لم تكن المباراة التي جمعت منتخبَي فرنسا وإسرائيل، مساءَ أوّل أمس الخميس في ستاد دو فرانس، شمالَ باريس، طويلةً حدّ الملل بسبب رداءة اللعِب وغياب الأهداف فحسب، بل أيضاً لأنها بدأت، بمعنىً ما، قبل أيّام من موعد انطلاقها الفعليّ، ولأنّها كانت أشبه بأيّ شيء إلّا بمباراةٍ رياضية.
ما فعله اللاعبون أمس، في إطار الجولة الخامسة من دوري الأُمم الأوروبية، وأمام آلافٍ عدة من الجمهور المنتقى بعناية، كان الفصل الأخير من “مباراةٍ” أوسع، سياسية وإعلامية، يخوضها اليمين الفرنسي والسلطات الفرنسية، منذ أيّام، لصالح إسرائيل.
فرنسا “لا تتراجع” مثل بلجيكا
لفهْم الأمر، لا بدّ من العودة قليلاً إلى الوراء. منتصفَ الشهر الماضي، أعلنت شرطة باريس أن “المباراة الدولية التي تجمع بين منتخبَي فرنسا وإسرائيل ستُقام يوم الخميس، 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، في ستاد دو فرانس، وذلك ضمن الظروف الاعتيادية لمباريات دوري الأمم الأوروبية، وبالتأكيد بحضور الجمهور”.
هذا “التأكيد” جاء بعد أسابيع من التردّد، خشيةً من أن لقاءً كهذا قد ترافقه أعمال شغب على خلفية الحرب الإسرائيلية على غزّة. وهي خشيةٌ كانت، للمناسبة، قد دفعت ببلجيكا، مطلع أيلول/ سبتمبر الماضي، إلى إقامة مباراة منتخبها ضدّ إسرائيل في مدينة مجرية بدلاً من بروكسل، وبلا جمهور.
لكنّ فرنسا، بخلاف بلجيكا، “لا تتراجع. لأن هذا سيكون بمثابة استسلامٍ أمام التهديدات بالعنف ومعاداة السامية”، كما جاء في الثامن من هذا الشهر على لسان وزير الداخلية الفرنسي، اليمينيّ، برونو رُتايّو.
أحداث أمستردام من منظور واحد
تصريح الوزير الفرنسي، الذي نشره على حسابه في موقع “إكس”، تزامنَ مع أحداث الشغب التي سبقت وأعقبت مباراة الدوري الأوروبي بين فريقَي أياكس أمستردام ومكابي تل أبيب، الخميس الماضي، في العاصمة الهولندية. وهي أحداثٌ تلقّفها الإعلام الفرنسي اليميني لأيام وانشغل بها، وعلّق عليها الكثير من المسؤولين في البلد.
وقد اتّفقوا في غالبيتهم على شيء واحد: النظر إلى هذه الأحداث انطلاقاً من المنظور الإسرائيلي. ما يعني، أولاً، اجتزاءَ ما حصل بما يتّفق مع سرديّة الحكومة الإسرائيلية التي تقضي بأن مشجّعي مكابي هم ضحايا ما حصل، من الألف إلى الياء؛ وثانياً، وهو الأخطر والأكثر ديمومةً في الغرب، المماهاة بين “إسرائيلي” و”يهودي”، بحيث يصبح أي انتقاد لعنصر أو جهة إسرائيلية انتقاداً وتهجُّماً على “اليهود”، وبالتالي “معاداةً للسامية”.
هكذا، اختار قوسٌ واسع من الإعلام الفرنسي، من أقصى يمينه إلى يمينه ووسطه وبعض يساره، التركيزَ على صورٍ وسردياتٍ تُظهر متعاطفين مع القضية الفلسطينية يعنّفون ويهينون مشجّعين إسرائيليين في شوارع المدينة الهولندية.
لم تتردّد قنواتٌ مثل “بي إف إم تي في” (يُراوح خطّها التحريريّ بين اليمين واليمين المتطرف) و”سي نيوز” (يمين متطرّف)، أو صحف مثل “ليبراسيون” (يسار)، في الحديث عن “بوغروم” أو “مذبحة معادية للسامية” (رغم تأكيد شرطة أمستردام عدم وقوع أي قتيل، في مقابل جَرْح نحو عشرة من المشجّعين الإسرائيليين الذين خرجوا سريعاً من المستشفى). في حين تحدّثت صحف يمينية مثل “لوفيغارو” و”لوبوان” عن “مطاردة لليهود” و”تصيُّد” لهم في شوارع المدينة.
أمّا الأدلّة على حدوث مواجهات بين الطرفين، أو تلك التي تدين، بالصورة والتقارير، المشجّعين الإسرائيليين ومبادرتهم باستفزاز المناصرين للقضية الفلسطينية، فلم تأخذها بالاعتبار إلّا جهاتٌ إعلامية قليلة، مثل “لوموند” و”فرانس 24″، فكانت مقالاتها أو تقاريرها مثل نقاط في بحر. ليبقى تهجُّم الجمهور الإسرائيلي على بيوت ترفع أعلاماً فلسطينية، وحرقهم واحداً من هذه الأعلام وسط المدينة، وإطلاقهم هتافات عنصرية ضد العرب والفلسطينيين، وهتافات تمجّد الجيش الإسرائيلي وتطالبه بـ”إنهاء العرب”… ليبقى كلّ ذلك مختفياً في ظلّ السردية الإسرائيلية، التي فُرضت كصورة “موضوعية” عمّا حصل في أمستردام. صورةٌ تُقدّم جماهير فريق مكابي كضحايا وحيدين لما حدث في تلك الليلة.
مزايدات على “دعم إسرائيل” قُبيل المباراة
كان هذا المناخ المشحون بـ”التضامن مع إسرائيل” هو السائد في المشهد الفرنسي الرسمي والإعلامي خلال الأيام والساعات القليلة التي سبقت مباراة “الزُرق” ضدّ إسرائيل أمس. أمّا الأصوات الداعية إلى النظر في عنصرية مشجّعي مكابي وعنفهم، فكانت تُرَدّ إلى “معاداة للعنصرية” أو تُطالَب، في أحسن الأحوال، بـ”توضيح موقفها” من “الاعتداءات”.
في هذا المناخ، إذاً، قرّر إيمانويل ماكرون حضور المباراة “لتوجيه رسالة أخوّة ودعم” لإسرائيل، بحسب ما نقلت صحيفة “لوموند” عن مقرّبين منه يوم الأحد الماضي. وبالفعل، حضر الرئيس الفرنسي اللقاء، وأعاد، في تصريح له قبل بدئها، تذكيرنا بإصرار الموقف الفرنسي الرسمي على تبنّي السردية الإسرائيلية التي تماهي بين انتقاد الجيش أو الحضور الإسرائيلي وبين “كراهية اليهود”، إذ قال ماكرون لقناة “بي إف إم”: “لن نستسلم لمعادة السامية، ولن ينتصر العنف ولا الترهيب في أيّ مكان، بما في ذلك الجمهورية الفرنسية”.
جلس ماكرون في المقصورة الرئيسية بالملعب إلى جانب السفير الإسرائيلي في باريس، وحولهما حفنةٌ من السياسيين الذين لم يسبق لغالبيتهم، بالتأكيد، أن دخلوا ملعباً لكرة القدم. شخصياتٌ جاءت لـ”دعم إسرائيل”، “المرحَّب بفريقها في فرنسا”، بحسب تعبير الرئيس اليميني السابق نيكولا ساركوزي، الذي كان جالساً في المدرجّات بقرب خلَفه فرنسوا هولاند. وغير بعيد عنهما رئيس الوزراء الحالي ميشيل بارنييه، والسابق إيمانويل فالس، ورئيسة البرلمان يائيل برون بيفيه، إلى جانب وجهَين بارزين من حزب الجمهوريين اليميني، هما فاليري بيكرس (رئيسة مجلس إقليم إيل دو فرانس) وكزافييه برتران (رئيس مجلس إقليم أو دو فرانس).
وفي ظل هذه المزايدة السياسية في دعم إسرائيل، لم يكن مفاجئاً أن تترك فرنسا لمنظّمة “إسرائيل للأبد” اليمينية المتطرفة حرّية إقامة حفلٍ في باريس عشية المباراة لدعم الجيش الإسرائيلي. حفلٌ احتفظ منظّموه بمكان إقامته سرّاً، وكان من المتوقَّع أن يحضره بتسلئيل سموتريش، وزير المالية الإسرائيلي المعروف بمطالبته بالتطهير العرقي للفلسطينيين وبضمّ الضفة الغربية إلى الأراضي المحتلّة، لكنّ الوزير المتطرّف ألغى زيارته في الساعات الأخيرة، بحسب تقارير صحافية.
غير أن عدم مجيء سموتريش إلى باريس لم يهدئ غضب آلاف المتظاهرين الذين خرجوا إلى شوارع باريس رفضاً للحفل الذي يدعو منظّموه علناً إلى دعم الجيش الإسرائيلي لطرد الفلسطينيين من أراضيهم واستبدالها بمستوطنات.
حدث مفصَّل على مقاس إسرائيل
هذه التظاهرة، وأُخرى عُقدت قُبيل المباراة وعلى بعد كيلومترين من مكان إقامتها، لكنّها لم تجمع أكثر من 500 متظاهر، كانتا المتنفَّس الوحيد الذي سمحت به السلطات الفرنسية لمناصري القضية الفلسطينية في فرنسا للتعبير عن آرائهم. متنفَّسٌ قاست حجْم حرّيته بالسنتيمتر، محدّدةً، مثلاً، لمتظاهري الخميس مكاناً لا يمكنهم مبارحته في ضاحية سان دوني.
وشملَ قمْعُ مَظاهر التضامن مع فلسطين مسارَ المباراة، إذ تولّى 4 آلاف شرطيّ تفتيش حركة النقل من الملعب وإليه، وكذلك داخله، ومنعوا المشجّعين من إدخال أعلام فلسطين إليه (حفنةٌ منهم استطاعوا كسْر هذا المنع).
ورغم التحشيد الإعلامي للسلطات حول ضمان “أمن” المباراة، ودعوتها لدعم إسرائيل، سجّل اللقاء أسوأ حصيلة جماهيرية في تاريخ مباريات المنتخب الفرنسي في ستاد دو فرانس، إذ لم يحضره إلّا 16 ألفاً من أصل 80 ألف مقعد. فراغٌ لا يمكننا نفي دور المقاطعة السياسية إذا ما أردنا تحليلَه.
وشهدت المدرجات عراكاً، سرعان ما أوقفه مسؤولو الأمن في الملعب، بين مشجّعين إسرائيليين وآخرين فرنسيين. لكنّ الحكومة ووسائل الإعلام الفرنسية لم تشأ الاستفاضة في وصف هذه الحادثة، بل سارعت الى التقليل من أهمّيتها، مشيرةً فقط إلى توقيف شخصين من المتعاركين.
وبينما كان التضامن مع فلسطين ممنوعاً في المدرجات، تركت الشرطة الفرنسية المشجّعين الإسرائيليين يردّدون مراراً هتافات سياسية (لإطلاق سراح الرهائن)، وهو ما يذكِّر، مرّةً أُخرى، بأنّ الحدث بكامله كان مفصَّلاً على مقاس إسرائيل.
إقرأوا أيضاً:










