ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

غزة بين الغضب المشروع والفخّ الإسرائيلي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تبدو الحاجة ملحة إلى التمييز بين حق الناس في الاحتجاج والتعبير عن مطالبهم، وبين محاولات استغلال هذا الحق لتحقيق أهداف أخرى. فليس كل معترض عميلاً، وليس كل داعٍ للاحتجاج صاحب مشروع وطني بالضرورة. وبين هذين التبسيطين تضيع أحياناً القدرة على قراءة المشهد بواقعية ومسؤولية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مرة أخرى ينقسم الفلسطينيون، ومرة أخرى يتحول النقاش من أصل الأزمة إلى الموقف من ردود الفعل عليها. فمع تصاعد الدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتنظيم “يوم غضب” أو “ثورة” في قطاع غزة، عاد الجدل الداخلي ليتصدر المشهد، بين من يرى في هذه الدعوات تعبيراً طبيعياً عن حالة غضب غير مسبوقة يعيشها سكان القطاع، وبين من يحذر من أن التوقيت والظروف المحيطة بها قد يحولانها إلى مدخل لخدمة أهداف لا علاقة لها بمصالح الفلسطينيين.

ليس بإمكان أي مراقب منصف أن ينكر حجم الغضب المتراكم في غزة. فبعد شهور طويلة من حرب الإبادة الممتدة والقتل والتجويع والنزوح وفقدان المأوى وتدمير مقومات الحياة، بات الغضب الشعبي حقيقة لا تحتاج إلى إثبات. وهذا الغضب ليس صناعة خارجية ولا نتيجة تحريض سياسي عابر، بل هو نتاج مباشر لحرب إسرائيلية مدمرة دفعت المجتمع الفلسطيني إلى حافة الانهيار الإنساني والاجتماعي. كما أن انتقاد حركة حماس أو الاعتراض على سياساتها أو المطالبة بمراجعات سياسية شاملة، حق سياسي مشروع لا يجوز مصادرته أو التشكيك فيه.

كما أن الاحتجاج السلمي والتعبير عن الرأي حق طبيعي لأي مجتمع، خصوصاً في ظل الظروف الكارثية التي يعيشها سكان قطاع غزة. لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يدور حول شرعية الغضب أو حق الناس في التعبير عنه، بل حول طبيعة اللحظة السياسية التي يحدث فيها هذا التعبير، وحول النتائج المحتملة التي قد تترتب عليه في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة.

تأتي هذه الدعوات أيضاً في لحظة سياسية بالغة الحساسية، إذ تتواصل في القاهرة مباحثات تتعلق بمستقبل قطاع غزة وترتيبات ما بعد الحرب، بما في ذلك القضايا الخلافية المرتبطة بالسلاح والحكم وإعادة الإعمار. وفي ظل حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها القطاع، وما يواجهه سكانه من قتل وتجويع وتهجير وانهيار شبه كامل لمقومات الحياة، تقع على عاتق حركة حماس مسؤولية إبداء قدر أكبر من المرونة والشجاعة السياسية في التعامل مع هذه الملفات، والبحث عن صيغ وطنية تحمي الحقوق الفلسطينية وتمنع استمرار الحرب، بعيداً عن التمسك بالمواقف المسبقة أو تحويل القضايا الخلافية إلى عائق أمام التوصل إلى تفاهمات تفتح الطريق أمام وقف المأساة المستمرة. 

فالمطلوب اليوم ليس تسجيل انتصارات سياسية أو معنوية، بل إنقاذ ما تبقى من غزة وسكانها، والحفاظ على ما تبقى من القضية الوطنية الفلسطينية في مواجهة مخططات التصفية والاقتلاع. ولا تقتصر هذه المسؤولية على حركة حماس وحدها، بل تشمل أيضاً مختلف القوى والفصائل الفلسطينية التي ما زالت عاجزة عن بلورة رؤية وطنية موحدة للخروج من الكارثة التي يعيشها القطاع.

في مثل هذه الظروف يصبح السؤال أكثر تعقيداً من مجرد تأييد أو رفض الحراك. فالمسألة ليست إن كان الناس غاضبين أم لا، بل ماذا سيحدث إذا تحولت هذه الدعوات إلى حراك واسع؟ ومن سيستفيد من نتائجه؟ وما السيناريوهات التي قد تنشأ في اليوم التالي؟

المخاوف التي يطرحها معارضو هذه الدعوات لا تنطلق بالضرورة من الدفاع عن الواقع القائم أو عن حركة حماس، بل من تقدير سياسي يعتبر أن غزة تقف حالياً على حافة تحولات خطيرة قد تجعل أي انفجار داخلي مدخلاً لمشاريع أكبر من مجرد احتجاج شعبي.

أولى هذه المخاوف تتعلق بإمكانية تفجير فتنة داخلية واسعة في مجتمع أنهكته الحرب وخسر عشرات الآلاف من أبنائه وممتلكاته. فغزة التي تواجه أصلاً تحديات البقاء وإعادة تنظيم الحياة اليومية، لا تحتمل انقساماً داخلياً جديداً أو صراعاً أهلياً يضيف إلى مآسيها مأساة أخرى.

أما الخطر الثاني فيرتبط بما تحاول إسرائيل تحقيقه ميدانياً وسياسياً. فمنذ أشهر تعمل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية على إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والبشري في القطاع، وتسعى إلى تكريس مناطق نفوذ وسيطرة دائمة، بالتوازي مع البحث عن صيغ حكم محلية بديلة أو هياكل إدارية وأمنية يمكن أن تتولى إدارة شؤون السكان بعيداً عن أي إطار وطني فلسطيني جامع. 

في هذا السياق، فإن أي انفجار داخلي أو حالة فوضى واسعة قد تمنح إسرائيل فرصة لتسويق مشاريعها باعتبارها حلولاً ضرورية لملء “الفراغ”، أو لتقديم نفسها أمام المجتمع الدولي كطرف يتعامل مع أزمة داخلية فلسطينية لا مع قضية احتلال وحرب مستمرة.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، فإسرائيل دأبت تاريخياً على استثمار الانقسامات الفلسطينية وتعميقها. فمنذ سنوات طويلة شكّل الانقسام الداخلي إحدى أهم الذرائع التي استخدمتها الحكومات الإسرائيلية للتهرب من الاستحقاقات السياسية ورفض أي مسار جدي لإنهاء الاحتلال. ولذلك يخشى كثيرون أن يؤدي أي صدام داخلي جديد إلى إعادة إنتاج هذه المعادلة في لحظة هي من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ القضية الفلسطينية.

أما الخطر الثالث فيتمثل في إمكانية تقويض المسارات السياسية الجارية حالياً، سواء كانت تفاهمات فلسطينية أو مبادرات إقليمية أو ضغوطاً دولية تتعلق بإنهاء الحرب وإعادة الإعمار وإدارة القطاع. فإسرائيل لطالما استفادت من الانقسامات الفلسطينية لتبرير سياساتها والتهرب من المسؤولية عن الكارثة التي تسببت بها.

مع ذلك، فإن تجاهل الغضب الشعبي أو التعامل معه باعتباره مجرد مؤامرة، لا يقل خطورة عن الدعوات غير المحسوبة. فالغضب الذي يتراكم في غزة ليس وهماً ولا صناعة خارجية، بل نتيجة مباشرة للواقع الكارثي الذي يعيشه السكان تحت وطأة الحرب والحصار والتجويع. لذلك، فإن أي مقاربة سياسية مسؤولة يجب أن تبدأ بالاعتراف بهذا الغضب وفهم أسبابه الحقيقية بدلاً من الاكتفاء بإدانة مظاهره أو التشكيك في دوافع أصحابه.

لهذا تبدو الحاجة ملحة إلى التمييز بين حق الناس في الاحتجاج والتعبير عن مطالبهم، وبين محاولات استغلال هذا الحق لتحقيق أهداف أخرى. فليس كل معترض عميلاً، وليس كل داعٍ للاحتجاج صاحب مشروع وطني بالضرورة. وبين هذين التبسيطين تضيع أحياناً القدرة على قراءة المشهد بواقعية ومسؤولية.

حتى الآن لا أحد يعرف ما الذي سيحدث فعلاً في 26 حزيران/ يونيو، وما إذا كانت الدعوات ستتحول إلى حراك واسع أم ستبقى في إطار التفاعل الإلكتروني. لكن المؤكد أن قطاع غزة يعيش لحظة سياسية شديدة الحساسية، وأن أي خطوة غير محسوبة قد تدفع نحو مسارات يصعب السيطرة عليها لاحقاً.

المطلوب اليوم ليس مصادرة الغضب ولا تخوين أصحابه، ولا الانجرار وراء أي دعوة من دون حساب نتائجها. فالغضب الذي يملأ شوارع غزة وبيوتها ومخيمات نزوحها هو غضب مشروع تماماً، نتج من حرب إبادة وتجويع وتهجير مستمرة منذ شهور طويلة. لكن مشروعية الغضب لا تعني بالضرورة أن كل مسار يُبنى عليه سيكون في مصلحة الفلسطينيين.

لهذا تكمن المعضلة الحقيقية في كيفية تحويل هذا الغضب إلى قوة ضغط وطنية تدافع عن مصالح الناس وحقوقهم، لا إلى أداة يمكن أن تستثمرها إسرائيل لتسريع مشاريعها السياسية والأمنية في القطاع. وبين غضب مشروع يستحق أن يُسمع، وفخ إسرائيلي يسعى إلى استغلال كل حالة انهيار أو انقسام، تقف غزة أمام لحظة فارقة تتطلب أعلى درجات الوعي والمسؤولية السياسية. فالمعركة ليست فقط ضد الاحتلال وحربه، بل أيضاً ضد كل ما يمكن أن يحول معاناة الفلسطينيين إلى فرصة جديدة لإعادة تشكيل مستقبلهم وفق إرادة خصومهم لا وفق إرادتهم الوطنية.

شركة المهندس العراقية
هالة الطائي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…
26.06.2026
زمن القراءة: 5 minutes

تبدو الحاجة ملحة إلى التمييز بين حق الناس في الاحتجاج والتعبير عن مطالبهم، وبين محاولات استغلال هذا الحق لتحقيق أهداف أخرى. فليس كل معترض عميلاً، وليس كل داعٍ للاحتجاج صاحب مشروع وطني بالضرورة. وبين هذين التبسيطين تضيع أحياناً القدرة على قراءة المشهد بواقعية ومسؤولية.

مرة أخرى ينقسم الفلسطينيون، ومرة أخرى يتحول النقاش من أصل الأزمة إلى الموقف من ردود الفعل عليها. فمع تصاعد الدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتنظيم “يوم غضب” أو “ثورة” في قطاع غزة، عاد الجدل الداخلي ليتصدر المشهد، بين من يرى في هذه الدعوات تعبيراً طبيعياً عن حالة غضب غير مسبوقة يعيشها سكان القطاع، وبين من يحذر من أن التوقيت والظروف المحيطة بها قد يحولانها إلى مدخل لخدمة أهداف لا علاقة لها بمصالح الفلسطينيين.

ليس بإمكان أي مراقب منصف أن ينكر حجم الغضب المتراكم في غزة. فبعد شهور طويلة من حرب الإبادة الممتدة والقتل والتجويع والنزوح وفقدان المأوى وتدمير مقومات الحياة، بات الغضب الشعبي حقيقة لا تحتاج إلى إثبات. وهذا الغضب ليس صناعة خارجية ولا نتيجة تحريض سياسي عابر، بل هو نتاج مباشر لحرب إسرائيلية مدمرة دفعت المجتمع الفلسطيني إلى حافة الانهيار الإنساني والاجتماعي. كما أن انتقاد حركة حماس أو الاعتراض على سياساتها أو المطالبة بمراجعات سياسية شاملة، حق سياسي مشروع لا يجوز مصادرته أو التشكيك فيه.

كما أن الاحتجاج السلمي والتعبير عن الرأي حق طبيعي لأي مجتمع، خصوصاً في ظل الظروف الكارثية التي يعيشها سكان قطاع غزة. لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يدور حول شرعية الغضب أو حق الناس في التعبير عنه، بل حول طبيعة اللحظة السياسية التي يحدث فيها هذا التعبير، وحول النتائج المحتملة التي قد تترتب عليه في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة.

تأتي هذه الدعوات أيضاً في لحظة سياسية بالغة الحساسية، إذ تتواصل في القاهرة مباحثات تتعلق بمستقبل قطاع غزة وترتيبات ما بعد الحرب، بما في ذلك القضايا الخلافية المرتبطة بالسلاح والحكم وإعادة الإعمار. وفي ظل حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها القطاع، وما يواجهه سكانه من قتل وتجويع وتهجير وانهيار شبه كامل لمقومات الحياة، تقع على عاتق حركة حماس مسؤولية إبداء قدر أكبر من المرونة والشجاعة السياسية في التعامل مع هذه الملفات، والبحث عن صيغ وطنية تحمي الحقوق الفلسطينية وتمنع استمرار الحرب، بعيداً عن التمسك بالمواقف المسبقة أو تحويل القضايا الخلافية إلى عائق أمام التوصل إلى تفاهمات تفتح الطريق أمام وقف المأساة المستمرة. 

فالمطلوب اليوم ليس تسجيل انتصارات سياسية أو معنوية، بل إنقاذ ما تبقى من غزة وسكانها، والحفاظ على ما تبقى من القضية الوطنية الفلسطينية في مواجهة مخططات التصفية والاقتلاع. ولا تقتصر هذه المسؤولية على حركة حماس وحدها، بل تشمل أيضاً مختلف القوى والفصائل الفلسطينية التي ما زالت عاجزة عن بلورة رؤية وطنية موحدة للخروج من الكارثة التي يعيشها القطاع.

في مثل هذه الظروف يصبح السؤال أكثر تعقيداً من مجرد تأييد أو رفض الحراك. فالمسألة ليست إن كان الناس غاضبين أم لا، بل ماذا سيحدث إذا تحولت هذه الدعوات إلى حراك واسع؟ ومن سيستفيد من نتائجه؟ وما السيناريوهات التي قد تنشأ في اليوم التالي؟

المخاوف التي يطرحها معارضو هذه الدعوات لا تنطلق بالضرورة من الدفاع عن الواقع القائم أو عن حركة حماس، بل من تقدير سياسي يعتبر أن غزة تقف حالياً على حافة تحولات خطيرة قد تجعل أي انفجار داخلي مدخلاً لمشاريع أكبر من مجرد احتجاج شعبي.

أولى هذه المخاوف تتعلق بإمكانية تفجير فتنة داخلية واسعة في مجتمع أنهكته الحرب وخسر عشرات الآلاف من أبنائه وممتلكاته. فغزة التي تواجه أصلاً تحديات البقاء وإعادة تنظيم الحياة اليومية، لا تحتمل انقساماً داخلياً جديداً أو صراعاً أهلياً يضيف إلى مآسيها مأساة أخرى.

أما الخطر الثاني فيرتبط بما تحاول إسرائيل تحقيقه ميدانياً وسياسياً. فمنذ أشهر تعمل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية على إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والبشري في القطاع، وتسعى إلى تكريس مناطق نفوذ وسيطرة دائمة، بالتوازي مع البحث عن صيغ حكم محلية بديلة أو هياكل إدارية وأمنية يمكن أن تتولى إدارة شؤون السكان بعيداً عن أي إطار وطني فلسطيني جامع. 

في هذا السياق، فإن أي انفجار داخلي أو حالة فوضى واسعة قد تمنح إسرائيل فرصة لتسويق مشاريعها باعتبارها حلولاً ضرورية لملء “الفراغ”، أو لتقديم نفسها أمام المجتمع الدولي كطرف يتعامل مع أزمة داخلية فلسطينية لا مع قضية احتلال وحرب مستمرة.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، فإسرائيل دأبت تاريخياً على استثمار الانقسامات الفلسطينية وتعميقها. فمنذ سنوات طويلة شكّل الانقسام الداخلي إحدى أهم الذرائع التي استخدمتها الحكومات الإسرائيلية للتهرب من الاستحقاقات السياسية ورفض أي مسار جدي لإنهاء الاحتلال. ولذلك يخشى كثيرون أن يؤدي أي صدام داخلي جديد إلى إعادة إنتاج هذه المعادلة في لحظة هي من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ القضية الفلسطينية.

أما الخطر الثالث فيتمثل في إمكانية تقويض المسارات السياسية الجارية حالياً، سواء كانت تفاهمات فلسطينية أو مبادرات إقليمية أو ضغوطاً دولية تتعلق بإنهاء الحرب وإعادة الإعمار وإدارة القطاع. فإسرائيل لطالما استفادت من الانقسامات الفلسطينية لتبرير سياساتها والتهرب من المسؤولية عن الكارثة التي تسببت بها.

مع ذلك، فإن تجاهل الغضب الشعبي أو التعامل معه باعتباره مجرد مؤامرة، لا يقل خطورة عن الدعوات غير المحسوبة. فالغضب الذي يتراكم في غزة ليس وهماً ولا صناعة خارجية، بل نتيجة مباشرة للواقع الكارثي الذي يعيشه السكان تحت وطأة الحرب والحصار والتجويع. لذلك، فإن أي مقاربة سياسية مسؤولة يجب أن تبدأ بالاعتراف بهذا الغضب وفهم أسبابه الحقيقية بدلاً من الاكتفاء بإدانة مظاهره أو التشكيك في دوافع أصحابه.

لهذا تبدو الحاجة ملحة إلى التمييز بين حق الناس في الاحتجاج والتعبير عن مطالبهم، وبين محاولات استغلال هذا الحق لتحقيق أهداف أخرى. فليس كل معترض عميلاً، وليس كل داعٍ للاحتجاج صاحب مشروع وطني بالضرورة. وبين هذين التبسيطين تضيع أحياناً القدرة على قراءة المشهد بواقعية ومسؤولية.

حتى الآن لا أحد يعرف ما الذي سيحدث فعلاً في 26 حزيران/ يونيو، وما إذا كانت الدعوات ستتحول إلى حراك واسع أم ستبقى في إطار التفاعل الإلكتروني. لكن المؤكد أن قطاع غزة يعيش لحظة سياسية شديدة الحساسية، وأن أي خطوة غير محسوبة قد تدفع نحو مسارات يصعب السيطرة عليها لاحقاً.

المطلوب اليوم ليس مصادرة الغضب ولا تخوين أصحابه، ولا الانجرار وراء أي دعوة من دون حساب نتائجها. فالغضب الذي يملأ شوارع غزة وبيوتها ومخيمات نزوحها هو غضب مشروع تماماً، نتج من حرب إبادة وتجويع وتهجير مستمرة منذ شهور طويلة. لكن مشروعية الغضب لا تعني بالضرورة أن كل مسار يُبنى عليه سيكون في مصلحة الفلسطينيين.

لهذا تكمن المعضلة الحقيقية في كيفية تحويل هذا الغضب إلى قوة ضغط وطنية تدافع عن مصالح الناس وحقوقهم، لا إلى أداة يمكن أن تستثمرها إسرائيل لتسريع مشاريعها السياسية والأمنية في القطاع. وبين غضب مشروع يستحق أن يُسمع، وفخ إسرائيلي يسعى إلى استغلال كل حالة انهيار أو انقسام، تقف غزة أمام لحظة فارقة تتطلب أعلى درجات الوعي والمسؤولية السياسية. فالمعركة ليست فقط ضد الاحتلال وحربه، بل أيضاً ضد كل ما يمكن أن يحول معاناة الفلسطينيين إلى فرصة جديدة لإعادة تشكيل مستقبلهم وفق إرادة خصومهم لا وفق إرادتهم الوطنية.