أمس في غزّة، قُتلت طبيبة الأطفال آلاء النجّار تسع مرّات في لحظة واحدة. تسع مرّات بعدد أطفالها الذين قبض أرواحهم ملك الموت الإسرائيلي في لحظة واحدة أيضاً. كانت تُتابع عملها في مستشفى ناصر في خان يونس، تُداوي جروح أطفال بعمر أطفالها، حين وصلها خبر الفاجعة…
قطعت آلاء المسافة بين المستشفى وبيتها في حيّ النجّار، ركضاً على قلبها لا قدميها، كان عمّ أطفالها ينتشل الجثث واحدة تلو الأخرى، ويسجّيها أمامها لتتعرّف عليها: هذا يحيى، وهذا ركان، وذاك رسلان، والآخر جبران، وهذه إيف، وتلك ريفان، والأخيرة سيدين، سبع جثث أحالها الصاروخ الحارق أشلاء متفحّمة، لم تتعرّف آلاء على ملامح اثنين منها، بينما بقيت سيدرا ولقمان تحت الأنقاض، ونجا آدم فقط، وهو يرقد الآن في العناية الفائقة بين الحياة والموت…
أنجبت آلاء عشرة أطفال، أكبرهم في الثانية عشرة من عمره، وأصغرهم لم يكمل السنة، ولدوا وعاشوا وماتوا؛ بسلامة آدم، أثناء الحصار الشامل، وكلّ واحد فيهم شهد حرباً واحدة على الأقلّ من حروب غزّة السبع، تواريخ ميلادهم تبدأ من “الجرف الصامد” حتى “طوفان الأقصى”.
أمضت آلاء 90 شهراً، أي سبع سنوات وخمسة أشهر من حياتها، حبلى، تُقارع الاحتلال بالإنجاب؛ الاستراتيجية الدفاعية التي ابتدعتها الفلسطينيات لحماية حقّ الوجود، حملت كلّ واحد من أجنّتها تسعة أشهر وهناً على وهن، بين بيت وعمل وحرب، انتفخ بطنها واستدار مثل بدر في اكتمال دورته عشر مرّات، ثم هوت أمس مثل سماء كثيرة النجوم، مرّة واحدة وقاضية.
عشر مرّات أجرت آلاء اختبار الحمل، عشر مرّات زفّت لزوجها الخبر السعيد، عشر مرّات سمعت نبض معجزة في بداية تشكّلها، عشر مرّات أحسّت بأوّل خبطة خاطفة على جدار رحمها، فاهتزّ بطنها وابتسم قلبها، عشر مرّات جهّزت المهد والوسائد والشراشف والألبسة القطنية والزينة والضيافة وحوض الاستحمام الصغير والصابون والزيوت والشموع، عشر مرّات انشغلت وزوجها وعائلتها في اختيار اسم المولود القادم، عشر مرّات جاءها المخاض بغتة، عشر مرّات تحمّلت وجع الولادة، فأقسمت أنها المرّة الأخيرة ثم تراجعت في العام التالي، عشر مرّات كادت أن تبتلعها هاوية الموت في غرفة الولادة، ثم أعادتها صرخة جنينها إلى الحياة…
إقرأوا أيضاً:
هل دفعت آلاء ضريبة أن تكون أمّاً في غزّة؟ أن تستمرّ في الإنجاب باستمرار الإبادة؟ هل خطرت في بالها خسارة كهذه؟ هل جهّزت قلبها لوداع غادر مثل هذا الوداع؟ هل درّبت مشاعرها مسبقاً على أهوال الفقد؟ هل كانت بينها وبين نفسها مسلّمة باستحالة صنع أي توازن منطقي بين الموت المتربّص واحتمالات النجاة؟ يا نار العجز ترفقي بقلبها!
كلّ يوم تحدث فاجعة غير مسبوقة في غزّة، ونحن نشاهد على مدى الأيّام والليالي أطفالاً يُقتَلون ولم يهدأ بعدُ لحمهم الطريّ من آلام الولادة، ونسمع آهات أمّهات خسرن أطفالهن بعد عناء وعذاب طويل لإنجابهم، ولوعة أخريات فقدن أرحامهن وأطفالهن معاً، ونتابع مشاهد أمّهات يندبن عجزهن أمام الركام، وأخريات يركضن في أروقة المستشفيات، أو يفترشن الأرض في غرف الطوارئ، أو يقفن أمام ثلّاجات الموتى، مكلومات، ثاكلات، يصرخن: “وين ولادي؟ مين ظل عايش؟ ماليش غيرهم يا الله”.
وععلى رغم هذا كلّه، لم أعثر في كتب التاريخ، ولا في سيَر الحروب الغابرة والحاضرة فاجعة بحجم فاجعة آلاء، ليس هناك ذكر لأمّ فقدت تسعة أطفال دفعة واحدة. الخنساء نفسها التي يُضرب فيها المثل في الثكل، خسرت أربعة من أبنائها، ولم يكونوا أطفالاً بل محاربين، خنساء فلسطين (أم نضال فرحات) فقدت ثلاثة من أبنائها، وكانوا مقاتلين أيضاً.
قسوة الحرب في غزّة وطول مدّتها، جعلت أمّهات كثيرات يرددّن بصوت داخلي، مرتجف: “يا ليتني لم أنجب”، حتى بات وجود الأطفال معادلاً للقهر والعجز وقلّة الحيلة، ومصدراً للرعب. في الحياة العادية إنجاب طفل هو بشرى سارة، أمّا في غزّة فالطفل هزيمة للضمير، طعنة في القلب، تحدّ لأدوار الأمومة ومهامها وقيمها.
عن هذا كتبت الشهيدة هبة أبو ندى: “وظيفة الأم في غزّة ليست الحماية، بل القلق”، وأضيف إليها أن وظيفة الأمّ في غزّة دفن أطفالها! هذا ما فعلته أمّ هند رجب، وأمّ يوسف “الأبيضاني الحلو لي شعرو كيرلي”، وأسماء المغري التي دفنت ولديها آية وعبود، والدكتورة آلاء القطراوي؛ آلاء أخرى سبق أن خسرت أطفالها الأربعة: يامن وكنان وكرمل وأوركيدا، دفعة واحدة في بداية الحرب، وفي خان يونس أيضاً، وظلّت أربعة أشهر تراقب نجماً يحوم على أربع جثث في الظلام، تحت ركام منزلها المحاصر…
وجع الأمّهات في غزّة، هو التجسيد الحرفي لاستمرار الفعل الانتقامي والجرمي وغير الإنساني، لحرب لم يعد لها هدف سوى الأطفال، كما شهد عليها شاهد من أهلها، زعيم الحزب الديمقراطي الإسرائيلي يائير غولان بقوله: “إن الجنود يقتلون الأطفال في غزّة من أجل المتعة”، وغزّة هي جرح هذا العالم المفتوح، مكان يتجمّع فيه الأطفال تابوتاً فوق تابوت، وبيوت وشوارع ومعالم حياة تختفي كأنها لم تكن، ومساحة جغرافية تتقلّص يوماً بعد يوم، وميدان حرب تخوض فيه الأمّهات معركتين في الوقت نفسه: واحدة في مواجهة الإبادة وأخرى في مواجهة حزن الأرحام!
ستنتهي هذه الحرب حتماً، وربما في يوم من الأيّام، ستهتزّ الأرض تحت أقدام الجبابرة، وستتدخّل السماء التي سمعت الكثير من الأنين، وينتشر العدل بين الناس، لكنّ حزن الأمهات لن ينتهي، ستبقى ذاكرتهن مثخنة بالجروح، وسيعرّش على وجوههن الأسى، سيغيّرن عناوينهن، سيهجرن الحياة إلى المقابر، ومثلما قالت أمّ جندي روسي قُتل في أفغانستان: “أنا كلب وفيّ، من تلك الكلاب التي تموت فوق قبور أصحابها”.














