الكتابة عن نساء غزّة ومعاناتهن، قبل حرب الإبادة وأثناءها وبعدها، تتقاطع بالضرورة مع ما يتعرّض له شباب غزّة ورجالها وأطفالها وكهولها؛ فالمعاناة واحدة، وشديدة العمق، إلى حدّ طاولت فيه سائر مكوّنات المجتمع الغزّي وشرائحه.
معاناة تتجلّى في الموت قتلاً أو قهراً، وفي الاعتقال والإهانة والتنكيل، وفي التشرّد والنزوح، والخوف والقلق والجوع والبرد، وفقدان الأحبة، وخسارة البيت والمأوى والأمان، والخوف من المستقبل… وكلّ أشكال الألم التي كابدها الغزّيون على مدى عامين وأكثر.
لكنّ الكتابة عن نساء غزّة تكتسب أهمّية مضاعفة لثلاثة أسباب.
الأوّل: أن من بين أكثر المبرّرات التي ساقها من دعا إلى الحرب وروّج لها وأيّدها، مسألة “الدفاع عن نساء غزّة”، عن شرفهن وكرامتهن، إذ طالما ارتبط مفهوم الشرف في الثقافة العربية بالنساء. بل إن من بين مبرّرات رفض “تسليم السلاح”، الخوف من تعرّض نساء غزّة للإذلال والقهر والاغتصاب.
الثاني: أن نساء غزّة يكابدن أشكالاً إضافية من القهر والمعاناة، أكثر مما يعانيه الرجال، أو يمكن القول: معاناة لا يختبرها الرجال أصلاً، وربما بسببهم أيضاً؛ وأقصد هنا القهر المجتمعي الذكوري الذي ظلّ يلاحق النساء حتى تحت القصف، وبين الركام.
أما السبب الثالث، فهو وجود أنواع من القهر المسكوت عنها، التي يتجنّب الجميع الحديث عنها، إما بدافع الاعتبارات المجتمعية، وإما حفاظاً على صورة نمطية غير واقعية عن مجتمع غزّة (المتماسك، المقاوم، الصامد، البطل…) كي لا تُخدش هذه الصورة الزائفة أو تهتزّ في أعين المراقبين، سواء جمهور “المقاومة”، أو المتبرّعين، أو ماكينة البروباغندا الإعلامية. هذا فضلاً عن القمع الذاتي والمجتمعي المسلَّط على نساء غزّة، كي يبقى صوتهن غائباً، أو متوارياً، أو مُستخدَماً لأغراض دعائية.
ومن أمثلة ذلك: ازدياد حالات العثور على أطفال رُضّع تُركوا قرب التكايا والجوامع وأماكن تجمّع الناس. هناك مئات الحالات المسجّلة لأمّهات يتركن أطفالهن الرُضّع لأسباب قهرية. ربما أثناء عمليّات النزوح وما يرافقها من فوضى وذعر وصعوبات في التنقّل، أو بسبب العجز عن الإنفاق وتدبير حاجات الطفل، أو لغياب المأوى، ولو كان خيمة، أو نتيجة مقتل الأمّ أو إصابتها إصابة بالغة، ويُضاف إلى ذلك تسجيل حالات اغتصاب، وتحرّش، وابتزاز جنسي مقابل “كوبونة”، أو طرد غذائي، أو خيمة، أو حتى مقابل توفير أبسط متطلّبات البقاء.
وفضلاً عن ذلك، تعرّضت نساء غزّة لقهر وإذلال مباشرَين على يد جنود الاحتلال، ولا سيّما النساء اللواتي جرى اعتقالهن والتحقيق معهن، حيث تعرّضن للضرب والتنكيل والتعرية والتحرّش والاعتداء الجسدي واللفظي والاغتصاب، وقد امتلكت بعض النساء الشجاعة وقدّمن شهادات علنية عن تعرّضهن للاغتصاب.
هل نتخيّل مدى القهر والامتهان الذي تتعرّض له امرأة، وهي تشاهد جندياً احتلالياً وضيعاً يرتدي فستان نومها، أو يعرض ملابسها الداخلية، ويؤدّي حركات مبتذلة ذات إيحاءات جنسية؟
هل هذه مجرّد حالات فردية لجنود “غير منضبطين” لم يتحكّموا بغرائزهم؟ أم أنها رسالة مقصودة وممنهجة، يمارسها الاحتلال ليقول بكلّ وقاحة: هذا هو”شرفكم” يا أهل غزّة، معروض على حبل غسيل؟
إقرأوا أيضاً:
وهل نتخيّل حجم الإحراج والمهانة لفتاة حان موعد دورتها الشهرية ولا تجد فوطة صحّية؟ أو لامرأة أرادت قضاء حاجتها الفسيولوجية ولا تجد مرحاضاً؟ أو لامرأة مرّت عليها أسابيع دون أن تتمكّن من الاستحمام أو تبديل ملابسها؟
هل ندرك معنى أن تفقد امرأة خزانة ملابسها، فتغدو مكشوفة أمام المارّة؟ أو أن تُجبر على الطبخ، وغسل الثياب، وجلي الأواني في وسط الشارع؟ أو أن تضطرّ إلى نشر الغسيل بين الخيام وعلى مرأى من الجميع؟
وهل نفهم حقيقة ما يعنيه أن يفقد الإنسان منزله، فيبيت في العراء أو في خيمة مهترئة وشفّافة؟
فوق الألم والخوف والقصف، وفوق خسارة الزوج أو الأب أو الأبناء، وفي ظلّ ظروف نزوح قهرية، يُطلب من المرأة، بل ومن الطفلة، أن تؤدّي “واجباتها المنزلية” كاملة، رغم عدم وجود منزل: إعداد الطعام، جمع الحطب، إيقاد النار بوسائل بدائية، رعاية الأطفال والعائلة، تهيئة الفراش، أعمال التنظيف، المشي لمسافات طويلة لجلب طرد غذائي، الركض للنجاة من القنّاصة، وفي الوقت ذاته الالتزام بقواعد المجتمع “الأخلاقية” وأعرافه وقيمه الشكلية، إلى درجة أن تقضي يومها كلّه، قياماً ونوماً، بملابس “الصلاة”.
هذا ما يُعرف بالمعاناة المركّبة. وفي ثنايا هذه الشكلانيات تختبئ مئات القصص التي نخجل من ذكرها؛ أشكال متعدّدة من التعدّي والقهر والإذلال.
وهل ندرك حقيقة تلك الإحصائيات المرعبة عن أعداد الأرامل؟
ما معنى أن تفقد المرأة شريكها وسندها ومعيلها في ظلّ حرب إبادة وتهجير ونزوح، وفي مجتمع مختلّ يعيش ظروفاً غير إنسانية؟
وهل نتخيّل معاناة امرأة مسنّة تعاني أمراضاً مزمنة، ولا تجد سريراً دافئاً، ولا دواءً، ولا من يساعدها؟ أو شابّة كانت تحلم بالجامعة، والتخرّج، والعمل، وتنفيذ مشروع ريادي، أو بالسفر أو الزواج وتأسيس أسرة، ثم فقدت كلّ شيء، وتحطّمت أحلامها، وتقزّمت طموحاتها إلى مجرّد الحصول على خيمة، أو عبوة شامبو، أو لحظة خصوصية تمارس فيها حياة طبيعية؟
وماذا عن الأمّ التي ربّت ابنها بدموع عينيها ثم فقدته فجأة، أو رأته يتحوّل من طالب ذكي طموح إلى بائع على بسطة، أو شابّ يقضي نهاره بين طوابير الخبز، والتكايا، والمياه، وشحن الهاتف؟
إلى من هم خارج غزّة، ويتحدّثون عن “الشرف” و”الكرامة” و”المرأة الغزّية البطلة”، بكلّ صراحة ووضوح، وبكلّ ألم وأسف: نساء غزّة يتعرّضن لكلّ أشكال الإهانة، والإذلال، وامتهان الكرامة. هذه هي نتائج كلّ حرب غير متكافئة، ونتائج حملة إبادة ممنهجة يشنّها عدوّ متجبّر، بلا أخلاق، وبلا إنسانية، وبلا شرف، ضدّ مجتمع أعزل، وضدّ مواطنين مدنيين كانوا يحلمون بحياة طبيعية، ويسعون إليها، ويقاومون الاحتلال ضمن قدراتهم وإمكاناتهم، إلى أن فُتحت عليهم أبواب الجحيم، وفُرضت عليهم حرب إبادة بآلة عسكرية جبّارة.
الكرامة ليست شعارات، ولا قصائد، ولا خطابات عنترية. الكرامة واقع مُعاش، له شروطه ومتطلّباته ومقتضياته.
ليست المرأة وحدها من قُهرت في هذه الحرب، لكنّ النساء والأطفال، عبر التاريخ، هم دائماً أوّل وأكثر من يدفع الثمن؛ هم أوّل الضحايا، ومع ذلك يبقى صوتهم مكبوتاً.
كنت سأختم بقصيدة مظفّر النوّاب: “هل تسكت مغتصبة؟”.
لكنّني سأختم بأحلام نساء غزّة وأمنياتهن، كما عبّرن عنها في تسجيل وثائقي أعدّته جمعية “فلسطينيات”، على أعتاب عام جديد، وبعد سنتين من الإبادة، التي يمكن اختصارها بعبارة واحدة تتكرّر على ألسنتهن: “أحلم أن أعود إلى بيتي… المهدَّم”.












