، إلى جانب حجز 70 عقاراً و21 مركبة حديثة، فضلاً عن أسلحة ومصوغات ذهبية مخبأة.

كما أعلنت ضبط 11 مليون دولار أميركي و4 مليارات دينار عراقي، إضافة إلى أصول عقارية كبيرة لا تزال التحقيقات مستمرة بشأنها، في ملف وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج البهادلي.

وفي ملف النائبة عالية نصيف، كشفت الحكومة عن ضبط مبالغ تقدر بـ98 مليار دينار عراقي، إلى جانب 50 كيلوغراماً من الذهب.

وفي أبرز الأحكام القضائية التي رافقت الحملة، صدر حكم بالسجن لمدة 10 سنوات بحق المدير العام الأسبق للهيئة العامة للضرائب أسامة حسام جودت، و5 سنوات بحق زوجته تمارا صباح، مع فرض غرامة مالية قدرها 32 مليار دينار عراقي، ومصادرة 22 عقاراً داخل العراق وتركيا، إضافة إلى أموال مودعة في مصارف كويتية وتركية.

وعلى الرغم من أهمية هذه الأرقام، فإن القيمة الحقيقية لحملة “صولة الفجر” لن تُقاس بحجم الأموال المضبوطة لكن بقدرة الدولة على إدارة تلك الأموال بكفاءة وشفافية وتحويلها إلى مشاريع يلمسها المواطن في حياته اليومية. فاسترداد المال العام يمثل بداية مسار طويل، يتطلب منظومة قانونية ومالية تضمن عدم ذوبان الأموال داخل الإيرادات التقليدية، وتكفل توجيهها إلى قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، مع إخضاعها لرقابة مؤسسية ونشر بيانات دورية عن حجم الأموال المستردة وأوجه إنفاقها. 

وعندها فقط، يتحول المال المسترد من أرقام في البيانات الرسمية إلى خدمات عامة تعيد الى المواطن جزءاً من الثقة التي فقدها بمؤسسات الدولة، وتجعل مكافحة الفساد مشروعاً تنموياً لا يقتصر على الملاحقات القضائية وحدها.