تشكّل الهجمات الأخيرة على محافظة السويداء نقطة تحول خطير في مسار الصراع السوري، مع انتقال “الإدارة الانتقالية” التي تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام” إلى تنفيذ حملات ذات طابع تطهيري طائفي وعشائري، تستهدف واحدة من أكثر المجتمعات تماسكاً وخصوصية في البلاد. المذبحة التي وقعت منتصف تمّوز/ يوليو، وما تلاها من تعبئة عشائرية من خارج البيئة الجغرافية والاجتماعية للمحافظة، تطرح أسئلة حول طبيعة الفاعلين العشائريين، ومدى ارتباطهم ببنية الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية.
يركّز هذا المقال على كيفية تجنيد عشيرتي العقيدات والنعيم، وعلى الدور الذي لعبته قيادة الإدارة الانتقالية و”هيئة تحرير الشام” في تحويل النَسَب القبلي إلى أداة صدامية عابرة للجغرافيا، مع توضيح غياب الروابط القرابية أو السياسية بين هذه العشائر ومحافظة السويداء، وما يعنيه ذلك من توظيف سياسي صرف للحشد العشائري في سياق الصراع السوري الحالي.
بدأت المشكلة فعلياً، عندما نصبت قوّات عشائرية من بدو منطقة المطلّة من منطقة الكسوة في ريف دمشق، تابعة للأمن العامّ في وزارة الداخلية، حاجزاً أمنياً على طريق دمشق السويداء. الحاجز وضع بعد حملة “بدنا نبيد الدرزية” التكفيرية والتخوينية ضدّ الدروز، على خلفيّة التسجيل الصوتي المفبرك المنسوب إلى شيخ درزي يشتم فيه رسول المسلمين.
الحملة العسكرية التي قادتها حينها قوّات وزارتي الدفاع والداخلية ومليشيات عشائرية، في نهاية نيسان/ أبريل ومطلع أيّار/ مايو، ضدّ دروز صحنايا وأشرفيتها وجرمانا، وقرية الصورة الكبيرة في ريف السويداء الشمالي، أسفرت عن مقتل نحو 130 شخصاً، ودمار كبير في قرية الصورة الكبيرة، وتهجير دروز أشرفية صحنايا.
ارتكب حاجز المطلّة انتهاكات متكرّرة بحقّ المسافرين الدروز بين السويداء والعاصمة دمشق، تنوّعت ما بين السرقة، والإهانات الطائفية، وقطع الطريق بشكل متكرّر. مع الوقت، تزايد حجم الانتهاكات بطريقة تصاعدية، مع استخدام “الإدارة الانتقالية” له كأداة سياسة لمعاقبة السويداء، التي رفضت فصائلها تسليم سلاحها.
الحاجز كان يقطع الطريق بشكل اعتباطي، ولأسباب متعدّدة، ولأيام، ما تسبّب بأزمات كبيرة في السويداء تتعلّق بتوريد المحروقات، والغذاء، والمواد الطبية، وحركة الطلّاب والموظّفين. في مرّات متعدّدة استخدم عناصر من بدو المطلّة الأسلحة الرشاشة ضدّ الحافلات والسيارات المارّة على الطريق من دون أسباب. وبعد مطالبات متكرّرة، أرسلت قوّات الأمن العامّ قوّة أخرى من دمشق لاستلام الحاجز، لكنّها قالت إنها خاضت اشتباكاً مسلّحاً مع العشائر، وعادت أدراجها إلى دمشق.
في 12 تمّوز/ يوليو، تعرّض تاجر درزي للتعذيب والسرقة والإهانات الطائفية على يد عناصر الحاجز. ردّاً على ذلك، أقدمت عصابة محلّية من السويداء، كانت على علاقة مع الأمن العسكري أيّام نظام الأسد، على عمليّة خطف مشبوهة الغايات، لمجموعة من بدو منطقة المقوس شمال شرق مدينة السويداء، بدعوى الاحتجاج على ما تعرّض له التاجر. وردّاً على ذلك، وفي خطوة هي الأولى من نوعها، خطفت مجموعة عشائرية من المقوس على حاجز، مجموعة من الدروز.
ولا علاقة فعلياً بين بدو المقوس، وبدو المطلّة. إذ إن بدو المطلّة بشكل رئيسي هم من فروع عشيرة النعيم، خاصّة نعيم الجولان ووادي عجم، وقد استقرّوا على أطراف غوطة دمشق في منتصف القرن العشرين. بينما بدو السويداء ينتمون إلى زبيد، وعنزة، وبني خالد، والفواعرة؛ وقد استقرّوا حول جبل العرب منذ القرن الثامن عشر.
حينها، بدأت قوّات وزارتي الداخلية والدفاع إرسال عناصرهما مدعومين بفصائل جهادية ومجموعات عشائرية إلى ريف درعا الشرقي، بغرض تنفيذ عمليّة عسكرية في السويداء، ضدّ “عصابات الهجري” ولـ”فضّ النزاع” بين البدو والدروز. ورغم إجراء عمليّة تبادل للمخطوفين، بدأت قوّات الإدارة الانتقالية هجوماً مسلّحاً على قرى ريف السويداء الغربي، بمساعدة عشائر اللجاة، عشائر السويداء خاصّة في بلدة المزرعة، ومن ثم الشقراوية، والمقوس.
تعداد عشائر بدو السويداء يصل إلى نحو 35 ألفاً، من أصل 700 ألف تقريباً من سكّان المحافظة. وتحظى عشائر بدو السويداء وريف دمشق ودرعا، بدعم وتمويل من الشيخ العشائري ركان الخضير، السوري- الأردني قائد “تجمّع عشائر الجنوب السوري”، ومن الأسماء الأبرز التي تتردّد في ملفّات التهريب بين الحدود السورية الأردنية. الخضير زعم في تصريحات تلفزيونية خلال الأحداث، بأن فصائل درزية ارتكبت مجازر بحقّ البدو واحتجزت أكثر من ألفي بدوي، وطالب الحكومة السورية بحماية العشائر والسماح لها بالدفاع عن نفسها.
بين يومي 15 و16 تمّوز/ يوليو، نفّذت قوّات الوزارتين والميليشيات العشائرية، عمليّة عسكرية استخدمت فيها القوّة المفرطة بالدبابات والمدفعية وقذائف الهاون والدرونات. واستولت القوّات المهاجمة على ريف السويداء الغربي، وأجزاء من مدينة السويداء. ونتيجة تصدّي فصائل السويداء المحلّية، والمقاومة الأهلية، وأيضاً ضربات الطيران الإسرائيلي على إدارة الأركان في دمشق، وعلى أرتال القوّات المهاجمة، اضطرّت “الإدارة الانتقالية” إلى سحب قوّاتها.
ومع تكشّف فجر 17 تمّوز/ يوليو، بدأت تتكشّف آثار المجزرة التي ارتكبتها تلك القوّات، والتي يُعتقد أنها بحسب تقديرات أوّلية قد خلّفت ما يزيد على 500 قتيل في مدينة السويداء وحدها، غالبيتهم من المدنيين، ممن قُتلوا في بيوتهم. وقد تعرّضت جميع المناطق التي دخلتها تلك القوّات إلى نمط ممنهج من الإعدامات الميدانية، والتعذيب، الإهانة والإذلال، وفقدان المئات من الأهالي. أيضاً، عفّشت تلك القوّات كلّ محتويات البيوت التي دخلتها، وأضرمت النيران بكثير منها.
وقبل أن تستوعب السويداء حجم الإبادة الرهيبة التي تعرّض لها الأهالي، وقبل أن يتمكّنوا من جمع جثامين أحبائهم من الشوارع والبيوت، وقبل أن تتمكّن الفصائل من تمشيط قرى الريف الغربي، انتقلت “الإدارة الانتقالية” إلى تنفيذ خطّة بديلة.
في صباح 17 تمّوز/ يوليو، تمّ نشر بضعة صور لانتهاكات قام بها الدروز ضدّ عشائر البدو في المحافظة، التي تبيّن لاحقاً أن أغلبها مفبرك. فعلاً، وقعت انتهاكات ضدّ عشائر البدو، من قِبل عناصر من الفصائل. بعدها مباشرة، بدأت حملة إعلامية واسعة النطاق، ركّزت بشكل كثيف على الانتهاكات بحقّ البدو، في اليوم الذي استفاقت فيه السويداء على أكبر مجزرة جماعية في تاريخ الجماعة الدرزية.
وعلى الفور، بدأت حشود عشائرية من محافظة دير الزور بالتوافد إلى السويداء، ضمن ما يُعرف بـ”فزعة العشائر العربية” للانتقام منهم. إذ بدأت تحشيدات العشائر تصل تباعاً إلى نقاط تمركز قوّات الإدارة الانتقالية شمال محافظة السويداء وغربها، بسرعة، رغم أن المسافة التي قطعوها من محافظة دير الزور شرق سوريا نحو 550 كيلومتراً، وتستغرق ما يقارب 7 ساعات بالسيّارة. وقد نُقِلَ المقاتلون بكلّ الوسائل الممكنة، بما فيها الباصات، و”البيكآبات”، والشاحنات، وشاحنات برّادات النقل.
أرتال العشائر الكبيرة، مرّت عبر كلّ الحواجز الأمنية والعسكرية التابعة للإدارة الانتقالية، وأيضاً حواجز تابعة لـ”قوّات سوريا الديموقراطية”، ويُظهر نمط التحشيد العشائري، وطريقة انتقال المقاتلين، وسرعة وصولهم، مروراً بالحواجز الأمنية والعسكرية، أن الأمر لم يكن استجابة عفوية أو ثأرية، بل جزء من خطّة بديلة معدّة مسبقاً، نُفّذت فور فشل الهجوم النظامي على السويداء.
ويتكوّن الحشد المشارك في “فزعة العشائر العربية” أساساً من عشيرتين نافذتين؛ العقيدات والنعيم، المنتشرتين شرقي دير الزور، ضمن مناطق تقع إما تحت سيطرة “الإدارة الانتقالية” التي تقودها “هيئة تحرير الشام” وإما “قوّات سوريا الديمقراطية”.
تتلقّى عشيرة العقيدات توجيهاً مباشراً من شخصيّتين مركزيتين في الإدارة الانتقالية: رئيس جهاز الاستخبارات في الإدارة الانتقالية حسين السلامة، وكذلك القيادي البارز في “هيئة تحرير الشام” يوسف الهجر، وكلاهما من العقيدات.
أما عشيرة النعيم، فتتمركز في مناطق مختلفة في سوريا، بعضها في دير الزور، يقودها محمد الجاسم “أبو عمشة”، القائد البارز في وزارة الدفاع، والمعاقب دولياً بسبب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية بحقّ العلويين والكرد. “أبو عمشة” ينحدر في الأصل من عشيرة النعيم في سهل الغاب في ريف حماة الشمالي- الغربي، رغم أنه يروّج أحياناً لانتسابه إلى التركمان لكسب دعم سياسي.
من اللافت أن عشائر كبيرة أخرى في دير الزور والرقّة مثل البقّارة، الجبور، العفادلة، شُمّر، وِلدَة وطي، لم تنخرط في هذا الحشد، كما أنها لا تملك تمثيلاً في مواقع القرار داخل “هيئة تحرير الشام” أو الإدارة الانتقالية، مما يُضعف الطابع التمثيلي العشائري لـ”الفزعة”، ويُظهر الطابع الموجّه سياسياً وعسكرياً للحملة.
وبينما يوجد رابط واهٍ بين بدو المطلّة في ريف دمشق وعشيرة النعيم، فإنه لا يوجد أي روابط قرابية أو عائلية تربط بدو محافظة السويداء، بعشائر النعيم ولا العقيدات، ولم تُسجّل أي علاقة بين هذه المكوّنات، مما يُرجّح فرضية التوظيف السياسي المباشر لهذا الحشد.
في 18 تمّوز/ يوليو، ومنذ الفجر، تحشّدت العشائر على أكثر من محور، وبدأت هجومها، وتمكّنت من دخول بعض المواقع في مدينة السويداء، ومناطق متعدّدة في ريفها. ومجدّداً ارتكبت هذه العشائر أعمال إبادة ممنهجة، إعدامات ميدانية لعائلات بكاملها، سرقة كلّ شيء، ثم حرق المساكن والبيوت وتفجيرها.
ونقطة القوّة الكبرى التي امتلكها هذا الحشد العشائري، هي عدد المقاتلين الكبير الذي تراوح بين 7- 10 آلاف مقاتل، بحسب التقديرات، ما مكّنه من التوزّع على محاور كثيرة، وتسبّب بانهيار بعض محاور القتال. إذ إن المدافعين الدروز وهم من الأهالي الذين تسلّحوا لحماية مناطقهم بشكل رئيسي، وأيضاً من فصائل السويداء المحلّية، كانوا قد تعرّضوا لخسائر كبيرة جدّاً في الأرواح، والعتاد، والخطوط الدفاعية، بعد هجمات قوّات الوزارتين. بينما ظهر واضحاً ضعف تلك القوّات، وسوء تنظيمها، وتركيزها على التعفيش، وقد تمكّنت المقاومة الأهلية والفصائل المحلّية من صدّ تلك القوّات، وإيقاع خسائر في صفوفها.
مع ساعات مساء 18 تمّوز/ يوليو، سقطت بيد العشائر قرى جرين، المجدل، لاهثة، حيث ارتكبت فظائع رهيبة تتبع النموذج نفسه: إعدامات ميدانية، تعفيش كلّ شيء، من البيوت إلى المزارع، الى المعدّات، ثم حرق كلّ شيء.
في ليلة 18 تمّوز/ يوليو، وفجأة بعد التوصّل إلى اتّفاق برعاية أميركية، تركية أردنية وسعودية، توقّف إطلاق النار، وبدأت أرتال العشائر بالانسحاب، تاركة خلفها مناطق محروقة ومنكوبة، من دون تحقيق أي هدف له معنى سياسي، كما هو حال هجمات الوزارتين.
يثبت استدعاء العشائر لشنّ هجمات بعيدة عن مواطنها، أن القيادة العسكرية للإدارة الانتقالية تبحث عن أدوات حرب منخفضة الكلفة من منظورها، مرتكزة على وفرة المقاتلين وقابلية تحريكهم السريع عبر خطوط السيطرة القائمة.
غير أن هذه الاستراتيجية تكشف هشاشة سلطة حكومة أحمد الشرع، فهي تُراكم عداوات جديدة مع فئات محلّية وأطراف إقليمية، ولا تحقّق مكاسب سياسية قابلة للتثبيت. كما أن غياب مشروع جامع أو رابطة اجتماعية دائمة بين العشائر المهاجِمة والمنطقة المستهدَفة، يجعل الحشد أقرب إلى غزوة نهب لا إلى حملة استقرار، ويعني بالضرورة أن أي انسحاب مفاجئ سيخلّف أرضاً محروقة، من دون أي مكسب استراتيجي.
الاعتماد على التعبئة العشائرية، لن يمنح “هيئة تحرير الشام” نفوذاً طويل الأمد، بل يُنذر بتحويل كامل الجغرافيا السورية، وربما الحدودية المجاورة، إلى مناطق مستباحة.
في سوريا هذه، المسافة بين دمشق والسويداء، باتت أبعد من أي وقت مضى. السويداء اليوم، رغم صدّها الهجمة العسكرية المزدوجة عليها؛ السلفية والعشائرية، هي منكوبة، وبانتظار اكتشاف أبعاد الحملة عليها، وتضميد جراحها، ودفن قتلاها، والتفكير طويلاً بعلاقتها بالجسد السوري المريض.
إقرأوا أيضاً:












