انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، خلال ساعات، مقطع فيديو لفتاة عشرينية تواجه شاباً داخل حافلة نقل عام، متهمةً إياه بملاحقتها والتحرش بها. لم يوثّق الهاتف لحظة الواقعة نفسها، لكنه وثّق ما تلاها: صدمة الفتاة، احتجاجها، وصمت عدد من الركاب، أو تدخل بعضهم لمحاولة إسكاتها بدلاً من التحقق مما حدث.
الواقعة، التي كانت ضحيتها مريم شوقي، وهي شابة متخرجة في الجامعة الكندية الدولية، تعمل في إحدى الشركات ولها نشاط فني في المسرح، أعادت إلى الواجهة نقاشاً قديماً متجدداً في مصر حول العنف الجنسي في المجال العام، وحدود مسؤولية المجتمع في مواجهته، وأثر الخطاب الاجتماعي والديني في تشكيل المواقف من النساء اللواتي يبلّغن عن الانتهاكات.
قالت شوقي، في بث مباشر وتصريحات صحافية، إن الشاب تعمّد مضايقتها وملاحقتها في محيط عملها بمنطقة المعادي، قبل أن تستقل حافلة نقل عام فتفاجأ بوجوده داخلها، ما دفعها إلى توثيق المواجهة بالفيديو.
خلال المواجهة المصوّرة، حاول الشاب التشكيك في روايتها مستخدماً خطاباً أخلاقياً ودينياً، موجهاً حديثه إلى مظهرها وملابسها، في انعكاس لنمط متكرر في قضايا العنف الجنسي، يتمثل في نقل النقاش من الفعل المرتكب إلى سلوك الضحية أو شكلها.
بعد الضجة الإعلامية، تم توقيف الشاب، لكن النيابة العامة قررت لاحقاً إخلاء سبيله بكفالة مالية على ذمة التحقيقات. ودفع محاميه بانتفاء التحرش، مستنداً إلى أن الفيديو لا يُظهر احتكاكاً جسدياً مباشراً، كما طالب بعرض الشاكية على طبيب نفسي، في خطوة تشير منظمات حقوقية إلى أنها تُستخدم أحياناً للتشكيك في المبلِّغات بدلاً من التركيز على الواقعة محل التحقيق. وفي تصريحات لاحقة، أقرّ الدفاع بحدوث معاكسة لفظية سابقة، وهو ما يثير جدلاً قانونياً، لأن التشريعات المصرية تجرّم أيضاً الأفعال اللفظية أو السلوكية ذات الدلالة الجنسية، أو التي تنتهك الخصوصية الجسدية والنفسية.
التحرش… معاناة مديدة
أظهرت الواقعة انقساماً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي بين من رأى فيها امتداداً يومياً لمعاناة النساء في المواصلات العامة، ومن ركّز على غياب دليل مصوَّر مباشر، أو أعاد إنتاج خطاب يربط العنف بمظهر النساء. هذا الانقسام لم يقتصر على المستخدمين العاديين، بل شاركت فيه شخصيات عامة ومؤثرة، ما ساهم في توسيع دائرة الجدل، وتحويل القضية من نقاش حول فعل مُجرَّم قانوناً إلى سجال أخلاقي حول سلوك النساء.
في هذا السياق، أثار مقطع فيديو متداول لمؤدّي المهرجانات حسن شاكوش جدلاً واسعاً، بعدما عبّر فيه عن موقف داعم لرواية الشاب، متسائلاً عمّا كانت ترتديه الفتاة، في خطاب أعاد إنتاج الفكرة ذاتها التي تواجهها كثيرات من النساء عند الإبلاغ عن العنف: مساءلة الضحية بدلاً من مساءلة الفعل. وقد لاقى هذا الموقف انتشاراً واسعاً، لا لأنه جديد، بل لأنه ينسجم مع سردية اجتماعية راسخة تُحمِّل النساء مسؤولية ما يتعرضن له، وتُضفي على هذا اللوم غطاءً شعبياً وثقافياً.
بالتزامن مع انتشار فيديو “فتاة الأتوبيس”، وثّقت شابة أخرى محاولة شاب ملامسة جسدها داخل وسيلة مواصلات في ضاحية الشيخ زايد بمحافظة الجيزة. وبعد انتشار الفيديو، أُلقي القبض على المتهم الذي أقرّ بارتكاب الواقعة. تكشف الحادثتان عن تحوّل الهاتف المحمول إلى أداة توثيق تلجأ إليها النساء لحماية أنفسهن وإثبات الاعتداء، في ظل صعوبات الإبلاغ التقليدي وما يرافقه من ضغوط اجتماعية وإجرائية.
إقرأوا أيضاً:
توضح المحامية انتصار السعيد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، أن تصوير الواقعة ليس شرطاً لإثباتها قانونياً، إذ شهدت المحاكم المصرية خلال السنوات الماضية إدانات استندت إلى شهادات وقرائن من دون وجود تسجيلات. وتستعيد السعيد قضية نهى رشدي عام 2008، التي صدر فيها أول حكم قضائي مشدد في جريمة تحرش، معتبرةً أن تلك السابقة شكّلت نقطة تحول، على رغم غياب التوثيق الرقمي.
وترى السعيد أن هناك تحسناً نسبياً في تعامل أجهزة إنفاذ القانون مع البلاغات بعد تغليظ العقوبات، إلا أن الشاكيات ما زلن يواجهن تحديات، منها ما يُعرف بالمحاضر العكسية التي يُحرّرها المتهمون لإطالة أمد التقاضي والضغط للتنازل. كما تشير تقارير حقوقية إلى ضعف الضمانات الإجرائية التي توفر الحماية للناجيات أثناء تقديم البلاغ وبعده، ما يستدعي تعديلات قانونية تمنع استخدام الإجراءات كوسيلة ترهيب.
عبدالله رشدي وترسيخ خطاب العنف
أعادت واقعة “فتاة الأتوبيس” الجدل حول أثر بعض الخطابات الدينية التي تربط التحرش بملابس النساء أو سلوكهن، وهي مقاربات تنتقدها حقوقيات باعتبارها تبريراً ضمنياً للعنف ونقلاً للمسؤولية من الجاني إلى الضحية. وقد استُحضرت في هذا السياق مواقف سابقة للداعية عبدالله رشدي أثارت جدلاً واسعاً بسبب ربطه بين مظهر النساء وانتشار التحرش، وهي آراء يعتبرها باحثون جزءاً من خطاب ثقافي يرسّخ الوصاية على أجساد النساء بدلاً من حماية حقهن في الأمان.
ترى الباحثة ندى نشأت، من مؤسسة المرأة الجديدة، أن أزمة التحرش لا ترتبط فقط بالقوانين، بل ببنية ثقافية ما زالت تنظر إلى النساء من زاوية أخلاقية رقابية، بحيث يتحدد التعاطف أو التشكيك بناءً على صورة الضحية، لا على الفعل المرتكب.
تكشف قضية “فتاة الأتوبيس” أن تكرار وقائع التحرش والعنف في المجال العام لا يعود إلى غياب التجريم القانوني، بل إلى ضعف الحماية الفعلية للناجيات، واستمرار مناخ اجتماعي يميل إلى تبرير المعتدي أو التخفيف من مسؤوليته. فبين كل واقعة وأخرى، تتكرر الأسئلة ذاتها، ويتكرر معها شعور النساء بأن عبء الإثبات والدفاع عن الكرامة يقع عليهن وحدهن، فيما يُفترض أن تكون الحماية حقاً أصيلاً غير مشروط.
مواجهة التحرش لا تتوقف عند تشديد العقوبات، بل تتطلب تفكيك الثقافة التي تسمح بتحويل الضحية إلى متهمة، وتمنح المعتدي مساحات للتبرير أو التعاطف.
حين يصبح النقاش حول ملابس النساء أوسع من النقاش حول سلامتهن، تتحول العدالة من مسار قانوني واضح إلى معركة اجتماعية مفتوحة، تخوضها النساء يومياً في الشارع ووسائل النقل وأماكن العمل، طلباً لحق بسيط: أن يعشن في الفضاء العام بلا خوف، أو مساءلة عن وجودهن فيه.














