أعادت الفضيحة الأخيرة، المتعلقة بتورّط طبيب في عمليات توليد ومن ثم تزوير وثائق الولادة والتبنّي غير الشرعي في جنوب لبنان، فتح الباب واسعاً أمام سؤال أساسي: كم مرة يحتاج البلد إلى صدمة جديدة حتى يعيد النظر في إرث كامل من الإتجار بالأطفال الذي استمر لعقود، متخفّياً خلف خطاب “العمل الخيري” و“إنقاذ الأطفال”؟
ليست هذه الحادثة حدثًا معزولاً، ولا يمكن التعامل معها كفعل فرديّ لطبيب واحد؛ إنها جزء من تاريخ طويل من اقتلاع الأطفال ونقلهم إلى وجهات بعيدة، تُمحى فيها الحقيقة ويُعاد تشكيل الهوية.
تاريخ شواطئنا حافل بقصص الإتجار بالأطفال لأغراض التبنّي، التي شهدت حركة ناشطة في مرحلة ما بعد الإبادة الأرمنية. في تلك الحقبة، نُقل آلاف الأطفال الناجين من الإبادة في قوارب باتجاه الولايات المتحدة، ليُوزَّعوا لاحقاً على مناطق الغرب الأميركي، ضمن ما عُرف لاحقاً بـOrphan Train Movement، إذ انتهى كثر من الأطفال في مزارع وأعمال شاقّة، لا في أسر ومنازل. لقد شكّل ذلك النموذج الجذر الأول لنمطٍ تكرّر لاحقاً في لبنان: فقر شديد، نزاعات مفتوحة، مؤسسات ضعيفة، وجهات خارجية مستعدة لاستقبال الأطفال، وسوق تبنّي دولية تبحث باستمرار عن “مصادر جديدة”.
خلال الحرب الأهلية اللبنانية، تكرّست الظاهرة بصورة أعنف. فالتقديرات تشير إلى أنّ أكثر من عشرة آلاف طفل نُقلوا إلى الخارج عبر مسارات غير شرعية أو شبه شرعية، ضمن شبكات تضم أطباء وقابلات ووسطاء ومحامين وموظفين رسميين. كان كل طرف يلعب دوراً محدداً في عملية معقّدة تبدأ من لحظة ولادة الطفل/ة ولا تنتهي عند دخوله/ا دولة أخرى.
أكدت التوثيقات التي عملنا عليها في جمعية “بدائل”، ومن ثم البحث الذي أجرته الدكتورة حول التبنّي غير الشرعي وفصل الأطفال قسراً خلال الحرب، أن إرثنا في الإتجار بالأطفال لأغراض التبنّي عميق وممتد ومتجذر عبر آليات الإتجار وتواطؤ البنى القانونية والمؤسساتية في تسهيله. كل هذا يثبت أن ما نراه اليوم ليس إلا استمراراً لسياق لم يتوقف فعلياً منذ ثلاثة عقود.
القضية الحالية تكشف مرة أخرى أن الطبيب المتورط في تزوير شهادات الولادة ليس سوى رأس جبل الجليد. فشبكات الإتجار بالأطفال لا يمكن أن تقتصر على فرد واحد، بل هي منظومة كاملة من العلاقات والملفات والصلات، تتحرّك بين المستشفى والعيادة والبلدية والمحكمة، وتمتد لتصل إلى سفارات ودول قبول ومكاتب وساطة في الخارج. هذا لا يعني تبرئة أي طرف، بل على العكس، يعني أن التركيز على شخص واحد هو شكل آخر من أشكال التعتيم الذي يسمح للشبكة بالبقاء. لا يمكن فهم حجم الجريمة إلا إذا فُكِّكت البنية كلها.
إقرأوا أيضاً:
وهنا لا بد من تفكيك الظروف التي تُجبر النساء – معظمهن قاصرات – على التخلي عن أطفالهن. وهي ظروف ليست إرادية، بل نتاج فقر، ووصمة اجتماعية، وغياب خدمات الدعم، وانعدام أي خيار واقعي يسمح للواتي يجدن أنفسهن في حمل غير مرغوب فيه، باتخاذ قرار مستنير والحصول على الحماية اللازمة في ظروف مماثلة.
تُظهر وثائق التبنّي التي جمعناها في إطار عمل جمعية بدائل مدى عمق هذا النظام. فهناك أطفال حصلوا على جوازات سفر بلا تاريخ انتهاء، وشهادات ميلاد مزوّرة، ووثائق صادرة عن دوائر رسمية من دون أدنى تحقق. هذه ليست ثغرات، بل أدوات عمل لشبكات تُجيد إخفاء الحقيقة وفتح مسارات التهريب عبر البلاد.
غير أن السؤال الأساس لا يقتصر على جانب العرض – أي على من يزوّر ومن يمرّر ومن يهرّب – بل يمتد إلى جانب الطلب. فالإتجار بالأطفال لأغراض التبنّي لا يستمر لولا وجود دول مستعدة لاستقبال الأطفال القادمين من بلدان هشّة، من دون طرح أسئلة جدية حول المسارات المستخدمة لاستقدام هؤلاء الأطفال أو ظروف انفصالهم عن أسرهم. هنا يصبح التبنّي الدولي جزءًا من اقتصاد عالمي غير متوازن، تتداخل فيه علاقات القوة بين شمال غني وجنوب منهك. وضمن هذه السردية، يُقدَّم التبنّي باعتباره “إنقاذًا”، ما يمنح الدول الوجهة شرعية أخلاقية تمنعها من النظر إلى الجانب الآخر من العملية: الأطفال ليسوا “سلعًا إنسانية” تُنقل من مكان إلى آخر، والأمهات الوالدات لسن كائنات يمكن محو صوتهنّ.
في هذا السياق، يصبح المجتمع نفسه جزءًا من المشكلة حين ينظر إلى التبنّي كعمل خيري. هذا الخطاب التسخيفي يخفي العنف البنيوي الذي تتعرض له النساء اللواتي يجدن أنفسهن في موقع هشاشة مطلقة. التخلي هنا ليس خياراً حرًّا، بل نتيجة غياب أي بنية حماية اجتماعية أو قانونية أو صحية تحمي الأم والطفل معاً. والقبول المجتمعي، الذي يميل إلى تبرير التبنّي بوصفه فعل رحمة، يُساهِم من دون قصد في استمرار هذه المنظومة. حين يُمحى صوت الأم، ويُعاد تشكيل هوية الطفل، تصبح الجريمة غير مرئية.
ومع بدء حملة الـ16 يوماً لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات، يصبح من الضروري الاعتراف بأن الإتجار بالأطفال للتبنّي غير الشرعي ليس مجرد ملف حقوقي أو اجتماعي، بل هو شكل من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي. فهو عنف يمس النساء حين يُسدّ أمامهن كل مسار يحميهن من الوصمة والفقر. إنه عنف يمرّ بصمت، لكنه يخلّف ندوبًا تمتد عبر الأجيال.
جيد أن الطبيب قد كُشف، لكن لا بد لنا من مواجهة المنظومة المتكاملة التي تحتضن هذه الممارسات. فالمطلوب أبعد من ذلك، لأنه يتطلب إعادة تفكير جذري في البنية القانونية التي تسهّل هذا الإتجار. لا بد من فتح تحقيق موسع يتجاوز الأفراد لتفكيك منظومات الإتجار بالأطفال. وفي المقابل، نحن بحاجة إلى ضمان الحق الكامل لضحايا التبنّي بالوصول إلى المعلومات. وتبقى الفتيات والنساء الحلقة الأضعف في ظل صعوبة الوصول إلى برامج دعم تمنع دفعهن نحو التخلّي القسري.
الفضيحة الراهنة ليست مجرد حدث؛ هي مرآة لما لم نجرؤ بعد على الاعتراف به: أن لبنان كان ولا يزال مثقلاً ببنية ذكورية معقدة أنتجت آلاف القصص غير المرئية لأمهات فُصلن عن أطفالهن عبر شبكات الإتجار، ولأطفال كبروا بهويات مزوّرة.
والسؤال الحقيقي اليوم ليس من زوّر أوراق طفل واحد، بل، من استفاد من هذا النظام، ومن حماه، ولماذا يستمر حتى الآن؟
ما لم نصرّ على فتح هذا الملف بشجاعة، ستستمر الشبكة في العمل، وسيبقى الأطفال يُنتزعون بصمت… والنساء متروكات مع وجع الخسارات المتعددة.
إقرأوا أيضاً:














