انتقلتُ إلى بيت جديد في رحلة نزوحي المستمرة منذ عام. لم أجد في اللغة بديلاً عن مصطلح “رحلة”. أذكر يومها أنني أخطأت في تقديري لمسافة القفز وتحديد الفارق بين عمق المسبح وقدرتي بالأصل على القفز وانتظام أنفاسي، لكنني قفزت. كانت ثوانٍ قليلة جداً لأن الحظ جعل من أخي قريباً مني لينقذني. خرجت من المسبح ولدي خوف من انقطاع أنفاسي وشعور بضرب الماء في الرأس والماء تسحبك نحو الأسفل أكثر. ظل هذا الشعور ملازماً لي لفترة كلما وقفت تحت الدوش. أُغمض عيني فأتذكر شكل غرقي القصير، لكني سرعان ما أفتح عينيّ.
يا لرفاهية مخاوفك تلك! تلك فوبيا غريبة لغزيّة، هكذا يقول لي الأصدقاء إذا ما حدثتهم عن خوفي ذاك. تكرر هذا الشعور من الخوف أول يوم استخدمت فيه “الكيلة” بالحمام أثناء الحرب، كلما سكبت الماء على رأسي سرعان ما أغمض عيني وأفتحهما خائفة.
أذكر لحظة أنقذني أخي، التمّ الجميع حولي وقالوا: هل أنتِ بخير؟
قلت: ولو، أنا بخير!
لم يعرف أحد أنني لم أتجاوز شعور فقد نفسي، وأكملت: الآن جربت شعور الذين يموتون غرقاً في محاولة هجرتهم. اختبأت خلف شعور التضامن لأخفي تعبيري عن خوفي من القفز مجدداً.
منذ اليوم الأول للحرب يأتيني السؤال: هل أنتِ بخير؟!
وأجيب: ما زلت!
صار السؤال ثابتاً وطنياً وأشبه بنشيد الصباح والمساء.
بخير؟
نعم!
أرسله لجميع من انقطعت بيني وبينهم سبل التواصل وفرقت بيننا المسافات بين نزوح وخروج ولعناتهما…
مرة أسأل: بخير؟!
ومرة أجيب: ما زلت بخير!
الآن، بعد عام، صرت في بيت جديد، اضطررت للإيجار مجدداً، جربته مرتين في رفح، وأخريين في دير البلح!
الاضطرار للإيجار هو حالة تجاوز لقرار البقاء في البيوت التي فتحت أبوابها بدافع المحبة والعلاقة، تمر حالة فتح الأبواب بدافع المعرفة السابقة أو الصداقة. بينما ما هو أصعب من أثر الامتنان المضطر هذا، ذاك الكشف الأمني الذي تجريه ويُجرى عليك. صار الغزي حذراً من الاقتراب من المخبز مثلاً بسبب مجازر سابقة أو الاقتراب من مدرسة أو استهدافات سابقة.
كيف سيجيب ميت على سؤال: هل أنتِ بخير؟!
الغزي يراعي كنيتك كمستأجر. وعليك كمستأجر الاستعداد لكل الظروف الأمنية، تجري فحصاً وفق خرائط الإخلاء السابقة والمتوقعة وتتابع أخبار المنطقة بمجرد قراءتك لإعلان الإيجار. ما إن تفقد السبل تضطر للرضوخ لأمرين، سعر الإيجار المرتفع جداً، لامتيازات لن تجدها في ظل الحرب، ماء متوافر، فعدم الحاجة الى جهد نقل الماء امتياز صغير لمبلغ كبير، أو القبول بمكان ضيق جداً سهل الوصول إليه. ثم عليك الإجابة عن سؤال:
الخيمة مش أحسن؟
الحياة قبل الخيمة والإيجار كانت أحسن!
الخيمة لعنة لا إيجابية واحدة فيها. قد يظن البعض أن هذا الأمر تعالٍ على من اختار الخيمة، لا يمكن لك أن تقدم مبرراً لأي خيار ولا أن تعدل من خيار أحد.
الحرب تحوّلك الى شخص يتصرّف وفق المتاح!
كل هذا وما زال السؤال يمر ويقفز.
هل أنتِ بخير؟
نعم ما زلت!
وأرسل: بخير؟
هناك من قتلت الحرب إجابته!
تقول سيدة عجوز قرب البيت: “من مات ارتاح”!
فأعرف أن من قتلته الحرب قد يجيب لو كان هنا: بخير!
كذبة صادقة ومسلّية تحفز داخلك الإجابة على مللها والسؤال على تكراره. كنت أشعر أحياناً بثقله. وأحياناً أخرى أشعر أنه مؤنس لكل هذه الوحشة. وهو لا يكلفك شيئاً، إجابة وسؤال مكتوبان.
بخير!
في بداية الحرب كان البعض يخجل من هذا السؤال!
وأنا أيضاً أخجل من الإجابة عنه!
اليوم بعد عام، عام كامل من حرب إبادة يختلف فيها الكل بين
انهزام وانتصار
قتل ونجاة
حياة وموت
الكل بين بين في كل شيء!
حتى أثناء صلبك
كانت النكتة تقول سابقاً: “لو رأوك معلقاً على مشنقة سيقولون: نياله بتمرجح”.
هذا بالضبط ما يحدث خارج الشهادة على الموت والإبادة.
يسألونك بخجل: بخير؟
يخجلون لشعورهم بالعجز لأن وقتاً طويلاً مرّ واخُتصرت صورة القضية في بقعة صغيرة محاصرة اسمها غزة، والشفقة هي أشدّ ما يحاصر سؤالهم!
وآخرون يخجلون من إجابتك وسؤالهم لأنهم تمنوا المشاركة في حالة من التطهر من عجز يشاهدون فيك بطلاً خارقاً مهللاً لانتصارات قديمة.
لا أحد يضعك في حسابات رأيه كما تريد، هم يبحثون عن إجابتك ليعيدوا تأويلها وفق رأيهم في الموت.
من هم؟
كل أولئك الذين يقررون أن يصدروا قلقهم بواجب شخصي صغير بسؤال:
هل أنت بخير؟
الآن بعدما أتمت الحرب عامها الأول، صرت في بيت جديد بعد سلسلة من البقاء في بيوت غير بيتي المقتول منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي 2023.
انشغلت بترتيب الأمور في البيت وانقطعت عن التواصل ليومين، لأجد السؤال ما زال عالقاً في صناديق الرسائل.
هل أنتِ بخير؟
الآن، بعدما قطعنا عاماً كاملاً من الحرب، لا خيار لنا سوى القبول بشكل الحياة في الحرب، ربما كنت سأجيب:
بخير، أقف اليوم أمام مغسلة في حمام أغسل أسناني بالماء المسكوب من الحنفية وفوق المغسلة مرآة مكسورة.
محظوظة يا أصدقائي المرسلين بهذا الماء، مالحاً حقاً، لكن البديل ماء حلو هو ماء في كيلة.
بخير، إذ استيقظت من نومي متذمرة من صوت “ذبابة” تزن فوق رأسي لا من صوت انفجار قريب، هذا لا يعني أن الطائرة توقفت عن نعيقها إارسال القذائف والموت، لكن من هو مثلي يؤذيه في حرب موته صوت زن الذبابة التي أيقظتني بعد رحلة أخرى في الركض خلف النوم وشدّه في ليالي الأرق والحرب.
بخير، مضى ساعتان في الصباح من دون صوت الغراب، لم تقنعني كل محاولات الكثيرين بأن الغراب مجرد طير لا علاقة له بالشؤم. لكن منذ أن طالت أيام الحرب، فقد كثر سماع صوت الغراب، تشعر وكأنه ينادي فوق جبل من جثث لم تدفن بعد!
بخير، إذ انتبهت لشعر زائد في ساعدي، مر وقت طويل على فصول الاهتمام بالبشرة ومظاهر الأنوثة، لكنني على أية حال نزعت الشعرات الأربع تلك وأنا أنظر نحو ماضي الاهتمام القديم…
من ذا الذي يقطب جرح إثر شفرة حلاقة لا شظية!
في زمن غير هذا، جرحت صديقتي يدها في الموضع ذاته إثر محاولتها شق زجاجة زيتون بلاستيكية بالسكين، اضطرت صديقتي لجلسة تحقيق تثبت فيها أنها لم تحاول الانتحار!
بخير، إذ خرجت إلى السوق اشتريت تفاحة واحدة، أحب طعم التفاح جداً، وقفت أمام البسطة تلك التي ينادي من خلفها صاحبها”
“التفاح اللي طلعنا من الجنة”، ضحكت وتذكرت شكل نكاتنا التي نُتّهم فيها بالإلحاد، تخيل أن نسل الغزي خرج من الجنة مثلاً ليعيش عمراً من الحروب ويعود إليها قتيلاً!
منذ عام والقتيل يعود من غزة متبخراً أشلاء وجثثاً إلى الجنة!
قال صديقي المرافق: يعني معقول الجنة كلها غزازوة الآن، والله زحمة!
قلت: تخيل جنة فيها بسطات ملك الكنافة، أو ملك الشيش طاووق، أو أن أحداً ينادي جئتكم من غزة أبيعكم التفاح الذي أخرجكم منها!
وإلا بماذا سيدخل الغزي الجنة؟
تلك خبرته في التحايل على التكيف وحياته منذ ما يقارب العقدين!
بخير، إذ كل هذه الأحداث الصغيرة حوّلتها الحرب إلى نعم كبيرة!
كأن تكون الإجابة إذا امتدت الحرب عاماً آخر أو أقل كي لا يقال “متشائمة”
بخير، إذ لم أمت بعد!
فيهدأ قلق الأصدقاء من فكرة
كيف سيجيب ميت على سؤال: هل أنتِ بخير؟!
إقرأوا أيضاً:










