في الأسابيع الأولى من بداية حرب الإبادة على غزة، وفي ذروة متابعة أخبار السياسة والقتل اليومية، برزت نقاشات حول آليات التضامن مع غزة، ومقاطعة إسرائيل، كما طغت نقاشات جدوى المقاومة وسبلها الأنجع، ومنهجيات الاستعمار، والسرديات الثقافية وفاعليّتها التاريخية والحاضرة، فضلاً عن الحديث حول السرديات الكبرى والأيديولوجيات التي هُمِّشت لعقود مضت، مثل اليسار والعلمانية والإسلام وغير ذلك من مختلف التيارات الفكرية والتنظيرية.
لكن بمرور الوقت، تبين أن القوة وحدها هي المعيار الأبرز في حكم العالم، الذي لم يستطع، بما يملك، من دول وجيوش وقوانين ومنظمات مختلفة، إيقاف حرب الإبادة التي يشنّها الجيش الإسرائيليّ على الغزيين. وبدا أن القيم العالمية، ومواثيقها الحقوقية، انتقائية وترى بعين واحدة وليست للجميع.
وهذا أيضاً ليس جديداً، فقد كان حبراً على ورق، من قبل، في النكبة الفلسطينية (1948)، وفي الانتفاضتين، الأولى (1987) والثانية (2000)، والغزو الأميركي لأفغانستان، كما حصار العراق واحتلالها في ما بعد. إذ إن كل مشاهد البشاعة، أي كل صور استباحتِنا، نحن الآخر، ليست جديدة لكن هذا لا يمنع أنها في كل مرة، تُجدد في أرواحنا، نحن الأجيال المتعاقبة في هذه المنطقة المأزومة، شعورَي التأمل والاغتراب في وعن ذواتنا.
منذ بداية حرب الإبادة الاسرائيلية في غزة، استعادت الألسنة والأجساد فعّاليتها في النقاش والكتابة وتنظيم الاحتجاجات وحملات المقاطعة، والضغط على المنظمات والجمعيات والمؤسسات لدعم قضية تحرر فلسطين وإدانة الاحتلال، في الفضاءات العامة والخاصة والجامعات والنقابات والمحاكم الدولية، وما زالت مستمرة، بدرجة أقل في أيامنا هذه.
لكن مع الوقت، خَمِل نشاط تلك الفعاليات، لأسباب عدة، منها طول أمد الحرب وتراجع الدور السياسي الفاعل للدول العربية في حماية الحق الفلسطيني والذي امتد حتى في داخل عدد من الدول العربية لجهة قمع وضبط أي حركة احتجاج ضد الحرب الإسرائيلية والتواطؤ العربي معها.
لم تشهد الساحات العامة أو الجامعات العربية حراكات منظمة على غرار ما حصل في عدد من الدول الغربية، كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا واسبانيا وغيرها.
صحيح أن وتيرة هذه الاحتجاجات تراجعت لكنها مازلت مستمرة بتقطع،
وهي منذ بدايتها، افتقدت إلى غياب أي مشروع عربي سياسي لاحتوائها، والعمل تحت مظلته، ما أدى إلى افتقاد الرؤى والأهداف بعيدة المدى والمستدامة من وراء تلك الأنشطة، إذ اكتفت كل النخب الثقافية العربية، بالتدوين والكتابة والتحليل، والمشاركة، بدرجة أقل، في الاحتجاجات. لكن، لم نجد جهداً يهدف لاستغلال اللحظة الراهنة وبلورة تنظيم أو مشروع عربي ذو رؤى وأهداف مُحددة، لمساندة ودعم حق الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال والإبادة. وهذا أيضا، ما جعل الكثير، بدلا من الاغتراب، يلجؤون إلى ترديد شعارات الطموحات الإيرانية، وسياساتها، وانتظار ردودها، بما أنها القوة الوحيدة في المنطقة التي لديها سياسات ومشاريع وتنظيمات تفاوض وتقاتل وفق مصالحها.
لم تشهد الساحات العامة أو الجامعات العربية حراكات منظمة على غرار ما حصل في عدد من الدول الغربية، كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا واسبانيا وغيرها.
أيضا قمع عدد من الأنظمة العربية فضلا عن تطبيع أنظمة أُخرى، أدى إلى استعادة ذاكرة من القهر، ذاكرة مليئة بصور التعذيب والسجن والقتل والمحو، وغير ذلك من تجارب، قد تجاوزها أو بمعنى أدق، هرب منها الكثير ممن احتكوا بالسياسة و الاحتجاجات والثورات والسُلطة خلال العقد الماضي، سواء باجتناب أي معارضة للأنظمة أو حتى من خلال الهروب والسفر خارج البلاد، إذ تعرّضهم مرة اُخرى للممارسات القمعية، سواء بشكل مباشر، أو حتى غير مباشر، من خلال معرفة من مورس عليهم القمع، أوصلَهم إلى حالة من الاغتراب وفقدان أي أمل في هذه الأنظمة، التي لم تكتفِ بقمع شعوبها فحسب، بل حتى تواطئت وطبَّعت مع الاحتلال الإسرائيلي، وصمتتْ حيال الإبادة الجارية في غزة.
لم يقتصر القمع على الأنظمة العربية فحسب، بل مارسته أنظمة غربية، تكرر فيها توقيف رؤساء جامعات أو اساتذة أو شخصيات ثقافية وعامة كما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا بسبب مواقفهم الرافضة لما ترتكبه اسرائيل.
بعد أكثر من عام على السابع من أكتوبر، ومع افتقاد أي سُبل تنظيميّة قوية تستوعب الحِراكات التفاعلية سواء كانت نشاطيّة أو ثقافية أو سياسية، بجانب الانكشاف الحقيقي لعدم فعّاليّة القيم الإنسانية العالمية، التي طالما نادى بها الغرب، بعلّو صوته، لكنه يُصمُّ ويخرس فلسفيا وسياسيا عندما يتعلق الأمر بالشرّ الإسرائيلي.
كل هذا التوحش السياسي والمادي، الذي يراه إنسان منطقتنا الذي يغلبه العجز عن تغييره سبب شعوراً بافتقاد المعنى الحقيقي للانسانية. أن تكون للإنسان العربي هُوية وثقافة حقيقية ومستقلة تدافع عن قيم العدالة والحرية، لهو شيء مستحيل، في عالم لا يعرف غير العنف في فرض منطقه. وفي غياب القوة الموازية، لا يتبقى سوى الاغتراب ومفرداته من الوحدة والانعزال والعدائية واليأس وفقدان أمل في ممارسة الحياة ذاتها، وهنا، تحل فلسفة العبث وأفكارها وممارساتها العدمية يوميّات الإنسان، فَيتحول إلى تمثال يحمل تاريخ من الخزي، واليأس تجاه ذاته، جسده، ويوميّاته، ما يدفعه للعيش عبثا أو للموت (الانتحار) خلاصًا، من اللامعيارية الحياتية التي تعبث به وبقيّمه.
حتى النجاة الفردية، وهو مفهوم بات موجودا، في ظل تعرّض جماعات سياسية وفكرية إلى ممارسات قمعية حدَّ الفناء من قبل أنظمة الاحتلال والاستبداد، ومن نجا من هذه الممارسة، نجا بمفرده، سواء بتخلّيه عن أي أفكار أو ممارسات تجنّبه القمع، أو حتى من خلال هروبه، وحده، وهذا ما سُمّيَّ بالنجاة الفردية، لكن حتى هذه النجاة، في عالم اليوم، لم تعد كافية، فبإمكان إسرائيل قتلك إن كنت فلسطينيا أو لبنانيًا فحسب، حتى إن اخترت ألَّا تقاتلها، هذا لأن صواريخها الإبادية لا تفرق بين مقاتل ومدني. من هنا، ومع خيبات أُخرى، أصبح مفهوم النجاة الفردية، عبئًا حياتيًا، وعبثا فلسفيا لمن يتبنّاه اليوم.
هذا من ناحية، ومن أُخرى، سيعود وينكبُ الكثيرون نحو النجاة الفردية، إذ لا قضايا جماعية، نلتف حولها ونساندها بشكل حقيقي وفعّال ومؤثر، لفترة طويلة، بل أصبح التضامن محدود الزمنية، هو فعل نضال موسميّ. أما حين يطال الوقت، تعود الحياة الفردانية، بكل ما فيها من إنجازات شخصية، من مفاهيم براغماتية، تكون هي الأساس الحياتيّ التي نحيا على ممارساتها، والذي يؤمّن لنا العيش دون التعرض للاستباحة المباشرة على أجسادنا.
فهل كانت أحداث ما السابع من أكتوبر هي السبب أم أن الذنب يقع على عدم فهمنا للعالم بشكله الحقيقي، كما هو عليه واقعيا، لا كما هو مُتصور في عقولنا التي دُجّنت بسبب نفعيّة الجماعات والأحزاب والأنظمة الفاشية والاستبدادية ؟، ما نحن فيه الآن، هو نتاج عقود من الاستعمار والاستبداد، بكل أشكاله وممارساته على الروح والعقل والجسد، حتى في هذه اللحظة التاريخية، يبدو أننا مستمرون في العمل ضمن مخيّلاتنا، المشاعريّة، لا ضمن ما يُمليه الواقع من مُعطيات وأسباب ونتائج..











