fbpx

غزة في الشهر التاسع من الحرب

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما زالت غزة تدفع ثمن البقاء على قيد الحياة، من دماء أطفالها ونسائها وشبابها وكبارها، الذين لم يكن آخرهم 274 قتيلاً في مجزرة مخيم النصيرات، الذين سقطوا أثناء شن الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية لتحرير 4 مخطوفين إسرائيليين كانوا محتجزين في المخيم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

هذا مقالي الثاني منذ توقّفي الإجباري عن التدخين نهاية شهر رمضان، أنا أكتب بصعوبة، فهذا المقال حاولت إتمامه منذ نزوحي من رفح قبل 19 يوماً. 

يعيش أبو كمال الخمسيني حالاً من الرعب، منذ أن أُجبر على النزوح بداية شهر أيار/ مايو من الحي السعودي غرب مدينة رفح. 

عاش أبو كمال تجربة النزوح لمدة 13 عاماً، بعدما دُمر منزل عائلته الكائن على الشريط الحدودي عام 2001، بداية انتفاضة الأقصى، إذ قصفت طائرات الجيش الإسرائيلي المنطقة، وجرفت منازل الفلسطينيين المقامة على الحدود الفلسطينية – المصرية. 

عام 2013 وبعد سنوات المعاناة، سُلِّم وعائلته منزل في الحي السعودي، ويخشى أبو كمال حالياً، أن تتكرر معاناته السابقة، إذ كان يتنقل من بيت إلى آخر، ويركض خلف المؤسسات لتأمين أجرة المنزل.

يتابع أبو كمال أخبار رفح بخوف شديد، ويُجري اتصالات هاتفية مع جيرانه وأصدقائه لمعرفة الأماكن التي تغوّل فيها الجيش الإسرائيلي والبيوت التي دُمِّرت وهويات أصحابها، هو يخاف التصديق أن البيوت لم تُدمَّر.

حال أبو كمال كحال النازحين جميعاً، الذين أُجبروا على ترك بيوتهم، ويعيشون هاجس النزوح المتكرر والخوف من تدمير البيوت والبقاء في العراء.

هذا الإحساس يرافقني منذ 9 أشهر، عشت فيها نازحاً أتنقل من مكان إلى مكان، إنه شعور قاسٍ أن يكون الإنسان من دون بيت ومجبراً على النزوح، ويعيش إحساس النقص والخوف وعدم الاستقرار، وفقدان الخصوصية والاشتياق لأشيائه ولنفسه.

ما زالت غزة تدفع ثمن البقاء على قيد الحياة، من دماء أطفالها ونسائها وشبابها وكبارها، الذين لم يكن آخرهم 274 قتيلاً في مجزرة مخيم النصيرات، الذين سقطوا أثناء  شن الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية لتحرير 4 مخطوفين إسرائيليين كانوا محتجزين في المخيم.

مجزرة النصيرات

كان صباح السبت 8 حزيران/ يونيو مرعباً، كنت بجوار مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، عندما قصفت طائرة حربية إسرائيلية شقة سكنية بالقرب من المستشفى، وتزامن القصف مع أصوات انفجارات عنيفة قريبة، وتبين لاحقاً أنها في وسط مخيم النصيرات، الذي يبعد نحو 3 كيلومترات عن  دير البلح، وسمعت صوت الانفجارات وأزيز رصاص المروحيات وصفير الصواريخ قبل انفجارها القريب. 

كان المشهد في الشارع مرعباً، لم تكن لدى الناس معلومات كافية حول ما يحصل، كان المشهد يرسم ملامح الذعر وسبل الهروب من الزوايدة وشمال دير البلح والنصيرات باتجاه الجنوب، وفي الخلفية ترتفع أصوات الطائرات وإطلاق النار. 

‏الثمن كان كبيراً جداً، وما زات إسرائيل مصرّة على أن يدفع أهل غزة أثماناً لا يطيقون حملها، لكنهم مجبرون على ذلك، كما أنهم مجبرون على الصمود والصبر، على رغم غياب الأفق.

في صباح اليوم ذاته قبل الجريمة، كنت التقيت على متن عربة يجرها حمار، بجار العائلة الدكتور عمر، وهو من سكان مخيم الشابورة، لم أستطع التعرف عليه، فلقد بدا لي وكأنه في الثمانين من عمره، لا يستطيع المشي أو الجلوس، ويجلس مستلقياً على ظهره. 

في بداية الحرب، قتل الجيش الإسرائيلي 26 شخصاً من المقيمين عنده في البيت من النازحين، منهم زوجته و12 من أولاده، ولم يبقَ على قيد الحياة سواه وواحد من أولاده، هو الذي يعينه على المشي، وهو الآن نازح من رفح في دير البلح، وفي بداية الشهر الفائت اكتشف الأطباء أنه مصاب بالسرطان، وبحاجة إلى علاج وتدخل جراحي عاجل في الخارج، وهو يعاني آلاماً مبرحة تسلبه القدرة على السفر، خصوصاً بعد احتلال الجيش الإسرائيلي معبر رفح البري، في السابع من أيار الماضي.

العجز أمام المأساة

في مكان نزوحي الجديد، الإنترنت ضعيف ويصعب التقاط إشارة، اليوم هو اليوم 18 على نزوحي إلى هذا المكان، الحياة هنا صعبة جداً، والأصعب منها سماع قصص الناس، والعجز عن مساعدتهم، بخاصة أولئك الذين يطلبون المساعدة، بسبب ظروفهم المعيشية القاسية.

يقارن النازحون في أحاديثهم بين العيش في الخيمة وبيت من الحجر، ويتحدثون عن تجارب  قاسية لا يصدقها العقل.

وصفت نورا في جملة واحدة الحياة في الخيام: “إحنا مفضوحين على بعض”، وقالت إنها “عايشة في يوم واحد فقط، كل يوم بيتكرر هاليوم مع اختلافات طفيفة! الخيمة عالم مفضوح تماماً، لا توجد فيه خصوصية حتى بين الشقيقات وأفراد العيلة، الناس مكشوفين على بعض”.

الحرب والمجاعة في غزة ليستا خبراً عادياً، ففي هذا الوقت، إسرائيل تفتخر باستكمال السيطرة على محور صلاح الدين على الحدود  المصرية – الفلسطينية، بينما هي مستمرة في  القتل والخراب وتجويع الناس، وبعض وسائل الإعلام يجمّل الموضوع بالقول إن الفلسطينيين في غزة على حافة المجاعة. وعلى رغم كل التحذيرات والإدانات، ما زال العالم يتعامل مع أخبار الحرب والمجاعة في غزة، على أنها أمور عادية.

‏الأوضاع كارثية في مجمل مناطق القطاع، والإبادة مستمرة بأشكالها الإجرامية المختلفة وكأنها في يومها الأول، قصف وأصوات مدافع وتفجيرات وقتل أطفال ونساء، ودولة إسرائيل تصرّ وتدّعي وتكذب باستعدادها للمفاوضات، وهي مستمرة في حربها. 

قد لا يصدق أحد أن ما يعيد الناس إلى واقع الإبادة، ليس فقط أصوات القصف الجوي، وقصف البوارج الحربية القريب جداً، وأصوات الاشتباكات المتكررة، وأخبار الموت من كل مناطق غزة، بل الخوف من الموت جوعاً أو مرضاً أو من القهر والغضب  والحزن.

قبل نزوحي إلى دير البلح، كنت لا أخرج من البيت قبل المغرب وحلول الظلام، يومياً أتعمد ذلك، وأتابع حياة النازحين المقيمين في المحلات والمعارض التجارية في الشارع الرئيسي. ولاحظت أن عائلات بكاملها تجلس على أبواب المحلات، لغاية انتهاء وقت العمل، وانتظار أن يتم تنظيف الأماكن للنوم، طبعاً مهما كانت النظافة الشخصية عالية، تبقى النظافة في الشارع وتدفق مياه المجاري ورائحتها الكريهة، تنغص على الناس حياتهم وساعات انتظارهم في الشارع.

كل كذبة تدين الحقيقة

‏هناك قاعدة تقول إنه عندما تكون الحقيقة قاسية ومؤلمة، يكون الكذب أكثر، حتى ينسى الناس أنها موجودة، مع أنها ما زالت موجودة. كل كذبة يكذبها الناس هي إدانة للحقيقة، وهذا ما ينطبق على إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وكل شيء آخر، هو مجرد تصريحات وكليشيهات غبية، فالعالم بالنسبة إلي مخيف وضعيف للغاية وغير إنساني. 

الدبابات لا تتوقّف عن مداهمة مخيمات اللاجئين لاستعادة جثث الإسرائيليين، ولم يبقَ أثر في مخيم جباليا والبريج والمغازي وشرق دير البلح، ولا أمن ولا حياة للفلسطينيين، فقط مزيد من الموت والدمار.

يعتبر بعض المراقبين أن أهم القرارات الدولية هو إدراج اسم إسرائيل على قائمة العار السوداء، وهي قائمة الدول والتنظيمات التي تعتدي على الأطفال وتقتلهم، وتدمّر المدارس والمستشفيات، وقد ردت إسرائيل كالعادة باتهام الأمم المتحدة وأمينها العام باللاسامية، وبدعم الإرهاب، وبأنّ الجيش الإسرائيلي هو الأكثر أخلاقية في العالم، وهذا ليس جديداً، فتهمة اللاسامية هي التهمة الجاهزة لكل من يعارض سياسة القتل والخراب والعنصرية.

دخلت حرب غزة شهرها التاسع، ودم الغزيين ما زال ينزف من دون توقف، حرب مدمرة طاولت كل شيء بلا استثناء، نحو 38 ألفاً من القتلى ومئات الآلاف من الجرحى والمفقودين، وغزة متعبة ومنكسرة القلب ووحيدة، تنام وتستيقظ على المجازر، وإسرائيل تبحث عن قيادات محلية بديلاً لـ”حماس” و”فتح”، وهي مستمرة في تدمير غزة، فأية قوة تلك التي ستدير القطاع وهي محطّمة؟

هل تتآكل مناعة الفلسطينيين

‏بدأت مناعة الفلسطينيين بالتآكل، في ظل استمرار الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل، والانعدام التام لإمكانية وجود مستقبل. وفي ظلّ الحديث المتكرر عن العدالة التي يُحرم الملايين منها، تُفهم الإبادة الجماعية على أنها تعبير عن القوة واستعراضها، إلى الحد الذي قد يتحدى ببساطة المبدأ الأخلاقي الأكثر قبولاً في النظام الدولي.

تدعي إسرائيل أن نظامها القانوني ينظر بكفاءة في الانتهاكات والجرائم التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي، هذه كذبة مكررة، فلن تتمكن إسرائيل من تبييض مسرح الجريمة والانخراط في تحقيقات لا نهاية لها، عمداً. 

ومن المحزن أن يحدث هذا كله، ويحتاج إلى اعتراف أوروبي، ولكن هذه هي الحال، إذ إن خدعة إسرائيل لا يمكن كشفها إلا من الأوروبيين الذين أعطوا إسرائيل هذه القوة غير الأخلاقية.

هذا جانب واحد فقط، ولنتأمل بمجزرة رفح في السابع والعشرين من الشهر الماضي، وبالاستراتيجية التي أعلنت عنها إسرائيل، وهي “قتل أكبر عدد ممكن من كبار قادة حماس على أمل أن تنهار الحركة. وبغض النظر عن عدد القتلى المدنيين ـ الأضرار الجانبية”، هذه هي الإبادة. 

إن خطة إسرائيل المسبقة والواضحة والدقيقة، هي قتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، فإسرائيل قائمة على التفوق والتجريد من الإنسانية ‏والفصل العنصري، الذي يؤدي إلى الإبادة الجماعية.

"درج" | 19.07.2024

اغتيال مرهج الجرماني… محاولة لضرب الاحتجاجات السلمية في السويداء

لا شكّ بأن اغتيال مرهج يصب في مصلحة النظام، فهو لم يترك ساحة الاعتصام منذ بداية الثورة العام الماضي، وفي الشهر الماضي احتجز هو وفصيله عشرات الضباط والعناصر التابعين للنظام السوري، على خلفية اعتقال الأجهزة الأمنية شابة من السويداء بسبب نشاطها المدني، وتمكن بالفعل من تحريرها بعملية مقايضة.
18.06.2024
زمن القراءة: 6 minutes

ما زالت غزة تدفع ثمن البقاء على قيد الحياة، من دماء أطفالها ونسائها وشبابها وكبارها، الذين لم يكن آخرهم 274 قتيلاً في مجزرة مخيم النصيرات، الذين سقطوا أثناء شن الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية لتحرير 4 مخطوفين إسرائيليين كانوا محتجزين في المخيم.

هذا مقالي الثاني منذ توقّفي الإجباري عن التدخين نهاية شهر رمضان، أنا أكتب بصعوبة، فهذا المقال حاولت إتمامه منذ نزوحي من رفح قبل 19 يوماً. 

يعيش أبو كمال الخمسيني حالاً من الرعب، منذ أن أُجبر على النزوح بداية شهر أيار/ مايو من الحي السعودي غرب مدينة رفح. 

عاش أبو كمال تجربة النزوح لمدة 13 عاماً، بعدما دُمر منزل عائلته الكائن على الشريط الحدودي عام 2001، بداية انتفاضة الأقصى، إذ قصفت طائرات الجيش الإسرائيلي المنطقة، وجرفت منازل الفلسطينيين المقامة على الحدود الفلسطينية – المصرية. 

عام 2013 وبعد سنوات المعاناة، سُلِّم وعائلته منزل في الحي السعودي، ويخشى أبو كمال حالياً، أن تتكرر معاناته السابقة، إذ كان يتنقل من بيت إلى آخر، ويركض خلف المؤسسات لتأمين أجرة المنزل.

يتابع أبو كمال أخبار رفح بخوف شديد، ويُجري اتصالات هاتفية مع جيرانه وأصدقائه لمعرفة الأماكن التي تغوّل فيها الجيش الإسرائيلي والبيوت التي دُمِّرت وهويات أصحابها، هو يخاف التصديق أن البيوت لم تُدمَّر.

حال أبو كمال كحال النازحين جميعاً، الذين أُجبروا على ترك بيوتهم، ويعيشون هاجس النزوح المتكرر والخوف من تدمير البيوت والبقاء في العراء.

هذا الإحساس يرافقني منذ 9 أشهر، عشت فيها نازحاً أتنقل من مكان إلى مكان، إنه شعور قاسٍ أن يكون الإنسان من دون بيت ومجبراً على النزوح، ويعيش إحساس النقص والخوف وعدم الاستقرار، وفقدان الخصوصية والاشتياق لأشيائه ولنفسه.

ما زالت غزة تدفع ثمن البقاء على قيد الحياة، من دماء أطفالها ونسائها وشبابها وكبارها، الذين لم يكن آخرهم 274 قتيلاً في مجزرة مخيم النصيرات، الذين سقطوا أثناء  شن الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية لتحرير 4 مخطوفين إسرائيليين كانوا محتجزين في المخيم.

مجزرة النصيرات

كان صباح السبت 8 حزيران/ يونيو مرعباً، كنت بجوار مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، عندما قصفت طائرة حربية إسرائيلية شقة سكنية بالقرب من المستشفى، وتزامن القصف مع أصوات انفجارات عنيفة قريبة، وتبين لاحقاً أنها في وسط مخيم النصيرات، الذي يبعد نحو 3 كيلومترات عن  دير البلح، وسمعت صوت الانفجارات وأزيز رصاص المروحيات وصفير الصواريخ قبل انفجارها القريب. 

كان المشهد في الشارع مرعباً، لم تكن لدى الناس معلومات كافية حول ما يحصل، كان المشهد يرسم ملامح الذعر وسبل الهروب من الزوايدة وشمال دير البلح والنصيرات باتجاه الجنوب، وفي الخلفية ترتفع أصوات الطائرات وإطلاق النار. 

‏الثمن كان كبيراً جداً، وما زات إسرائيل مصرّة على أن يدفع أهل غزة أثماناً لا يطيقون حملها، لكنهم مجبرون على ذلك، كما أنهم مجبرون على الصمود والصبر، على رغم غياب الأفق.

في صباح اليوم ذاته قبل الجريمة، كنت التقيت على متن عربة يجرها حمار، بجار العائلة الدكتور عمر، وهو من سكان مخيم الشابورة، لم أستطع التعرف عليه، فلقد بدا لي وكأنه في الثمانين من عمره، لا يستطيع المشي أو الجلوس، ويجلس مستلقياً على ظهره. 

في بداية الحرب، قتل الجيش الإسرائيلي 26 شخصاً من المقيمين عنده في البيت من النازحين، منهم زوجته و12 من أولاده، ولم يبقَ على قيد الحياة سواه وواحد من أولاده، هو الذي يعينه على المشي، وهو الآن نازح من رفح في دير البلح، وفي بداية الشهر الفائت اكتشف الأطباء أنه مصاب بالسرطان، وبحاجة إلى علاج وتدخل جراحي عاجل في الخارج، وهو يعاني آلاماً مبرحة تسلبه القدرة على السفر، خصوصاً بعد احتلال الجيش الإسرائيلي معبر رفح البري، في السابع من أيار الماضي.

العجز أمام المأساة

في مكان نزوحي الجديد، الإنترنت ضعيف ويصعب التقاط إشارة، اليوم هو اليوم 18 على نزوحي إلى هذا المكان، الحياة هنا صعبة جداً، والأصعب منها سماع قصص الناس، والعجز عن مساعدتهم، بخاصة أولئك الذين يطلبون المساعدة، بسبب ظروفهم المعيشية القاسية.

يقارن النازحون في أحاديثهم بين العيش في الخيمة وبيت من الحجر، ويتحدثون عن تجارب  قاسية لا يصدقها العقل.

وصفت نورا في جملة واحدة الحياة في الخيام: “إحنا مفضوحين على بعض”، وقالت إنها “عايشة في يوم واحد فقط، كل يوم بيتكرر هاليوم مع اختلافات طفيفة! الخيمة عالم مفضوح تماماً، لا توجد فيه خصوصية حتى بين الشقيقات وأفراد العيلة، الناس مكشوفين على بعض”.

الحرب والمجاعة في غزة ليستا خبراً عادياً، ففي هذا الوقت، إسرائيل تفتخر باستكمال السيطرة على محور صلاح الدين على الحدود  المصرية – الفلسطينية، بينما هي مستمرة في  القتل والخراب وتجويع الناس، وبعض وسائل الإعلام يجمّل الموضوع بالقول إن الفلسطينيين في غزة على حافة المجاعة. وعلى رغم كل التحذيرات والإدانات، ما زال العالم يتعامل مع أخبار الحرب والمجاعة في غزة، على أنها أمور عادية.

‏الأوضاع كارثية في مجمل مناطق القطاع، والإبادة مستمرة بأشكالها الإجرامية المختلفة وكأنها في يومها الأول، قصف وأصوات مدافع وتفجيرات وقتل أطفال ونساء، ودولة إسرائيل تصرّ وتدّعي وتكذب باستعدادها للمفاوضات، وهي مستمرة في حربها. 

قد لا يصدق أحد أن ما يعيد الناس إلى واقع الإبادة، ليس فقط أصوات القصف الجوي، وقصف البوارج الحربية القريب جداً، وأصوات الاشتباكات المتكررة، وأخبار الموت من كل مناطق غزة، بل الخوف من الموت جوعاً أو مرضاً أو من القهر والغضب  والحزن.

قبل نزوحي إلى دير البلح، كنت لا أخرج من البيت قبل المغرب وحلول الظلام، يومياً أتعمد ذلك، وأتابع حياة النازحين المقيمين في المحلات والمعارض التجارية في الشارع الرئيسي. ولاحظت أن عائلات بكاملها تجلس على أبواب المحلات، لغاية انتهاء وقت العمل، وانتظار أن يتم تنظيف الأماكن للنوم، طبعاً مهما كانت النظافة الشخصية عالية، تبقى النظافة في الشارع وتدفق مياه المجاري ورائحتها الكريهة، تنغص على الناس حياتهم وساعات انتظارهم في الشارع.

كل كذبة تدين الحقيقة

‏هناك قاعدة تقول إنه عندما تكون الحقيقة قاسية ومؤلمة، يكون الكذب أكثر، حتى ينسى الناس أنها موجودة، مع أنها ما زالت موجودة. كل كذبة يكذبها الناس هي إدانة للحقيقة، وهذا ما ينطبق على إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وكل شيء آخر، هو مجرد تصريحات وكليشيهات غبية، فالعالم بالنسبة إلي مخيف وضعيف للغاية وغير إنساني. 

الدبابات لا تتوقّف عن مداهمة مخيمات اللاجئين لاستعادة جثث الإسرائيليين، ولم يبقَ أثر في مخيم جباليا والبريج والمغازي وشرق دير البلح، ولا أمن ولا حياة للفلسطينيين، فقط مزيد من الموت والدمار.

يعتبر بعض المراقبين أن أهم القرارات الدولية هو إدراج اسم إسرائيل على قائمة العار السوداء، وهي قائمة الدول والتنظيمات التي تعتدي على الأطفال وتقتلهم، وتدمّر المدارس والمستشفيات، وقد ردت إسرائيل كالعادة باتهام الأمم المتحدة وأمينها العام باللاسامية، وبدعم الإرهاب، وبأنّ الجيش الإسرائيلي هو الأكثر أخلاقية في العالم، وهذا ليس جديداً، فتهمة اللاسامية هي التهمة الجاهزة لكل من يعارض سياسة القتل والخراب والعنصرية.

دخلت حرب غزة شهرها التاسع، ودم الغزيين ما زال ينزف من دون توقف، حرب مدمرة طاولت كل شيء بلا استثناء، نحو 38 ألفاً من القتلى ومئات الآلاف من الجرحى والمفقودين، وغزة متعبة ومنكسرة القلب ووحيدة، تنام وتستيقظ على المجازر، وإسرائيل تبحث عن قيادات محلية بديلاً لـ”حماس” و”فتح”، وهي مستمرة في تدمير غزة، فأية قوة تلك التي ستدير القطاع وهي محطّمة؟

هل تتآكل مناعة الفلسطينيين

‏بدأت مناعة الفلسطينيين بالتآكل، في ظل استمرار الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل، والانعدام التام لإمكانية وجود مستقبل. وفي ظلّ الحديث المتكرر عن العدالة التي يُحرم الملايين منها، تُفهم الإبادة الجماعية على أنها تعبير عن القوة واستعراضها، إلى الحد الذي قد يتحدى ببساطة المبدأ الأخلاقي الأكثر قبولاً في النظام الدولي.

تدعي إسرائيل أن نظامها القانوني ينظر بكفاءة في الانتهاكات والجرائم التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي، هذه كذبة مكررة، فلن تتمكن إسرائيل من تبييض مسرح الجريمة والانخراط في تحقيقات لا نهاية لها، عمداً. 

ومن المحزن أن يحدث هذا كله، ويحتاج إلى اعتراف أوروبي، ولكن هذه هي الحال، إذ إن خدعة إسرائيل لا يمكن كشفها إلا من الأوروبيين الذين أعطوا إسرائيل هذه القوة غير الأخلاقية.

هذا جانب واحد فقط، ولنتأمل بمجزرة رفح في السابع والعشرين من الشهر الماضي، وبالاستراتيجية التي أعلنت عنها إسرائيل، وهي “قتل أكبر عدد ممكن من كبار قادة حماس على أمل أن تنهار الحركة. وبغض النظر عن عدد القتلى المدنيين ـ الأضرار الجانبية”، هذه هي الإبادة. 

إن خطة إسرائيل المسبقة والواضحة والدقيقة، هي قتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، فإسرائيل قائمة على التفوق والتجريد من الإنسانية ‏والفصل العنصري، الذي يؤدي إلى الإبادة الجماعية.

18.06.2024
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية