أضاء هاتفي بإشعار عاجل: حزب الله أطلق ستة صواريخ باتجاه إسرائيل. تصرّفتُ بغريزة فورية. اتصلتُ بأخي لأطمئن على والدَيّ في بيروت. بعد ثوانٍ، أرسل صورة من شرفة منزلهما: عمود من الدخان يتصاعد من أول غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية. حاولتُ إقناع نفسي بأن هذا هو أسوأ ما يمكن أن يحدث، لكن الرسالة التالية وصلت سريعاً: والداي غادرا المنزل بملابس النوم في منتصف الليل، هرباً من الضربة الثانية.
هذا هو ما يأتي به ما يسمّيه حزب الله “بطولة” للناس العاديين: الذعر، النزوح، وتجريد الناس من أبسط أشكال الكرامة. لم تعد الحرب مجرد عنوان صحافي أغطّيه أو أحلّله، بل أصبحت تُرى من غرفة جلوس عائلة، حيث يُقاس الزمن بين انفجار وآخر.
ولم تقتصر الضربات على المباني، بل طاولت أيضاً المستقبل. جئتُ إلى الولايات المتحدة ضمن زمالة هيوبرت هـ. همفري لأطوّر مهاراتي في الخدمة العامة والاتصال، ولأعود إلى لبنان بشيء عملي ودائم. لكن قرار حزب الله إشعال جبهة لا يدفع ثمنها هو، ولا يستطيع المدنيون الهروب منها، حطّم هذه الخطة إلى نصفين.
قطعتُ برنامجي وعدتُ إلى الوطن، لأن واجبي لم يعد سطراً في السيرة الذاتية، بل طفل صغير يحتاج إلى الهدوء، وزوجة تحتاج إلى الدعم، ووالدان لا ينبغي أن يُضطرا إلى الركض ليلاً لينجوا بحياتهما.
هذه هي القوة الحقيقية للميليشيا: ليست “المقاومة”، بل امتلاك حق الانقضاض على الحياة الطبيعية. حتى عندما تحاول أن تبتعد عن حروب حزب الله، يجد دائماً طريقة لجرّك إليها مجدداً، دافعاً العائلات والبلدان إلى الحلقة نفسها مراراً وتكراراً، من دون أي استراتيجية للخروج أو أي مساءلة.
يدعم لبنانيون كثر حزب الله بدافع الخوف من إسرائيل، أو لانعدام الثقة بالدولة، أو بسبب ذاكرة الاجتياحات السابقة. لكن هذه المخاوف لا تبرّر أن يتخذ حزب مسلّح قرارات أحادية تجلب الحرب إلى المدنيين. فلبنان يُسحب إلى الحرب على يد طرف مسلّح يعمل خارج إطار الدولة. هذا السيناريو ليس استثنائياً، بل هو معضلتنا اليومية.
في حروب سابقة، اعتقد كثر من اللبنانيين أن المسافة قد تحميهم، وأن الدمار سيبقى محصوراً في مناطق أو معسكرات سياسية معيّنة. هذا الوهم انتهى. لن يكون هناك جنوب آمن، حتى بالنسبة إلى أولئك الذين عارضوا حزب الله طويلاً ورفضوا سلطته على حياتهم.
لسنوات، برّر حزب الله ترسانته تحت شعار الدفاع عن لبنان ودعم فلسطين. لكن هذه الرواية انهارت تدريجياً تحت وطأة الواقع. تحوّلت “المقاومة” إلى خطاب، والخطاب إلى رأسمال سياسي، والرأسمال السياسي إلى سيطرة على مصير بلدٍ كامل. لم يُستشر لبنان قبل أن يُجرّ مرة أخرى إلى الحرب. مؤسسات الدولة لم تفوّض هذه الحرب، وقرارات حزب الله العسكرية تتجاوز الدولة.
نحو ثلاثة أسابيع مرّت على حرب طاحنة ضد البلد، لم توفّر خلالها إسرائيل سلاحاً إلا واستخدمته، وبدأت بقضم أراضٍ في الجنوب. ما يحصل في لبنان امتداد لصراع إقليمي يُعامَل فيه المدنيون اللبنانيون كضحايا يمكن الاستغناء عنهم.
داخلياً، سواء كان حزب الله موجّهاً بشكل مباشر من طهران، أو مدفوعاً بقيادة تسعى إلى استعادة نفوذٍ فقدته، فالنتيجة واحدة: تنظيم مسلّح يتخذ قرارات لا رجعة فيها نيابةً عن ملايين لم يصوّتوا للحرب ولا يريدونها.
الحقيقة تظهر بوضوح على طرقات لبنان. آلاف العائلات تهرب من الجنوب في منتصف الليل. أطفال يُحملون وهم نصف نائمين، وآباء مسنون يُحشرون في سيارات مكتظة، وأمهات يبحثن عن الوقود والمأوى، فيما تمتد طوابير السير لأميال. طقس بارد، طرقات مقطوعة، هلع وإرهاق. هذه المشاهد تكشف أكثر مما قد يقوله أي خطاب.
بينما يفرّ المدنيون من القصف، يتحدث حزب الله بلغة النصر والتضحية. لكن التضحية لا تُوزَّع بالتساوي أبداً. الناس العاديون يخسرون منازلهم واستقرارهم وأمانهم، فيما يبقى القادة السياسيون والعسكريون بمنأى عن عواقب النزاعات التي يطلقونها.
إقرأوا أيضاً:
لبنان اليوم لا يدافع عن نفسه، بل يدفع ثمن قرارات اتُّخذت خارج مؤسسات الدولة وبعيداً عن أي مساءلة ديمقراطية. بلد أضعفه الانهيار الاقتصادي والشلل السياسي لا يمكنه أن يتحمّل حروباً متكررة تُفرض عليه من دون موافقته.
وصف ما يحدث بالمقاومة لم يعد يعكس الواقع. عندما يجرّ فصيل مسلّح شعبه مراراً إلى الدمار ضد إرادته، تصبح الأيديولوجيا بديلاً عن الولاء للوطن. وبذلك، لم يحمِ حزب الله لبنان، بل خانه.
حزب الله ميليشيا مسلّحة سيطرت على حياة اللبنانيين بالقوة منذ تأسيسها، وجرّت البلاد إلى حروب متكررة، مقرّرة مصير شعب كامل من دون تفويض، ومن دون مساءلة، ومن دون اعتبار لحياة المدنيين.
ولم تقتصر أفعال هذه الميليشيا على الحروب الخارجية. داخل لبنان أيضاً، استُخدمت الاغتيالات لإسكات الأصوات المعارضة. كتّاب وصحافيون وسياسيون وناشطون دفعوا حياتهم ثمناً لموقف أو رأي لم يقبله الحزب. من يختلف يُوصم بالخيانة، ومن ينتقد يُهدَّد، ومن يواجه يُقصى. هذا ليس دفاعاً وطنياً، بل حكم بالسلاح والخوف.
لقد حان الوقت للبنان الرسمي، لبنان الدولة: الحكومة، رئاسة الجمهورية، والبرلمان، أن يقف إلى جانب شعبه. في الثاني من آذار/ مارس 2026، أعلن رئيس الوزراء نواف سلام أن لبنان سيحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله. هذا هو الاتجاه الصحيح، لأنه يرسّخ قاعدة أساسية: قرارات الحرب والسلم تعود الى الدولة، لا الى حزب مسلّح.
الآن، على قادة لبنان أن يتابعوا بخطوات قابلة للتطبيق فعلاً: إصدار أمر واضح يمنع أي جماعة مسلّحة من إطلاق هجمات انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، ووضع خطة للجيش والأجهزة الأمنية لتنفيذ هذا القرار، وفرض عواقب سياسية على أي مسؤول حكومي يوفّر غطاءً لعمل مسلّح خارج إطار الدولة. من دون ذلك، سيواصل المدنيون اللبنانيون دفع ثمن حروب لم يختاروها.
إقرأوا أيضاً:














