عدت من دير البلح يوم الأحد الثاني من شباط/ فبراير الماضي إلى مدينتي غزة بعد نزوح استمر 15 شهراً، لأبدأ نزوحاً جديداً، بخاصة أن البيت قد دُمِّر بالكامل، والبحث عن بيت لاستئجاره مع ارتفاع أسعار الإيجارات. الوضع كارثي وصعب وحزين، والناس تجاهد للبقاء والبحث عن المياه والطعام والكهرباء والمأوى الدائم والملائم، وتعاند كل من يريد أن يقرر في مصيرها.
في الأيام الماضية، شاهدنا قوافل النزوح القادمة من بيت حانون شمال القطاع، ومن شرق مدينة غزة إلى وسط المدينة، ونصب الخيام في أكثر من مكان، وإقامة مخيمات ومراكز إيواء جديدة، في ظل نقص حاد في المساعدات والمواد الغذائية وغياب السلع والبضائع، والسؤال: من الذي سيهتم بالنازحين الجدد؟
لم تُشفَ مدينة غزة من حالة النزوح المستمرة ومشاهد النازحين بجوار منازلهم المدمرة، أو ما تبقى من مراكز إيواء في المدارس أو الملاعب والساحات العامة.
عاد الناس من الوسط والجنوب بأمل، برغم الخوف والحزن. ومع ذلك، عادت غالبية الناس من النزوح من الجنوب والوسط إلى مدينة غزة والشمال، ولديهم إصرار كبير على البناء والتعمير، وعادت الحياة بشكل طبيعي، لكن في داخل كل واحد منا وجع وحزن كبير ومهام يومية تثقل ظهورنا وتفاصيل كثيرة.
وبعد الاعتقاد أننا حصلنا على فسحة من الأمان والأمل، وجد الناس أنفسهم أمام حالة صعبة ومعقدة، وعليهم البدء من جديد، وأنا واحد من الناس الذين عليهم أن يؤسسوا بيتاً جديداً من الإبرة حتى الثلاجة، مروراً باحتياجات لا تتوقف.
الركض خلف أمور ووضع أكثر تعقيداً وصعوبة مما سبقه، برغم الأمل وإرادة الصمود التي لم نعد نحتمل أكثر مما كانت، والقادم ضبابي ومخيف.
هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها عن غزة بعد عودتي إليها، وقد فقدت القدرة على الوصف والكتابة، ووجع ينتابني من مشاهد المدينة والدمار الهائل.
خلال 15 شهراً من القتل وحرب الإبادة المستمرة بأشكالها المختلفة، كان الموت يحيط بنا كل الأوقات، ولم يتخلَّ الشعب الفلسطيني عن حياته وحقه في البقاء على أرضه ووطنه، برغم التهديد والوعيد بفقدان الوطن والهجرة طوعاً.
لم تستمر فسحة الأمل. وبعد نحو شهرين من إعلان وقف إطلاق النار ومحاولة الناس التقاط أنفاسهم، عادت إسرائيل لتبث الرعب والقتل الذي لم يتوقف خلال الفترة الماضية، لتعلن من جديد عن إجراءات جديدة قديمة من الحصار والعقوبات الجماعية بإغلاق المعابر ومنع إدخال المساعدات الإنسانية.
ففي غزة، الجوع والموت لم يتوقفا أبداً، بل كانت هناك وقفات مؤقتة. منذ بداية شهر رمضان، واستمراراً للإبادة منذ عام ونصف العام تقريباً، مرت 19 يوماً منذ إعلان إسرائيل تشديد العقوبات الجماعية وفرض حصارها الإجرامي ومنع إدخال جميع المساعدات إلى غزة. ولا يوجد أي نصر لإسرائيل أو إنجازات عسكرية، بل اللامبالاة المطلقة من دول العالم. وهنا الصمت يخدم تجريد الفلسطينيين من الإنسانية والإصرار على موت الناس. ومن يتحدث عن الكارثة الإنسانية هم أهل غزة ولا أحد سواهم يصرخ باسم غزة.
في إسرائيل، لم تتوقف حرب التضليل والأكاذيب التي تمارسها والقول بتجدد الحرب والقتال. لا يوجد قتال؛ ما يحصل مقتلة ومذابح، وإلقاء أطنان من القنابل التي تستهدف الناس وهم نيام، وسقوط مئات الشهداء في دقائق من أجل كذبة “الضغط”.
حرمان نحو مليونين ونصف مليون إنسان من الغذاء والماء والكهرباء، هذا لا يمكن تصوره مع الادعاء بوجود قتال، وكل ذلك نتيجة شعور بالغطرسة والغرور والتفوق. هذا هو الشر الأكبر، ومشاركة العالم بالصمت. ولا يوجد تفسير لما يحصل سوى الانتقام، منطق في هذا السفك الأبدي للدماء.
إقرأوا أيضاً:
المماطلة والكذب ومصالح رئيس الحكومة الإسرائيلية والحفاظ على بقاء حكومته وعدم التنازل، ولنتذكر أننا ما زلنا في المرحلة الأولى من اتفاق أوسلو، لذا نسفت إسرائيل وبخاصة نتانياهو أوسلو. ونتانياهو والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة يسيرون وفق نهج وسياسة لا تنازلات، هناك فقط مفاوضات قد تستمر سنوات، وهو ما يحصل الآن من تنصل نتانياهو من تمديد المرحلة الأولى وعدم الذهاب الى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
ويعمل جاهداً على المضي قدماً في الاستمرار في المرحلة الأولى، وعدم الانتقال إلى المرحلة الثانية، والاستمرار في المفاوضات على المرحلة الأولى، والمماطلة لكسب مزيد من الوقت وفرض واقع جديد على الأرض.
وفي ظل المذبحة المستمرة في غزة، أعلنت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن المستوى السياسي أوعز للجيش بالاستعداد لإخلاء سكان شمال القطاع، وأن التعليمات تشمل السيطرة الكاملة على محور نتساريم استعداداً لهذه الخطوة. وأن الجيش الإسرائيلي سيخلي مناطق بكاملها وسيستخدم قوته الجوية والبرية لتنفيذ مخططه. وأنه إذا لم تُفرج حماس عن المختطفين، فإن الجيش سيدمر الخلايا الميدانية ويخلي سكان غزة إلى جنوب القطاع حسب الحاجة.
سواء كان استئناف إسرائيل القتل أو التهديد أو من أجل إعادة الأسرى الإسرائيليين المختطفين كما تدعي، فهي تعتبر أنها استئنافها الحرب على غزة قبل يومين بقتل نحو 450 فلسطينياً نصفهم من الأطفال، تسعى إلى “ممارسة ضغط عسكري يكسر الطريق المسدود في مفاوضات تحرير المخطوفين”، أي تبادل الأسرى.
وهي مستعدة لفعل كل ما هو مطلوب من استمرار الدمار والخراب وحرب الإبادة الجماعية، وتنفيذ خطة ترامب لإجبار الفلسطينيين على الهجرة، وإن لم تكن طوعية فهي ستكون بالقوة، وما لم تحققه خلال الفترة الماضية ستحاول تنفيذه خلال المذبحة القادمة.
إقرأوا أيضاً:














