تعيش شروق اليوم في خيمة في خان يونس. تتوقف قليلًا عن الكلام، ثم تضيف: “كان كل إشي بحياتي مربوط فيهم… هلأ اليوم طويل وما إله معنى”.
في خيمتها، المأوى الجديد بعد قصف بيتها وفقدان صغارها، لم تعد التفاصيل اليومية كما كانت. فالمكان الذي جمعها بأطفالها تبخّر، والصوت الذي كان يملأ عليها الحياة اختفى، تاركًا فراغًا يصعب تسميته.
في غزة، لا تمرّ الحروب بوصفها أحداثًا عابرة، بل كقوى تعيد تشكيل المعاني اليومية للحياة. فما معنى أن تعيش في مجتمع وبلد خسر نحو 22 ألف طفل، وجُرح فيه آلاف آخرون؟
مع فداحة هذا الفقد، لا تبقى مفاهيم مثل “العائلة” أو “الأمومة” ثابتة كما تُعرَّف في الظروف العادية، بل تخضع لإعادة تعريف قاسية تفرضها الخسارة المتكررة واتساع نطاقها.
تقليديًا، يُفهم اليُتم بوصفه فقد الطفل أحد والديه، وغالبًا الأم. لكن الحرب الأخيرة كشفت عن شكل آخر من الفقد، أقل تداولًا في الخطاب وأكثر تعقيدًا في التجربة. فنحن نتحدث عن أمهات فقدن أبناءهن، أحيانًا دفعة واحدة، ليجدن أنفسهن خارج الدور الذي كان يعرّفهن داخل الأسرة.
في هذا الإطار، يمكن الحديث عمّا يشبه “اليُتم المعكوس”، ليس كمصطلح نهائي، بل كمدخل لفهم حالة اجتماعية ونفسية تتكرر في سياق الحرب. للفقد هنا قسوة خاصة، تحديدًا حين لا يكون باتجاه واحد داخل العائلة، بل يتوزع على أطرافها، ويعيد تشكيل العلاقات والوظائف والمعاني المرتبطة بها.
تسعى هذه المادة إلى قراءة هذا التحول من زاويتين متقابلتين: أطفال فقدوا أمهاتهم، وأمهات فقدن أبناءهن، وما بينهما، كيف تغيّر معنى الأمومة، وكيف انعكس ذلك على تفاصيل الحياة اليومية في مجتمع يعيش تحت وطأة الفقد المستمر.
الخسارة كمعطى بنيوي داخل العائلة
“مش بس خسرتهم… خسرت كل إشي كان يربط اليوم ببعضه، حياتي صارت فاضية، مش لأنه ما فيها ناس، بس لأنه ما عاد فيه نفس الحياة”. تحاول شروق وصف ثقل خسارتها وكيف انقلبت حياتها بعد فقدان أولادها.
في غزة، لا يمكن مقاربة التحولات الاجتماعية بمعزل عن حجم الخسارة البشرية. ووفقًا لتقارير صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان حتى منتصف عام 2026، يشكّل النساء والأطفال ما بين 60 و70 في المئة من ضحايا الحرب، ما يشير إلى أن الفقد لا يقع على هامش البنية الاجتماعية، بل في مركزها.
هذا التوزيع لا يعني فقط ارتفاع عدد الضحايا، بل يكشف عن طبيعة الخسارة نفسها. فالعائلات لا تفقد أفرادًا بشكل عشوائي، بل تفقد أدوارًا أساسية داخلها: الأم بوصفها محور الرعاية اليومية، والطفل بوصفه الامتداد المستقبلي للعائلة.
تشير بعض دراسات علم الاجتماع إلى أن العائلة، في سياقات النزاع المسلح، تصبح أكثر هشاشة، ليس فقط بسبب العنف المباشر، بل بسبب فقدان الأدوار التي تحفظ توازنها الداخلي. وفي حالات الفقد الجماعي، حين تُمحى عائلة كاملة أو جزء كبير منها، يتحوّل هذا التفكك إلى حالة بنيوية لا يمكن تعويضها بسهولة عبر الشبكات الاجتماعية التقليدية.
ما يميّز الحالة في غزة هو تكرار هذا النمط من الفقد على نطاق واسع، ما يجعل من الاستثناء حالة شبه عامة. تقول شروق: “أخت زوجي فقدت ولادها التنين، وأختها فقدت بنتها الوحيدة… حواليّ كثير أمهات بيشبهوني، ما بقدر أواسيهم ولا بيقدروا يواسوني، بس بنتشارك نفس الألم”.
العائلات التي فقدت أمًا، أو طفلًا، أو أكثر، لم تعد حالات فردية معزولة، بل جزءًا من واقع اجتماعي أوسع يعيد تعريف ما يعنيه أن تكون “عائلة” أصلًا.
في هذا السياق، يصبح من الممكن فهم كيف تظهر أنماط جديدة من الفقد داخل الأسرة، من بينها ما يمكن تسميته بـ”اليُتم المعكوس”، بحيث لا يكون الطفل وحده في موقع الخسارة، بل الأم أيضًا، لكن بطريقة أقل ظهورًا في الخطاب العام، على رغم عمقها وتأثيرها.
تحاول شروق الحديث بشكلٍ مفصّل عن شكل يومها بعد فقدانها أطفالها، الجميع يتحلقون حولها لتقويتها، ولكن ما تعرضت له أقوى من حدود المواساة، إذ لا تزال تذكر يوم القصف ولحظة الانفجار، ولحظات وداعهم، ومنذ ذلك اليوم تمضي يومها في زيارة أي أم تتعرض للفقد الذي تعانيه، تراقب الأطفال من حولها في الشوارع وهي تتلقى دعوات مثل” الله يعوضك”.
تضيف أيضاً: ” كان يومي كله إلهم… هلأ ما بعرف كيف يمشي اليوم، مش بس اشتقتلهم… أنا ضعت، كنت أعرف شو لازم أعمل طول اليوم… هلأ ما في إشي واضح، الناس حواليني… بس مش عارفين شو يعملوا معي، أنا يتيمة بنظرهم”.
في الأدبيات النفسية، يُشار إلى فقدان الأبناء بوصفه من أكثر أنواع الفقد إرباكًا، نظرًا الى كونه يعاكس “التسلسل الطبيعي للحياة”، إذ يُفترض أن يرحل الآباء قبل الأبناء. وتشير دراسات في علم النفس إلى أن هذا النوع من الفقد يرتبط بما يُعرف بـ”الحزن المعقّد” (Complicated Grief)، وهو نمط من الحداد يمتد لفترات طويلة، ويتداخل مع الشعور بفقدان المعنى والهوية.
لكن في سياق مثل غزة، لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففقدان الأبناء هنا لا يحدث كحادثة فردية معزولة بل ضمن سياق جماعي، يتكرر عبر عدد كبير من العائلات، وفي زمن متقارب، وهو ما ينقل التجربة من مستوى “الصدمة الفردية” إلى مستوى “الظاهرة الاجتماعية”.
الأم، في هذه الحالة، لا تفقد أبناءها فقط، بل تفقد الدور الذي كانت تؤديه يوميًا من الرعاية، المتابعة، التنظيم، وحتى التفاصيل الصغيرة التي تُبنى منها العلاقة.
غياب هذه الأدوار المفاجئ يخلق فراغًا لا يمكن تعويضه بسهولة،
ليس فقط على المستوى العاطفي، بل على مستوى الهوية أيضًا.
تشير دراسات في علم النفس الاجتماعي، خصوصًا تلك المرتبطة بمفهوم “هوية الدور”، إلى أن الأمومة لا تُمارس فقط كوظيفة يومية، بل تُشكّل جزءًا أساسيًا من تعريف النفس، بخاصة في المجتمعات التي تُبنى فيها العلاقات الاجتماعية حول العائلة.
في هذا السياق، يمكن فهم ما يُسمّى بـ”اليتم المعكوس” ليس لأن الأم تصبح في موقع الطفل، بل لأنها تُترك في مواجهة عالم لم يعد يحتوي الدور الذي كانت تعيش من خلاله، تحديدًا في مجتمع تقليدي مثل مجتمع غزة، حيث يرتكز دور النساء على العائلة والأسرة.
وعلى عكس الطفل الذي يفقد أمّه، حيث تتدخل العائلة الممتدة أو المجتمع لإعادة توزيع أدوار الرعاية، لا توجد آليات واضحة للتعامل مع الأم التي تفقد أبناءها.
إذ لا يُعاد “تعويض” هذا الفقد نفسياً على الأقل، ولا يُستبدل، بل يبقى مفتوحًا، من دون صيغة اجتماعية واضحة لاحتوائه. هذا الغياب للآليات الاجتماعية ينعكس أيضًا على الخطاب، إذ لا توجد لغة جاهزة تصف هذه الحالة بدقة، ولا طقوس محددة للتعامل معها، كما هو الحال في حالات الفقد الأخرى، وهو ما يجعل هذا النوع من اليُتم أقل ظهورًا في النقاش العام، على رغم اتساعه.
ما حدا زيها
في المقلب الآخر من اليتم تبرز حكاية يوسف (10 سنوات)، الذي فقد والدته خلال الحرب على غزة أيضاً. “أختي الكبيرة هي اللي بتصحيني الصبح”، وبعد تردد يضيف: “قبل كانت ماما”. يتوقف قليلًا، ثم يكمل: “كانت تجهزني للمدرسة، تعملّي كل حاجة بإيدها، ما حد بيعتني فيي زيها”. يفتقد يوسف أمه في أدق التفاصيل، يقول:”بحب أنام على مخدتها، بخبيها عشان تضل إلي”.
بالنسبة الى الأطفال، لا يُفهم الفقد بوصفه فكرة مكتملة، بل من خلال التفاصيل اليومية التي تختفي تدريجيًا. تشير دراسات في علم نفس الطفل إلى أن إدراك الموت يتطور مع العمر، وأن الأطفال لا يستوعبون نهائيته دفعة واحدة، بل عبر غيابات متكررة داخل حياتهم اليومية. فغياب الأم، في هذا السياق، لا يُترجم فقط كخسارة عاطفية، بل كاختلال في إيقاع الحياة، فمثلاً من يوقظ الطفل صباحاً؟من يتابع واجباته؟
إقرأوا أيضاً:
ومن يخلق الإحساس بالثبات في عالم يتغيّر بسرعة؟
غالبًا، تتدخل العائلة الممتدة لسد هذا الفراغ مثل جدة، خالة، أو أخت كبرى
في محاولة لإعادة ترتيب الحياة اليومية للطفل. هذا التدخل لا يعيد العلاقة كما كانت،
لكنه يخلق شكلًا بديلًا منها، يسمح باستمرار الحد الأدنى من الاستقرار.
في الجهة المقابلة، تبدو التجربة مختلفة، لا يتعلق الأمر هنا بإعادة توزيع الأدوار،
بل بانقطاعها الكامل.
تشير دراسات حول فقدان الأبناء إلى أن هذا النوع من الفقد يرتبط بصعوبة في إعادة بناء الحياة اليومية، نظرًا الى غياب البدائل الاجتماعية أو العاطفية التي يمكن أن تحل محل العلاقة مع الأبناء.
على عكس الطفل، لا توجد بنية اجتماعية واضحة تدفع الأم نحو إعادة الاندماج. لا أحد يعيد تنظيم يومها ولا توجد أدوار بديلة جاهزة يمكن أن تحل محل ما فُقد.
في عيد الأم مثلاً، لا تحاول شروق إحياء أي طقس. هنا يمكن ملاحظة هذا الفرق في طبيعة التكيّف، فالطفل يُدفع، غالبًا، نحو الأمام، نحو المدرسة، الحياة اليومية، ومحاولات الاندماج. أما الأم، فتُترك في كثير من الأحيان داخل مساحة من الجمود، حيث يستمر حضور الأبناء نفسيًا، على رغم غيابهم الجسدي.
هذا لا يعني أن أحد المسارين أخف من الآخر، بل أن لكل منهما بنيته الخاصة.
ما يجمع بينهما، على رغم اختلافهما، هو محاولة التكيّف مع غياب لا يمكن تعويضه بالكامل. لكن بينما يُعاد تشكيل عالم الطفل حوله، يبقى عالم الأم، في كثير من الأحيان، معلّقًا عند نقطة الفقد.
حين تتغيّر الطقوس تبعًا للفقد: عيد الأم نموذجًا
حاولت معلمة في غزة أن تدفع بالأطفال للتعبير عن ذواتهم، فطلبت في صفها كتابة رسالة لمناسبة عيد الأم. جلس يوسف أمام الورقة لبعض الوقت، ثم تركها فارغة. يقول: “مش عارف شو أكتبلها”، قبل أن يبعد الدفتر عنه.
في المجتمعات المستقرة نسبيًا، تؤدي المناسبات الاجتماعية وظيفة واضحة:
تعزيز الروابط، وإعادة تأكيد الأدوار داخل العائلة.
لكن في سياقات الحرب، لا تختفي هذه الطقوس بالضرورة، بل تتغير وظائفها.
تشير دراسات في علم الاجتماع إلى أن الطقوس، في أوقات الأزمات، قد تتحول من وسيلة للاحتفال إلى وسيلة للحفاظ على الإحساس بالمعنى والاستقرار. حتى حين يتراجع البعد الاحتفالي، تبقى هذه الطقوس إطارًا يساعد الأفراد على التعامل مع التغيّر.
في بيوت أخرى، يغيب هذا الطقس بالكامل.
بالنسبة الى الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم، يبرز عيد الأم كلحظة إشكالية. المدرسة، والمحيط الاجتماعي، وحتى الفضاء العام، تستمر في التعامل مع المناسبة كما لو أنها قائمة بشكل طبيعي، بينما يجد الطفل نفسه خارج هذا الإطار.
تشير تقارير تربوية ونفسية إلى أن المناسبات المرتبطة بالعائلة قد تعيد تنشيط مشاعر الفقد لدى الأطفال، خصوصًا عندما يُطلب منهم المشاركة في أنشطة لا تعكس واقعهم الشخصي. أما الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، فيواجهن هذه المناسبة من زاوية مختلفة، لا بوصفها يومًا للاحتفال، بل بوصفها تذكيرًا مباشرًا بعلاقة لم تعد موجودة في شكلها السابق.
في الحروب الطويلة، لا تبقى الخسارة حدثًا عابرًا، بل تتحول إلى عنصر يعيد تشكيل الحياة اليومية ومعانيها.
في غزة، يظهر هذا التحول في العلاقات التي تبدّلت، والأدوار التي اختفت، والمعاني التي لم تعد كما كانت.
في المحصلة، لا تقدّم هذه التجارب تعريفًا جديدًا مكتملًا للأمومة، بل تكشف عن حالة مفتوحة، تتشكّل بين الفقد والذاكرة، وتستمر، لا بثباتها، بل بأثرها.












