في صباح مختلف عن كل الصباحات السابقة، خرجت غزة من بين ركام الحرب، وارتفعت أصوات الزغاريد للمرة الأولى منذ عامين، مع إعلان نتائج الثانوية العامة لدفعة طلاب وُلدوا في العام 2007، وعاشوا مراهقتهم وسط أصوات القصف ونيران الدمار، وقدموا الامتحانات من داخل خيامهم إلكترونيًا.
عمت الفرحة شوارع قطاع غزة المدمرة ذلك الصباح، ووُزعت حلوى بسيطة أُعدت بإمكانات شبه معدومة على عائلات الناجحين في امتحانات الثانوية العامة، وامتزجت دموع الفرح بالحزن لدى بعض أبناء ضحايا الحرب.
لمى لولي، نجحت بتفوّق على رغم أنها فقدت منزلها ومدرستها خلال الحرب، وعاشت حالة النزوح طوال فترة الدراسة، وتلقت نتيجتها العلمية داخل الخيمة عبر رسالة نصية وصلت إلى هاتفها.
تقول لولي والدموع في عينيها لمراسل “درج” في قطاع غزة: “كنت أدرس على ضوء الهاتف، وأراجع دروسي داخل الخيمة التي تجتمع فيها كل عائلتي، واليوم أنجح من أجل والدي وشقيقي اللذين استُشهدا العام الماضي”.
عاشت لولي ظروفًا قاسية خلال عام الدراسة الذي لم تدخل فيه يومًا واحدًا أي فصل دراسي، ولم تتلقَّ دروسًا تعليمية في أي مدرسة بسبب ظروف الحرب، واعتمدت بشكل كامل على التعليم الإلكتروني.
تقدمت لولي إلى جانب 30 ألف طالب وطالبة فلسطينية من مختلف مناطق قطاع غزة، الى امتحانات الثانوية العامة إلكترونيًا للتغلب على تدمير الجيش الإسرائيلي المدارس، وعدم تمكّن الطلاب من التقديم الوجاهي.
عاشت لولي القصف والجوع خلال دراسة الثانوية العامة، وواصلت طريقها نحو تحقيق هدفها بالنجاح والتفوق، وحصلت بعد صدور النتائج الخميس 15 تشرين الثاني/ نوفمبر، على معدل 91 في المئة.
أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية نتائج امتحانات الثانوية العامة لعام 2025 لطلاب مواليد 2007 في قطاع غزة، بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية التي خلّفت دماراً شاملاً وأثّرت بشدة على العملية التعليمية.
وجاءت هذه النتائج بعدما واجه الطلاب ظروفاً قاسية من قتل وفقدان عائلاتهم، وجوع ونزوح وتشريد وعيش تحت الخيام، ليحققوا نجاحهم وتفوّقهم على رغم الواقع المأساوي الذي خلّفته حرب الإبادة على غزة.
وأوضح وزير التربية والتعليم الفلسطيني، أمجد برهم، أن 31 ألف طالب وطالبة من مواليد 2007 تقدموا لامتحانات الثانوية العامة في القطاع، مشيراً إلى أن الحرب حرمت أكثر من 70 ألف طالب وطالبة من مواليد 2006 و2007 من التقدّم للامتحانات في موعدها، فيما استُشهد حوالى 4 آلاف طالب خلال العدوان.
زغرودة خجولة
في خيمة أخرى من خيام النازحين المكتظّة في منطقة مواصي خان يونس، خرجت زغرودة خجولة من الجدة رسمية منصور احتفالًا بنجاح ابنة ابنتها رغد في الثانوية العامة وحصولها على معدل 88 في المئة.
تفوّقت رغد على رغم فقدها والدتها خلال الحرب وتبخّر جسدها بعد وقوع الصاروخ الإسرائيلي على الغرفة التي كانت فيها.
تقول رغد لـ”درج”: “لا أحد يمكنه تخيّل ما تعرضنا له خلال هذه الحرب، وعلى رغم ذلك كان مطلوباً مني أن أستعد لامتحانات الثانوية العامة والتقديم لها إلكترونيًا، فيما لا يتوافر الإنترنت ولا الكهرباء في قطاع غزة”.
نزحت رغد، وهي الوحيدة التي تبقت بعد مقتل أمها وشقيقها عيد خلال الحرب، أكثر من 9 مرات، وعاملها الجيش الإسرائيلي وبقية سكان قطاع غزة كلعبة شطرنج، من خلال نقلهم من مكان إلى آخر.
إقرأوا أيضاً:
بعد تنهيدة طويلة تقول رغد: “بعد رحيل أمي وشقيقي لم يعد شيء آخر يهمني، ولم تكن الدراسة في بالي، لأن كل شيء راح بما فيه البيت والأم والأخ السند، لكن ضغط جدتي جعلني أذهب للدراسة، وكانت أوقاتاً عصيبة”.
رغد واحدة من عشرات الآلاف الذين درسوا تحت الحرب وصوت الصواريخ، وأكملوا طريقهم نحو التتويج بالوصول إلى إعلان النتائج، والاستعداد للانتقال إلى المرحلة الجامعية.
استخدم الطلاب هواتفهم النقالة في الدراسة والتواصل مع مدرّسيهم الذين عاشوا الظروف نفسها، حتى نجحوا.
عودة الى الحياة الجامعية
وفق الأرقام الرسمية، قتلت إسرائيل ما يزيد عن 193 عالماً وأكاديمياً وباحثاً، وأكثر من 830 معلماً منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ضمن سياسة استهداف ممنهجة لإحداث فراغ علمي وثقافي طويل الأمد، وإضعاف القدرات المؤسسية والوطنية.
ودمر الجيش الإسرائيلي أكثر من 670 مدرسة ومؤسسة تعليمية بشكل كامل أو جزئي، وقتل أكثر من 13,500 طالب وطالبة.
وبعد هذا الدمار، بدأت جامعات فلسطينية في قطاع غزة ترميم بعض مبانيها استعدادًا لاستقبال الطلاب الجدد، بعد عامين من توقف التعليم الوجاهي.
كذلك، تعمل وزارة التربية والتعليم الفلسطينية على استكمال خطتها المتعلقة بإنشاء المدارس الافتراضية والتوسع في التعليم عن بُعد، للطلاب الذين كانوا منخرطين في العملية التعليمية قبل بداية العدوان الإسرائيلي.
وتقوم الوزارة بالتوسع في المراكز التعليمية الميدانية التي كانت موجودة لتغطية أكبر عدد من الطلاب، والعمل على تحسين متطلبات شبكات الإنترنت والاتصالات، والسعي نحو توفير القرطاسية والمستلزمات الدراسية في غزة من كراسات وكتب، والأساسيات اللازمة للعملية التعليمية.
وتعمل الوزارة حالياً على الانتهاء من المسح الجاري الخاص بتقييم وضع المدارس ومعرفة تجمعات المواطنين، وتوفير بدائل للمدارس التي هُدمت، من خلال وحدات يتم تركيبها بشكل مؤقت، والتواصل مع الجامعات الفلسطينية لتنفيذ خطط كل جامعة على حدة.
إقرأوا أيضاً:












