ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

غزّة بعد الحرب: “حماس” تبني سلطتها بالخوف وتُشرعن وجودها بالألم

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ففي الوقت الذي كانت تظهر فيه صور الدم، كان الخطاب الدولي يقول شيئاً واحداً: الحفاظ على الهدوء بأيّ ثمن حتى لو بمجاملة “حماس”، كما فعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب حين قال: “لقد سمحت لهم بالقضاء على بعض العصابات”. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

صمت الحرب وبداية الخوف

في 13 تشرين الأوّل/ أكتوبر، توقّف القصف على غزّة، بعد عامين من حرب إسرائيلية دموية أنهكت المدينة وأحرقتها، وبدأ الناس يخرجون من خيامهم كمن يختبر الضوء للمرّة الأولى. كان الهواء مشبعاً بالغبار والرماد، والهدوء ثقيلاً كأرض غادرتها الطائرات من دون أن يغادرها الخطر. 

لكن بعد أيّام قليلة فقط، عاد الرعب، هذه المرّة من داخل المدينة نفسها، من الذين يزعمون حمايتها. ففي حيّ الصبرة في مدينة غزّة، ظهر تسجيل مصوّر لثمانية رجال معصوبي الأعين، موثوقي الأيدي في ساحة عامّة، خلفهم يقف مسلّحون يرتدون الزيّ الرسمي للقوّة الأمنية التابعة لـ”حماس”، بعصاباتهم الخضراء المألوفة. 

ثم انطلقت الطلقات في وقت واحد، بدقّة تشبه مشاهد التدريب العسكري. زاوية الكاميرا، الإضاءة، ووضوح الصوت أعطت الانطباع أن ما حدث ليس عشوائياً، إنما كان مشهداً صُمّم ليراه الجميع، هذا ما تؤكّده بيانات “حماس” نفسها.

بحسب البيانات التي صدرت عن الحركة بعد الحادثة، اتّضح أن الإعدام الميداني لم يكن تصرّفاً انفعالياً، بقدر ما هو جزء من رسالة مقصودة، أرادت “حماس” من خلالها أن تُظهر قدرتها على الحكم بالعنف. بعد ساعات، أعلنت وزارة الداخلية التابعة للحركة أن “قوّات الردع نفّذت عمليّة دقيقة ضدّ عناصر ثبت تورّطها في جرائم قتل وتعاون مع الاحتلال”.

أثار البيان جدلاً واسعاً في الشارع الفلسطيني، رافقته صدمة من مشهد الإعدام الميداني الجماعي، وبدا أن اللغة القانونية التي استخدمتها “حماس” كانت محاولة لتغطية العار الناتج عن المشهد العنيف. 

في المقابل، أصدرت عائلة دغمش بياناً وصفت فيه ما حدث بأنه “جريمة مكتملة الأركان”، وتصفية حسابات قديمة، لكنّ البيان لم يجد طريقه إلى الإعلام المحلّي. في المقاهي والأسواق خيّم الخوف على الأحاديث، وتردّدت جملة واحدة بين الناس: “الي بإيده سلاح هو الي بيحكم”. 

جاءت الإعدامات بعد أيّام قليلة من توقيع “اتّفاق شرم الشيخ” في 9 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، وهو الاتّفاق الذي أنهى العمليّات العسكرية بين إسرائيل و”حماس” بعد حرب إبادة استمرّت عامين، وتم توقيعه برعاية مصر وقطر وتركيا والولايات المتّحدة، ومشاركة الأمم المتّحدة، وهدف إلى فتح صفحة “مرحلة انتقالية” تُدار فيها غزّة بإشراف دولي محدود، يركّز على إعادة الإعمار وضمان الهدوء الميداني.

في الوقت الذي كانت تُجري فيه العواصم حساباتها، كانت “حماس” تعيد بناء قبضتها الداخلية. فقد ترك “اتّفاق شرم الشيخ” فراغاً سياسياً في القطاع، سرعان ما ملأته الحركة عبر إنشاء تشكيل أمني جديد سمّته “قوّة سهم”، وقدّمتها رسمياً باعتبارها قوّة ردع وطنية، مهمّتها حفظ الأمن الداخلي. 

يرى المحلّل السياسي الغزّي أكرم عطا الله أن ما جرى في حيّ الصبرة، كان تعبيراً عن توازن جديد للقوّة في مجتمع ما بعد الحرب، ويقول: “القصة لم تعد صراع عائلات، بل محاولة لاستعادة الهيمنة داخل فضاء انهارت فيه البنى الاجتماعية القديمة. “حماس” تواجه اليوم فراغاً حقيقياً: لا مؤسّسات مدنية قوّية، ولا عائلات قادرة على الوساطة. والسلاح في زمن الحرب أصبح بالنسبة إليها المرجعية الوحيدة، ولذلك ستفعل كلّ ما يلزم للبقاء في السلطة، حتى لو كان الثمن استخدام العنف المفرط في الداخل الغزّي”.

هذه القراءة تضع الإعدامات في سياق أوسع من مجرّد حدث أمني، فالمشهد كما يشرح عطا الله “هو تأكيد أن “حماس” لا تتقاسم السلاح مع أحد، وأن العنف هو رسالة إلى الداخل أكثر منه إلى الخارج، وجزء من هويّة الحكم الحمساوي في غزّة”.
وإذا كانت الحركة قد بنت سلطتها منذ انقلابها على السلطة الفلسطينية في عام 2007 عبر خطاب “المقاومة”، فإنها اليوم تعيد تعريف السلاح بوصفه أداة شرعية للسيطرة.

القانون في مواجهة الرصاص

بيانات وزارة الداخلية في غزّة التي صدرت بعد حادثة الصبرة، وصفت الإعدامات بأنها “عمليّة دقيقة” استهدفت “متورّطين”، بلغة توحي بأن ما حدث كان إجراء أمنياً اعتيادياً لا جريمة علنية.

في المقابل، أصدر مركز “الميزان لحقوق الإنسان” في 15 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، بياناً دان فيه الإعدام العلني، داعياً إلى “احترام سيادة القانون ومنع القتل خارج نطاق القضاء”، مؤكّداً أن “مثل هذه الأفعال تُقوّض أيّ أساس لعدالة حقيقية في القطاع”.

بعد يومين، جاء صوت من الخارج. ففي بيان صدر من جنيف بتاريخ 17 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، أشار مكتب الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) إلى “مزاعم بوقوع إعدامات سريعة وانتهاكات جسيمة في قطاع غزّة”، ودعا “السلطات الفعلية” إلى احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، وضمان التحقيق الفوري في تلك الحوادث.

وجاء البيان ضمن إحاطة تناولت الوضع الأمني في غزّة بعد وقف العمليّات العسكرية، وأشار إلى أن المرحلة الانتقالية تشهد واقعاً مضطرباً تتداخل فيه ترتيبات الهدنة مع محاولات تثبيت السيطرة الداخلية.

الغزّيون بين الإنهاك والطاعة الجبرية 

تعيش غزّة في مرحلة رمادية، بين إرهاق الحرب وصرامة ما بعدها. المدينة التي دفنت أكثر من ستّين ألف ضحيّة، تحاول أن تفهم كيف تحوّل العدو إلى الداخل؟ وكيف انتقل الخوف من الطائرات الإسرائيلية إلى الأزقّة الداخلية؟

في المقاهي، تُتداول الأسماء بصوت خافت. في الشوارع، يغيب النقاش السياسي ليحلّ مكانه الحذر. في الأسواق، يتحدّث الناس عن الأسعار والكهرباء والدواء، لا عن السياسة أو الحُكم.

اعتادت “حماس” منذ بداية حكمها على ترويع المجتمع باستخدام القمع العلني ضدّ كلّ من يعارضها، ليس هذا أمراً سرّياً، بل هناك عشرات إن لم يكن مئات التقارير الحقوقية، التي توثّق انتهاكات “حماس” منذ أن حكمت قطاع غزّة بالحديد والنار من عام 2007 حتى هذه اللحظة، حتى في ظلّ الحديث عن ترتيبات اليوم التالي، التي يتّفق جميع الأطراف بما في ذلك السلطة الفلسطينية أن “حماس” لن يكون لها دور في القطاع ولا في الحكم، يظلّ رجال “حماس” الأمنيون حاضرون في كلّ زاوية، يراقبون ويردعون. 

الإعلام كسلاح رمزي

طالما استخدمت “حماس” الإعلام كجزء من الهيمنة الأمنية والنفسية على الغزّيين، والإعدام الميداني البشع الذي نفّذه وصورّه عناصرها بهذه الشكل، يذكّرنا بإعدامات “تنظيم الدولة الإسلامية” في العراق وسوريا.

تقول الباحثة في الإعلام السياسي إيناس أحمد دحلان: “إن بثّ المقاطع المصوّرة للإعدامات كان أداء بصرياً مدروساً لإنتاج الخوف الجماعي، فالمقاطع لم تكن تغطية خبرية، إنما سعت إلى صناعة معنى جديد للعدالة، حيث يُقدَّم الرصاص كدليل على القانون”، وتؤكّد أن “الإعلام المحلّي تحوّل إلى أداة بيد حماس، ينقل صورتها الأمنية بدلاً من الواقع”.

في نشرات الأخبار، تُستخدم لغة الانضباط والردع لتأطير الحياة اليومية وإعادة تعريف الخوف كواجب وطني، حتى المصطلحات تغيّرت: لم يعد يُقال “مجرم”، بل “عميل”، ولم تعد تهمة “العمالة” تحتاج إلى محكمة، بل تكتفي “حماس” بالقتل العلني الميداني. 

بهذه الطريقة، أصبح الإعلام أداة شرعنة، تبرّر العنف وتُعيد إنتاجه في وعي الناس، ليتحوّل الخوف إلى خبر متكرّر، والدم إلى وسيلة لمخاطبة الناس وترويعهم.

“العالم” يتفرّج على الدم طالما أنه لا يهدّد الهدنة

لم تحدث ردود الفعل الدولية على إعدامات الصبرة صدى أخلاقياً، ركّزت فقط على تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة رسم حدود النفوذ في غزّة. 

ففي الوقت الذي كانت تظهر فيه صور الدم، كان الخطاب الدولي يقول شيئاً واحداً: الحفاظ على الهدوء بأيّ ثمن حتى لو بمجاملة “حماس”، كما فعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب حين قال: “لقد سمحت لهم بالقضاء على بعض العصابات”. 

في رام الله، أعربت الرئاسة الفلسطينية عن غضبها بلغة القانون والسياسة معاً، معتبرةً ما جرى “جريمة سياسية تُنفّذ خارج القضاء”، كما قال نبيل أبو ردينة، محذّراً من أن هذه الأفعال “تهدم ما تبقّى من النسيج الوطني”. لكنّ الصوت الفلسطيني الرسمي بدا وحيداً، محاصراً بين انقسام داخلي مزمن وعجز عن الفعل الميداني.

أما الأمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبي فاكتفيا بصياغة دبلوماسية حذرة. الأمين العامّ أنطونيو غوتيريش دعا إلى “تحقيق شفّاف وفوري”، بينما شدّد الاتّحاد على ضرورة “تقديم ضمانات قضائية”، كلا البيانين حمل القلق ذاته، لكنّهما فرغا من أيّ إرادة للمساءلة.

رأت “حماس” في هذه الدبلوماسية الناعمة تجاه تصرّفاتها شرعية ولو مرحلية، لهندسة سياسية جديدة تبني من خلالها بنية الأمن بالعنف الداخلي، فالجميع بمن فيهم الوسطاء: قطر وتركيا ومصر، تجاوزوا مشاهد الإعدامات الميدانية البشعة وركّزوا في محادثاتهم مع “حماس” على خلاصة واحدة: طالما أن الدم محلّي يمكن تجاوزه بمبرّر الحفاظ على الأمن. 

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
25.10.2025
زمن القراءة: 6 minutes

ففي الوقت الذي كانت تظهر فيه صور الدم، كان الخطاب الدولي يقول شيئاً واحداً: الحفاظ على الهدوء بأيّ ثمن حتى لو بمجاملة “حماس”، كما فعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب حين قال: “لقد سمحت لهم بالقضاء على بعض العصابات”. 

صمت الحرب وبداية الخوف

في 13 تشرين الأوّل/ أكتوبر، توقّف القصف على غزّة، بعد عامين من حرب إسرائيلية دموية أنهكت المدينة وأحرقتها، وبدأ الناس يخرجون من خيامهم كمن يختبر الضوء للمرّة الأولى. كان الهواء مشبعاً بالغبار والرماد، والهدوء ثقيلاً كأرض غادرتها الطائرات من دون أن يغادرها الخطر. 

لكن بعد أيّام قليلة فقط، عاد الرعب، هذه المرّة من داخل المدينة نفسها، من الذين يزعمون حمايتها. ففي حيّ الصبرة في مدينة غزّة، ظهر تسجيل مصوّر لثمانية رجال معصوبي الأعين، موثوقي الأيدي في ساحة عامّة، خلفهم يقف مسلّحون يرتدون الزيّ الرسمي للقوّة الأمنية التابعة لـ”حماس”، بعصاباتهم الخضراء المألوفة. 

ثم انطلقت الطلقات في وقت واحد، بدقّة تشبه مشاهد التدريب العسكري. زاوية الكاميرا، الإضاءة، ووضوح الصوت أعطت الانطباع أن ما حدث ليس عشوائياً، إنما كان مشهداً صُمّم ليراه الجميع، هذا ما تؤكّده بيانات “حماس” نفسها.

بحسب البيانات التي صدرت عن الحركة بعد الحادثة، اتّضح أن الإعدام الميداني لم يكن تصرّفاً انفعالياً، بقدر ما هو جزء من رسالة مقصودة، أرادت “حماس” من خلالها أن تُظهر قدرتها على الحكم بالعنف. بعد ساعات، أعلنت وزارة الداخلية التابعة للحركة أن “قوّات الردع نفّذت عمليّة دقيقة ضدّ عناصر ثبت تورّطها في جرائم قتل وتعاون مع الاحتلال”.

أثار البيان جدلاً واسعاً في الشارع الفلسطيني، رافقته صدمة من مشهد الإعدام الميداني الجماعي، وبدا أن اللغة القانونية التي استخدمتها “حماس” كانت محاولة لتغطية العار الناتج عن المشهد العنيف. 

في المقابل، أصدرت عائلة دغمش بياناً وصفت فيه ما حدث بأنه “جريمة مكتملة الأركان”، وتصفية حسابات قديمة، لكنّ البيان لم يجد طريقه إلى الإعلام المحلّي. في المقاهي والأسواق خيّم الخوف على الأحاديث، وتردّدت جملة واحدة بين الناس: “الي بإيده سلاح هو الي بيحكم”. 

جاءت الإعدامات بعد أيّام قليلة من توقيع “اتّفاق شرم الشيخ” في 9 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، وهو الاتّفاق الذي أنهى العمليّات العسكرية بين إسرائيل و”حماس” بعد حرب إبادة استمرّت عامين، وتم توقيعه برعاية مصر وقطر وتركيا والولايات المتّحدة، ومشاركة الأمم المتّحدة، وهدف إلى فتح صفحة “مرحلة انتقالية” تُدار فيها غزّة بإشراف دولي محدود، يركّز على إعادة الإعمار وضمان الهدوء الميداني.

في الوقت الذي كانت تُجري فيه العواصم حساباتها، كانت “حماس” تعيد بناء قبضتها الداخلية. فقد ترك “اتّفاق شرم الشيخ” فراغاً سياسياً في القطاع، سرعان ما ملأته الحركة عبر إنشاء تشكيل أمني جديد سمّته “قوّة سهم”، وقدّمتها رسمياً باعتبارها قوّة ردع وطنية، مهمّتها حفظ الأمن الداخلي. 

يرى المحلّل السياسي الغزّي أكرم عطا الله أن ما جرى في حيّ الصبرة، كان تعبيراً عن توازن جديد للقوّة في مجتمع ما بعد الحرب، ويقول: “القصة لم تعد صراع عائلات، بل محاولة لاستعادة الهيمنة داخل فضاء انهارت فيه البنى الاجتماعية القديمة. “حماس” تواجه اليوم فراغاً حقيقياً: لا مؤسّسات مدنية قوّية، ولا عائلات قادرة على الوساطة. والسلاح في زمن الحرب أصبح بالنسبة إليها المرجعية الوحيدة، ولذلك ستفعل كلّ ما يلزم للبقاء في السلطة، حتى لو كان الثمن استخدام العنف المفرط في الداخل الغزّي”.

هذه القراءة تضع الإعدامات في سياق أوسع من مجرّد حدث أمني، فالمشهد كما يشرح عطا الله “هو تأكيد أن “حماس” لا تتقاسم السلاح مع أحد، وأن العنف هو رسالة إلى الداخل أكثر منه إلى الخارج، وجزء من هويّة الحكم الحمساوي في غزّة”.
وإذا كانت الحركة قد بنت سلطتها منذ انقلابها على السلطة الفلسطينية في عام 2007 عبر خطاب “المقاومة”، فإنها اليوم تعيد تعريف السلاح بوصفه أداة شرعية للسيطرة.

القانون في مواجهة الرصاص

بيانات وزارة الداخلية في غزّة التي صدرت بعد حادثة الصبرة، وصفت الإعدامات بأنها “عمليّة دقيقة” استهدفت “متورّطين”، بلغة توحي بأن ما حدث كان إجراء أمنياً اعتيادياً لا جريمة علنية.

في المقابل، أصدر مركز “الميزان لحقوق الإنسان” في 15 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، بياناً دان فيه الإعدام العلني، داعياً إلى “احترام سيادة القانون ومنع القتل خارج نطاق القضاء”، مؤكّداً أن “مثل هذه الأفعال تُقوّض أيّ أساس لعدالة حقيقية في القطاع”.

بعد يومين، جاء صوت من الخارج. ففي بيان صدر من جنيف بتاريخ 17 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، أشار مكتب الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) إلى “مزاعم بوقوع إعدامات سريعة وانتهاكات جسيمة في قطاع غزّة”، ودعا “السلطات الفعلية” إلى احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، وضمان التحقيق الفوري في تلك الحوادث.

وجاء البيان ضمن إحاطة تناولت الوضع الأمني في غزّة بعد وقف العمليّات العسكرية، وأشار إلى أن المرحلة الانتقالية تشهد واقعاً مضطرباً تتداخل فيه ترتيبات الهدنة مع محاولات تثبيت السيطرة الداخلية.

الغزّيون بين الإنهاك والطاعة الجبرية 

تعيش غزّة في مرحلة رمادية، بين إرهاق الحرب وصرامة ما بعدها. المدينة التي دفنت أكثر من ستّين ألف ضحيّة، تحاول أن تفهم كيف تحوّل العدو إلى الداخل؟ وكيف انتقل الخوف من الطائرات الإسرائيلية إلى الأزقّة الداخلية؟

في المقاهي، تُتداول الأسماء بصوت خافت. في الشوارع، يغيب النقاش السياسي ليحلّ مكانه الحذر. في الأسواق، يتحدّث الناس عن الأسعار والكهرباء والدواء، لا عن السياسة أو الحُكم.

اعتادت “حماس” منذ بداية حكمها على ترويع المجتمع باستخدام القمع العلني ضدّ كلّ من يعارضها، ليس هذا أمراً سرّياً، بل هناك عشرات إن لم يكن مئات التقارير الحقوقية، التي توثّق انتهاكات “حماس” منذ أن حكمت قطاع غزّة بالحديد والنار من عام 2007 حتى هذه اللحظة، حتى في ظلّ الحديث عن ترتيبات اليوم التالي، التي يتّفق جميع الأطراف بما في ذلك السلطة الفلسطينية أن “حماس” لن يكون لها دور في القطاع ولا في الحكم، يظلّ رجال “حماس” الأمنيون حاضرون في كلّ زاوية، يراقبون ويردعون. 

الإعلام كسلاح رمزي

طالما استخدمت “حماس” الإعلام كجزء من الهيمنة الأمنية والنفسية على الغزّيين، والإعدام الميداني البشع الذي نفّذه وصورّه عناصرها بهذه الشكل، يذكّرنا بإعدامات “تنظيم الدولة الإسلامية” في العراق وسوريا.

تقول الباحثة في الإعلام السياسي إيناس أحمد دحلان: “إن بثّ المقاطع المصوّرة للإعدامات كان أداء بصرياً مدروساً لإنتاج الخوف الجماعي، فالمقاطع لم تكن تغطية خبرية، إنما سعت إلى صناعة معنى جديد للعدالة، حيث يُقدَّم الرصاص كدليل على القانون”، وتؤكّد أن “الإعلام المحلّي تحوّل إلى أداة بيد حماس، ينقل صورتها الأمنية بدلاً من الواقع”.

في نشرات الأخبار، تُستخدم لغة الانضباط والردع لتأطير الحياة اليومية وإعادة تعريف الخوف كواجب وطني، حتى المصطلحات تغيّرت: لم يعد يُقال “مجرم”، بل “عميل”، ولم تعد تهمة “العمالة” تحتاج إلى محكمة، بل تكتفي “حماس” بالقتل العلني الميداني. 

بهذه الطريقة، أصبح الإعلام أداة شرعنة، تبرّر العنف وتُعيد إنتاجه في وعي الناس، ليتحوّل الخوف إلى خبر متكرّر، والدم إلى وسيلة لمخاطبة الناس وترويعهم.

“العالم” يتفرّج على الدم طالما أنه لا يهدّد الهدنة

لم تحدث ردود الفعل الدولية على إعدامات الصبرة صدى أخلاقياً، ركّزت فقط على تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة رسم حدود النفوذ في غزّة. 

ففي الوقت الذي كانت تظهر فيه صور الدم، كان الخطاب الدولي يقول شيئاً واحداً: الحفاظ على الهدوء بأيّ ثمن حتى لو بمجاملة “حماس”، كما فعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب حين قال: “لقد سمحت لهم بالقضاء على بعض العصابات”. 

في رام الله، أعربت الرئاسة الفلسطينية عن غضبها بلغة القانون والسياسة معاً، معتبرةً ما جرى “جريمة سياسية تُنفّذ خارج القضاء”، كما قال نبيل أبو ردينة، محذّراً من أن هذه الأفعال “تهدم ما تبقّى من النسيج الوطني”. لكنّ الصوت الفلسطيني الرسمي بدا وحيداً، محاصراً بين انقسام داخلي مزمن وعجز عن الفعل الميداني.

أما الأمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبي فاكتفيا بصياغة دبلوماسية حذرة. الأمين العامّ أنطونيو غوتيريش دعا إلى “تحقيق شفّاف وفوري”، بينما شدّد الاتّحاد على ضرورة “تقديم ضمانات قضائية”، كلا البيانين حمل القلق ذاته، لكنّهما فرغا من أيّ إرادة للمساءلة.

رأت “حماس” في هذه الدبلوماسية الناعمة تجاه تصرّفاتها شرعية ولو مرحلية، لهندسة سياسية جديدة تبني من خلالها بنية الأمن بالعنف الداخلي، فالجميع بمن فيهم الوسطاء: قطر وتركيا ومصر، تجاوزوا مشاهد الإعدامات الميدانية البشعة وركّزوا في محادثاتهم مع “حماس” على خلاصة واحدة: طالما أن الدم محلّي يمكن تجاوزه بمبرّر الحفاظ على الأمن.