كما اعتدنا، يُفترض بعيد الحبّ أن يكون لغالبيتنا مناسبة للاحتفال بالمشاعر، يوماً استثنائياً يذكّرنا بأن الحبّ ليس تفصيلاً هامشياً في حياتنا، بل حاجة إنسانية أساسية، لا تقلّ أهمّية عن الأمان والاستقرار.
عيد الحبّ هو فرصة للاعتراف، للبوح، لإعادة وصل ما انقطع بين قلبين أرهقتهما التفاصيل اليومية. إلا أن هذه الصورة الرومانسية، التي تُروَّج لنا سنوياً عبر الإعلانات وواجهات المحال، سرعان ما تصطدم بواقع مختلف تماماً عما نعيشه، وخصوصاً في بلدٍ كلبنان يعيش على وقع الأزمات المتلاحقة، حيث يصبح الحبّ ترفاً مؤجَّلاً لا وقت له في تفاصيل يومياتنا.
في مجتمعاتنا العربية، ولا سيّما بعد الزواج، يبدأ عيد الحبّ بفقدان بريقه تدريجياً. ومع قدوم الطفل الأوّل، تنقلب المعادلة رأساً على عقب. تتحوّل العلاقة العاطفية من مساحة مشاركة واهتمام متبادل إلى جدول مهام ومسؤوليات لا تنتهي. السهر لا يعود خياراً رومانسياً، بل ضرورة مفروضة، والقلق لا يعود عابراً، بل يصبح حالة دائمة. هنا، لا يختفي الحبّ، لكنّه يُزاح جانباً، ويُطلب منه الانتظار بصمت ريثما تنتهي “المرحلة”، مع العلم أن هذه المرحلة لا تنتهي أبداً.
في لبنان تحديداً، لا تترك الحياة الاقتصادية القاسية هامشاً واسعاً للمشاعر والتعبير عن الحبّ. فكلّ ما يُفترض أن يكون حقّاً أساسياً، من تعليم واستشفاء وتأمين صحّي، يتحوّل إلى عبء مالي ثقيل. يجد الزوجان نفسيهما في سباق دائم مع المصاريف، يحاولان اللحاق بالأقساط والفواتير والنشاطات المتعدّدة للأولاد، وفيما تتآكل قدرتهما الشرائية شيئاً فشيئاً، يتضاءل الفرح تدريجياً، ليصبح الحبّ حاضراً في النوايا فقط، غائباً عن الممارسة اليومية.
من هذا المنظور، لا يمرّ عيد الحبّ، الذي يصادف في الرابع عشر من شباط/ فبراير من كلّ عام كعيد، بل كذكرى لما كان عليه الحال سابقاً، وتحديداً في بداية الحياة الزوجية. فالوردة تصبح كيس حفاضات، وعلبة الشوكولا تتحوّل إلى علبة حليب. قيمة الهدية تُحتسب وفق ميزانية الشهر، وسهرة العشاء تُستبدل بقرار عقلاني يقضي بتوفير المبلغ لقسط مدرسي أو فاتورة طبّية. حتى تلك اللفتة البسيطة التي كانت تُشعل الدفء في العلاقة، تصبح عبئاً نفسياً، لأن الاحتفال نفسه يولّد شعوراً بالذنب.
ولا يتعلّق الأمر فقط بالمال، بل بالاستنزاف النفسي المتراكم والدوران حول الذات والضغوط اليومية الهائلة. فالعيش في بلد غير مستقرّ كلبنان يفرض علينا حالة تأهّب دائمة: الخوف من الغد، القلق على المستقبل، الإحساس بعدم الأمان، الرعب من فكرة بلوغ سنّ التقاعد وغياب ضمان الشيخوخة… كلّها عوامل تسرق الطاقة العاطفية من دون استئذان، ومع الوقت، نصبح أكثر قساوة، لا لأن القلب تحجّر، بل لأنه أُنهك إلى درجة لا نعود قادرين فيها على التعبير عمّا نشعر به من عاطفة وحبّ ومودّة.
للأسف، نعيش في لبنان كأننا آلات تعمل بلا توقّف. ندور في حلقة مفرغة من الواجبات والمسؤوليات، نؤدّي أدوارنا بإتقان، لكنّنا ننسى أنفسنا في الطريق، تمرّ السنوات بلمح البصر، ومع انتظار الراتب الشهري المحدود غالباً، ننسى أن الحبّ يحتاج إلى رعاية، إلى وقت، إلى اهتمام، تماماً كما يحتاج أطفالنا إلى الحنان، وعملنا إلى الجهد، وحياتنا إلى التوازن. غير أن هذا التوازن يبدو رفاهية بعيدة المنال في حياتنا اليومية.
في بلد الأزمات المتتالية في لبنان، لا يُقتل الحبّ دفعة واحدة، بل يُستنزف ببطء، يغيب تدريجياً عن حياتنا المرهقة، يذوب في التفاصيل الصغيرة، في التعب المتراكم، في الصمت الطويل بين شريكين كانا يوماً أقرب إلى بعضهما مما هما عليه الآن، فأرهقتهما أعباء الحياة وثقلها الجاسم على صدريهما، وهكذا تضيع ذبذبات الحبّ بين أصوات المولّدات، وفوضى الشوارع، وضغط الحياة اليومية، إلى أن يصبح ذكرى جميلة أكثر منه ممارسة حيّة.
عيد الحبّ، في هذا الواقع، لا يعود مناسبة للورود والشموع والهدايا والسهر، بل لحظة مواجهة صادقة مع أنفسنا. مواجهة تُجبرنا على طرح سؤال مؤلم: هل نعيش لنؤمّن الحياة فقط، أم لنحياها فعلاً؟ وهل ما زال للحبّ مكان في يومياتنا، أم أننا أقصيناه قسراً بحجّة النجاة، نجاة آنيّة ربما، فنحن لا نعرف غالباً ما ينتظرنا من مجهول، ومن غد غير معلوم يفرضه علينا واقع البلد المأزوم والمعرّض في كلّ لحظة لحرب ما، أو اغتيال ما، أو تهديد ما، أو أزمة مالية تجعل أحلامنا في مهبّ الريح، وهذا ما خبره معظم اللبنانيين في السنوات الأخيرة حين التهمت المصارف جنى تعبهم وأعمارهم؟
قد لا يكون الحلّ في هدية أو عشاء فاخر، بل في إعادة الاعتبار الى الحبّ كقيمة أساسية، لا كمناسبة موسمية. فالحبّ في بلد مثقل بالأزمات ليس ترفاً، بل فعل مقاومة صامتة، ومحاولة إنسانية أخيرة للحفاظ على ما تبقّى منا.
وهنا، يراودني سؤال طفولي ربما، لكنّه صادق إلى حدّ موجع: كيف يُمضي العشّاق عيد الحبّ في العالم الأوّل؟ كيف يبدو هذا اليوم في أماكن لا يُقاس فيها الحبّ بأعباء الحياة، ولا تُؤجَّل فيه المشاعر بانتظار تحسّن الأوضاع؟ هل يتبادل العشّاق هناك الورود من دون أن يفكّروا بثمنها؟ هل يحجزون عشاءً رومانسياً من دون احتساب الفاتورة كخطر مالي؟ وهل يعيشون الحبّ كمساحة فرح يومي لا كمناسبة موسمية محاصرة بالقلق؟
إقرأوا أيضاً:










