أُنجز هذا التقرير بدعم من برنامج “قريب” الذي تنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية CFI وتموله الوكالة الفرنسية للتنمية AFD.
وعلى مدار الحرب، قُتل في غزة ما يزيد على 12467 طالباً، وأصيب 20311 آخرين، وقتل 569 وأصيب 2703 من الكوادر التعليمة في قطاع غزة، كما تم تدمير 111 مدرسة بشكل كامل، وتعرضت 241 لأضرار بالغة، و85 جزئياً، إلى جانب تخريب 89 مدرسة تابعة للأونروا، وتدمير 51 مبنى تابعاً للجامعات بشكل كامل، و57 مبنى جزئياً في غزة، بحسب وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية.
فلسطين كالكثير من الدول العربية، فيها نظام الفصلين الدراسيين في العام الدراسي الواحد، وبالتالي فاتت الطلاب ثلاثة فصول دراسية بالكامل، إلا أنه وبعد قرار وقف إطلاق النار، فإن أول خطوة اتخذتها وزارة التربية والتعليم هي عودة التعليم لتعويض الطلاب الوقت الذي “قتل” مع الحرب، ليعودوا الى سلاحهم الأقوى، وهو التعليم على رغم ضعف الإمكانات وانعدامها، فبدأ الفصل الدراسي الأول رسمياً في 23 شباط/ فبراير الماضي.
الحالة النفسية… التحدي الأول
يوضح الأستاذ أحمد الكحلوت، وهو مدرس يعمل في منطقة دير البلح في غزة، لـ”درج”، أن العودة الى العملية التعليمية صعبة، وذلك لأسباب عدة، أولها الحالة النفسية الصعبة للطلاب، فهناك من قُتل أقاربه، وهناك من فقد بيته ويعيش في خيمة، وهذا انعكس سلباً على الدافع الى التعلّم.
ويشير الى عدم توافر بيئة تعليمية مناسبة، إذ إن غالبية المبادرات تتم في الخيام! كما أن هناك صعوبة في توفير الكتب والمواد التعليمية كالطباشير وأقلام اللوح والأوراق التعليمية.
يقول الكحلوت إن الوزارة في رام الله تحاول أن تلحق الطلاب بالتعليم الإلكتروني لكسب الوقت، وتحاول وضع حلول لكنها سرعان من تتحطم في ظل عدم استقرار الأوضاع في غزة، “لنكون صريحين العملية التعليمية بحاجة على الأقل لعام حتى تترتب بشكل جيد، في ظل غياب الإمكانات اللازمة لاستئناف العملية التعليمية.
ويختم قائلاً: “نحن نحتاج الى مزيد من الوقت لنتعافى من تأثيرات الحرب الكارثية، ويصبح الطلاب والمعلمون جاهزين بشكل فعال لبدء العملية التعليمية، فكيف بإمكان معلم فقد بيته وقتل أقاربه أن يعلم بشكل طبيعي؟! وكيف بإمكتن طالب قتلت أمه أن يكون لديه الدافع الى التعلم؟! نحن بحاجة الى تهيئة الظروف المناسبة لاستئناف العملية التعليمية بعيدا عن جو “الشو” الإعلامي” .
من جانبه، يقول الدكتور محمود مطر وكيل مساعد شؤون التربية والتعليم في قطاع غزة، إن للحرب ظروفها الاستثنائية، والأوضاع التعليمية للأسف الشديد الآن في قطاع غزة في أسوأ أحوالها في ظل ما يعانيه قطاع التعليم والاستهداف المباشر للمباني المدرسية وللموارد البشرية للمعلمين، وفي مثل هذه الظروف عادة ما تلجأ الوزارة إلى أساليب التعليم التي تركز على الترفيه النفسي والتخفيف من الضغوط النفسية عن الأطفال، لأن ما يعانونه في ظل الحرب هو تجارب صادمة للغاية.
يؤكد مطر أن تبعات حرب الإبادة الجماعية على غزة صعبة جداً، فآثارها لا تقتصر على العملية التعليمية فقط وإنما تمتد الى الحالة النفسية للطلاب، إذ تركت تجارب صادمة في نفوسهم، وهذا يشكل تحدياً كبيراً جداً لعملية التعلم والقدرة على استقبال المفاهيم وتعلمها بالشكل المطلوب، وبالتالي هناك حاجة كبيرة إلى تدخلات إرشادية نفسية تساعد الطلاب في التعامل مع مثل هذه الظروف.
ويلفت مطر إلى دور الوالدين في العملية التعليمية الآن، ربما أكثر من المعلم، ففي ظل التعلم عن بعد يبقى دور الوالدين ودور الأسرة عموماً هو الأهم في تنظيم استقبال الطالب المعارف أو المفاهيم التي تتم عبر الصفوف الافتراضية، خصوصاً أن التعليم حضورياً لا يتم سوى ثلاثة أيام على الأكثر أسبوعياً في أحسن الأحوال، وبالتالي يحتاج الطلاب إلى دعم الوالدين بشكل جوهري وأساسي.
أما الناطق باسم وزارة التربية والتعليم العالي صادق الخضور، فيؤكد لـ”درج”، أن الوزارة تبنت موضوع الصفوف الافتراضية منذ بداية العام الدراسي الحالي، والتي شارك فيها حوالي 290 ألف طالب، وكانت هناك شراكة مع بعض المؤسسات في موضوع مراكز التعليم الحضوري.
ويضيف أن وقف إطلاق النار تزامن مع نهاية الفترة الأولى من الصفوف الافتراضية التي تعادل عاماً دراسياً، وأعلنت الوزارة عن خطة الإبقاء على المدارس الافتراضية مع التوسع في عدد المراكز التعليمية الميدانية، بعضها تتابعه الوزارة والآخر معلمو ومعلمات ومؤسسات المجتمع المحلي لكن وفق المعايير التي حددتها الوزارة.
ويتابع الخضور أن الوزارة تواصل الإعداد لعقد امتحان الثانوية العام لطلاب التوجيهي 2006، وتطوير الرزم التعليمية للصفوف كلها.
ويوضح أن الوزارة تعكف على إعداد نماذج الامتحانات وفق آلية تراعي أن يتقدم في اليوم الواحد أكثر من فوج من الطلاب، وبالتالي تم إعداد بنك أسئلة نظراً الى أن الامتحان سينفّذ إلكترونياً.
ويشير إلى أن الوزارة تتواصل مع وزارة الاتصالات وشركات الاتصالات الفلسطينية بهدف تقوية نقاط بث الإنترنت في الأماكن التي توجد فيها المراكز التعليمية، بالتزامن مع عملها على توفير أجهزة لوحية.
وينوّه إلى أن الوزارة واجهت إشكاليات في تغير أماكن تجمع المواطنين في ظل عودة عدد كبير من الجنوب والوسط الى الشمال، وتعرض المدارس لدمار كبير طاول أكثر من 90 في المئة منها، بفعل حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع.
إقرأوا أيضاً:
الأونروا أكبر مزوّد للتعليم رغم التضييق
تقول إيناس حمدان، القائمة بأعمال مدير مكتب الإعلام بالأونروا في غزة، لـ”درج”، “من المبكر الحديث عن عمل مدارس الأونروا وإعادة إعمارها، إلا أنها لا تزال أكبر مزود للتعلم في حالات الطوارئ والدعم النفسي الاجتماعي في قطاع غزة، وهناك حوالي 660 ألف طفل خارج المدرسة بسبب الحرب”.
وتوضح أنه في 1 آب/ أغسطس 2024، بدأت الأونروا بتنفيذ المرحلة الأولى من استجابتها “العودة إلى التعلم” مع التركيز على أنشطة الصحة النفسية، وذلك في 40 مدرسة تابعة للأونروا تحولت الآن إلى مراكز ايواء وبدعم من أكثر من 900 معلم وما يصل إلى 600 مرشد مدرسي.
وحتى الآن، استفاد أكثر من 18 ألف طفل، أكثر من نصفهم من الفتيات، من برنامج “العودة إلى التعلم” التابع للأونروا حتى الآن. وفي الفترة ما بين 17-23 شباط 2025، شارك 6,604 أطفال، بما في ذلك 112 طفلاً من ذوي الإعاقة، في أنشطة “العودة إلى التعلم “تضمنت أنشطة القراءة والكتابة الأساسية والحساب، وجلسات الدعم النفسي الاجتماعي والأنشطة الترفيهية التي تشمل الفنون والموسيقى والرياضة، بحسب حمدان.
وتؤكد أنه وبناء على نجاح مبادرة التعلم غير الرسمية في مراكز الإيواء، أطلقت الأونروا في 1 كانون الثاني/ يناير 2025، برنامجا جديداً للتعلم عن بعد للحدّ من فقدان التعلم بين الأطفال النازحين. وبحسب أحدث التقارير، التحق 259,409 أطفال بالبرنامج وتلقوا أنشطة تعليمية أساسية قدمها 7 آلاف من المعلمين تغطي موضوعات اللغة العربية واللغة الإنكليزية والرياضيات والعلوم.
في الخيام وعلى الأنقاض
يوضح الدكتور محمود مطر أن الوزارة بدأت بشكل فعلي في عملية استصلاح بعض المباني المدرسية التي يمكن إجراء تدخلات تعليمية في جزء منها أو في جميعها، فبعض المباني المدرسية التي استُهدفت أجنحة فيها تتم إزالة الركام وتأمينه في جانب معين واستخدام باقي الصفوف الدراسية، وبالتالي فإن موضوع البنية التحتية هو تحدًّ كبير الآن، إذ يتم الاعتماد على فكرة الخيام التعليمية المؤقتة، والتي انتشرت بشكل كبير جداً سواء في الحرب وحتى الآن.
الخيام التعليمية هي الحل الأمثل الآن على رغم التحديات الكبيرة في إدخالها، بخاصة أن لها مواصفات ومساحات معينة مطلوب أن تكون موجودة، “لكن نستخدم ما هو موجود فاستخدمنا الشوادر والحديد والخشب لإنشاء صفوف تعليمية وبناء بعض الصفوف المدرسية التي تم تدميرها بالكامل، وكثر من الطلاب الآن للأسف الشديد يضطرون للجلوس على الأرض خلال التعلم” يختم مطر.
وفي تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف”، فإن 93 في المئة من مدارس قطاع غزة تعرّضت للأضرار، منها 84 في المئة تحتاج إلى إعادة إعمار بشكل كامل أو ترميم؛ ما أدى إلى لجوء المؤسسات التعليمية التابعة للحكومة الفلسطينية في غزة ووكالات الأمم المتحدة إلى التوسع في نظام التعليم عن بعد، أو بدء العام الدراسي في مدارس تعرّضت للتدمير الجزئي أو الخيام.
فيما يقول المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، إن أكثر من 250 ألف طالب قد التحقوا ببرنامج التعلم عن بعد التابع للأونروا في القطاع، موضحاً أن “الطلاب يتلقون التعليم حالياً في خيام مؤقتة ومساحات مفتوحة في ظل درجات حرارة الشتاء الباردة”.











