ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

غزة… سؤال الخراب والأمل 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

من الواضح أن بنيامين نتانياهو فشل في تحقيق “انتصار كامل” على حركة “حماس”، وبقي موقفه في غموض شديد: هل تراجع فعلياً عن هذا الهدف؟ أم أنه يخطط لاستفزاز الغزيين أو حركة “حماس” عبر انتهاكات جديدة تبرر العودة إلى ساحة المعركة؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تم نشر هذه المادة بالإنجليزية .

بالرغم من كل التجارب السياسية السلبية، التي عايشناها في حياتنا المهنية على مدى أكثر من أربعة عقود، ما زلنا من مؤيدي انتصار الأمل على الخراب.

لكن لا شيء في اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في غزة، يوحي بأن الأمور ستسير بسلاسة. فالكثير من البنود التي تم التوصل إليها بشق الأنفس في هذه الاتفاقية، قد تواجه عراقيل أو تظل حبيسة الورق. 

لتحقيق السلام المنشود، يجب أن تتحرك عوامل عدة معقدة ومتشابكة في انسجام وانسياب، يكاد يكون مستحيلاً تحقيقها في ظل الظروف الراهنة.

الاتفاق يمثل طريقاً ضيقاً مملوءاً بالغدر، نحو مستقبل غير مؤكد. وإذا كان الحظ حليفنا، فقد يتنفس قرن من الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين الصعداء. قد يمنح الاتفاق أهل غزة فترة راحة مؤقتة لتأمين الغذاء والدواء، لمليوني فلسطيني يعانون من صدمة إنسانية مروعة، بعد أن وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الحرب غير المسبوقة على القطاع بأنها “انتقام عظيم”.

من الواضح أن بنيامين نتانياهو فشل في تحقيق “انتصار كامل” على حركة “حماس”، وبقي موقفه في غموض شديد: هل تراجع فعلياً عن هذا الهدف؟ أم أنه يخطط لاستفزاز الغزيين أو حركة “حماس” عبر انتهاكات جديدة تبرر العودة إلى ساحة المعركة؟

اعترف إيتامار بن غفير وزير الأمن الإسرائيلي المستقيل، بمسؤوليته عن تعطيل هدنة سابقة وضعتها إدارة الرئيس جو بايدن الأميركية في أيار/ مايو الماضي، بينما يستمتع زميله، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بإمكانية حدوث المزيد من التصعيد، حيث قال بعد الإعلان عن التوصل إلى هدنة إن هناك خطة “للاستيلاء التدريجي على قطاع غزة بالكامل”، وقال في تصريح مفعم بالغضب، أعلنه على حسابه عبر منصة “تيليغرام”: “غزة مدمرة وغير صالحة للسكن، وستظل كذلك. قريباً، سنمحو ابتسامة أعدائنا ونستبدلها بصرخات الحزن”.

الواقع العربي والإسرائيلي

التعليقات الإسرائيلية المتشددة تعزز مخاوف المسؤولين العرب، من توسع الاستيطان في الضفة الغربية، بعد إعلان الهدنة. أما على الجانب الفلسطيني، فاليوم تلاحق “حماس” أي شخص يُشتبه بتعاونه مع إسرائيل، وتحاول بيع نسختها الخاصة من “النصر” لسكان غزة، برغم تراجع شعبيتها عربياً ودولياً. 

وقال مسؤول عربي مطّلع على المفاوضات إن “الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، الذي نسب التوصل إلى اتفاق الهدنة لنفسه، قد يقوم بخطة تكون فيها حماس شريكة في إدارة القطاع ما بعد الانتهاء من الحرب”. طبعا السلطة الفلسطينية أعلنت أنها لا تريد أن تسيطر “حماس” على القطاع، أو تعود لحكمه، بعد أن ألقت غزة وأهلها في أتون معركة مع إسرائيل، دمرت البنى التحتية وقتلت آلاف الفلسطينيين. 

إسرائيل لا تريد عودة السلطة أو حكم “حماس”، بل تبحث عن دور أممي عربي. الإمارات والسعودية تطالبان بإصلاحات عميقة داخل هيكل السلطة المنخور بالفساد، قبل أن تدعم خيار عودتها للسيطرة على القطاع، والأردن يوافق على ما يرضى به الفلسطينيون.

إعادة الإعمار والمستقبل الغامض

إن إعادة إعمار غزة تحتاج إلى دعم دولي هائل، لكن التجارب الفاشلة في العراق وأفغانستان، تجعل الدول المانحة مثل السعودية والإمارات وقطر وأميركا وأوروبا مترددة في الاستثمار، من دون ضمانات أن إسرائيل لن تعود لتدمير ما تم إعادة بنائه. ربما سيمنح ترامب هكذا ضمانات، عند بدء المرحلة الثانية من المفاوضات التي أفضت إلى الهدنة، لأنه يريد أن يدخل التاريخ كرجل أعمال ناجح وكصانع للسلام، قبل أن يُنهي عهده الثاني والأخير.

الصدمة الاقتصادية التي تعرض لها القطاع، تفوق ما شهدته ألمانيا النازية واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وفقاً لوزير التنمية الدولية البريطاني السابق روري ستيوارت، الذي عمل على عدد من المشاريع الخاصة بإعادة الإعمار بعد الإطاحة بنظام صدام حسين و”طالبان” في أفغانستان.

في أحسن الأحوال لن تعود الحياة إلى ما كانت عليه قبل الحرب الإسرائيلية على القطاع لسنوات كثيرة مقبلة، ومن الصعب التصديق أن الدمار الذي لحق بغزة، لم يكن مخطط إسرائيل غير المعلن، بهدف دفع الغزيين إلى الهجرة.

الاحتياجات الإنسانية والخدمية والطبية والإنشائية مرعبة ولا تنتهي، وإذا ما وضعنا نصب أعيننا أن مخطط الهدنة، من الممكن أن يفشل في هدفه النهائي؛ وهو وقف الحرب وإعادة الإعمار، فلا شيء يمكن أن يحفز عودة المستثمرين، بل على العكس، قد نراهم يهرولون باتجاه باب الخروج من القطاع.

ويلح سؤال مصيري: هل من فرصة لقيام دولة فلسطينية مستقلة يحكمها الفلسطينيون بأنفسهم؟

السعودية التي تدفع باتجاه التطبيع مع إسرائيل للحصول على دعم أميركي عسكري، ومساعدات لتعزيز قدرات برنامجها النووي السلمي، ستصر على ضرورة أن تقوم إسرائيل بفتح مفاوضات صوب حول حل الدولتين، لكن العملية لن تُفضي على الأرجح إلا إلى السياسات غير المجدية نفسها التي شلت أمل السلام لعقود.

 سنواجه عملية الدوران نفسها في حلقات مفرغة، وبازار من حرب الكلمات والجمل المؤلمة التي سيطرت على صياغة أهداف مفاوضات السلام في الشرق الأوسط. عملية من دون خواتيم إيجابية تحقق طموح الفلسطينيين، لأن إسرائيل الصهيونية تريد توسيع حدودها وليس تقليصها.

العار علينا جميعاً إذا كان كل هذا الدمار والقتل من أجل المزيد من المماطلة؟ عار على الإنسانية إذا كان هذا هو الحال!.

22.01.2025
زمن القراءة: 4 minutes

من الواضح أن بنيامين نتانياهو فشل في تحقيق “انتصار كامل” على حركة “حماس”، وبقي موقفه في غموض شديد: هل تراجع فعلياً عن هذا الهدف؟ أم أنه يخطط لاستفزاز الغزيين أو حركة “حماس” عبر انتهاكات جديدة تبرر العودة إلى ساحة المعركة؟

تم نشر هذه المادة بالإنجليزية .

بالرغم من كل التجارب السياسية السلبية، التي عايشناها في حياتنا المهنية على مدى أكثر من أربعة عقود، ما زلنا من مؤيدي انتصار الأمل على الخراب.

لكن لا شيء في اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في غزة، يوحي بأن الأمور ستسير بسلاسة. فالكثير من البنود التي تم التوصل إليها بشق الأنفس في هذه الاتفاقية، قد تواجه عراقيل أو تظل حبيسة الورق. 

لتحقيق السلام المنشود، يجب أن تتحرك عوامل عدة معقدة ومتشابكة في انسجام وانسياب، يكاد يكون مستحيلاً تحقيقها في ظل الظروف الراهنة.

الاتفاق يمثل طريقاً ضيقاً مملوءاً بالغدر، نحو مستقبل غير مؤكد. وإذا كان الحظ حليفنا، فقد يتنفس قرن من الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين الصعداء. قد يمنح الاتفاق أهل غزة فترة راحة مؤقتة لتأمين الغذاء والدواء، لمليوني فلسطيني يعانون من صدمة إنسانية مروعة، بعد أن وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الحرب غير المسبوقة على القطاع بأنها “انتقام عظيم”.

من الواضح أن بنيامين نتانياهو فشل في تحقيق “انتصار كامل” على حركة “حماس”، وبقي موقفه في غموض شديد: هل تراجع فعلياً عن هذا الهدف؟ أم أنه يخطط لاستفزاز الغزيين أو حركة “حماس” عبر انتهاكات جديدة تبرر العودة إلى ساحة المعركة؟

اعترف إيتامار بن غفير وزير الأمن الإسرائيلي المستقيل، بمسؤوليته عن تعطيل هدنة سابقة وضعتها إدارة الرئيس جو بايدن الأميركية في أيار/ مايو الماضي، بينما يستمتع زميله، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بإمكانية حدوث المزيد من التصعيد، حيث قال بعد الإعلان عن التوصل إلى هدنة إن هناك خطة “للاستيلاء التدريجي على قطاع غزة بالكامل”، وقال في تصريح مفعم بالغضب، أعلنه على حسابه عبر منصة “تيليغرام”: “غزة مدمرة وغير صالحة للسكن، وستظل كذلك. قريباً، سنمحو ابتسامة أعدائنا ونستبدلها بصرخات الحزن”.

الواقع العربي والإسرائيلي

التعليقات الإسرائيلية المتشددة تعزز مخاوف المسؤولين العرب، من توسع الاستيطان في الضفة الغربية، بعد إعلان الهدنة. أما على الجانب الفلسطيني، فاليوم تلاحق “حماس” أي شخص يُشتبه بتعاونه مع إسرائيل، وتحاول بيع نسختها الخاصة من “النصر” لسكان غزة، برغم تراجع شعبيتها عربياً ودولياً. 

وقال مسؤول عربي مطّلع على المفاوضات إن “الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، الذي نسب التوصل إلى اتفاق الهدنة لنفسه، قد يقوم بخطة تكون فيها حماس شريكة في إدارة القطاع ما بعد الانتهاء من الحرب”. طبعا السلطة الفلسطينية أعلنت أنها لا تريد أن تسيطر “حماس” على القطاع، أو تعود لحكمه، بعد أن ألقت غزة وأهلها في أتون معركة مع إسرائيل، دمرت البنى التحتية وقتلت آلاف الفلسطينيين. 

إسرائيل لا تريد عودة السلطة أو حكم “حماس”، بل تبحث عن دور أممي عربي. الإمارات والسعودية تطالبان بإصلاحات عميقة داخل هيكل السلطة المنخور بالفساد، قبل أن تدعم خيار عودتها للسيطرة على القطاع، والأردن يوافق على ما يرضى به الفلسطينيون.

إعادة الإعمار والمستقبل الغامض

إن إعادة إعمار غزة تحتاج إلى دعم دولي هائل، لكن التجارب الفاشلة في العراق وأفغانستان، تجعل الدول المانحة مثل السعودية والإمارات وقطر وأميركا وأوروبا مترددة في الاستثمار، من دون ضمانات أن إسرائيل لن تعود لتدمير ما تم إعادة بنائه. ربما سيمنح ترامب هكذا ضمانات، عند بدء المرحلة الثانية من المفاوضات التي أفضت إلى الهدنة، لأنه يريد أن يدخل التاريخ كرجل أعمال ناجح وكصانع للسلام، قبل أن يُنهي عهده الثاني والأخير.

الصدمة الاقتصادية التي تعرض لها القطاع، تفوق ما شهدته ألمانيا النازية واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وفقاً لوزير التنمية الدولية البريطاني السابق روري ستيوارت، الذي عمل على عدد من المشاريع الخاصة بإعادة الإعمار بعد الإطاحة بنظام صدام حسين و”طالبان” في أفغانستان.

في أحسن الأحوال لن تعود الحياة إلى ما كانت عليه قبل الحرب الإسرائيلية على القطاع لسنوات كثيرة مقبلة، ومن الصعب التصديق أن الدمار الذي لحق بغزة، لم يكن مخطط إسرائيل غير المعلن، بهدف دفع الغزيين إلى الهجرة.

الاحتياجات الإنسانية والخدمية والطبية والإنشائية مرعبة ولا تنتهي، وإذا ما وضعنا نصب أعيننا أن مخطط الهدنة، من الممكن أن يفشل في هدفه النهائي؛ وهو وقف الحرب وإعادة الإعمار، فلا شيء يمكن أن يحفز عودة المستثمرين، بل على العكس، قد نراهم يهرولون باتجاه باب الخروج من القطاع.

ويلح سؤال مصيري: هل من فرصة لقيام دولة فلسطينية مستقلة يحكمها الفلسطينيون بأنفسهم؟

السعودية التي تدفع باتجاه التطبيع مع إسرائيل للحصول على دعم أميركي عسكري، ومساعدات لتعزيز قدرات برنامجها النووي السلمي، ستصر على ضرورة أن تقوم إسرائيل بفتح مفاوضات صوب حول حل الدولتين، لكن العملية لن تُفضي على الأرجح إلا إلى السياسات غير المجدية نفسها التي شلت أمل السلام لعقود.

 سنواجه عملية الدوران نفسها في حلقات مفرغة، وبازار من حرب الكلمات والجمل المؤلمة التي سيطرت على صياغة أهداف مفاوضات السلام في الشرق الأوسط. عملية من دون خواتيم إيجابية تحقق طموح الفلسطينيين، لأن إسرائيل الصهيونية تريد توسيع حدودها وليس تقليصها.

العار علينا جميعاً إذا كان كل هذا الدمار والقتل من أجل المزيد من المماطلة؟ عار على الإنسانية إذا كان هذا هو الحال!.