ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

فضيلة حسن سلام: أمّي المثالية… بعد أكثر من ثلاثة عقود على مقتلها

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

انتظرت أمّي أكثر من ثلاثة عقود كي يُفَكّ قيدها بكتابة قصّتها لعلّ روحها تتحرّر من الوصم ومن مرارة النسيان، وكأنها أتت إلى العالم لتعيش لعنتين جذريتين، لعنة الحبّ الممنوع ولعنة القتل بدم بارد من إخوتها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

على مسرح نقابة الصحافيين، تعطيني إيمان عوف مقرّرة لجنة المرأة في النقابة الميكروفون لألقي كلمة في تكريم أمّي، أرفض… فقد اختنق صوتي بدموع لم تستطع الخروج وإن بدت على ملامحي.

 لم تكن أمّي في حياتها تحلم أن تكون أمّاً مثالية، ولا أنا كنت أريدها أن تكون أمّاً مثالية، كنت أريدها فقط أن تكون أمّاً دون ألقاب، مجرّد أمّ أتشاجر معها واختلف معها وأبكي في حضنها، لكنّها أصبحت مثالية بثمن باهظ جداً، كان الثمن حياتها.

حين تمّ إبلاغي رسمياً بتكريم أمّي، قضيت ساعات على مكتبي أبكي. لولا قصّتها التي كتبتها قبل نحو أربعة أعوام، لظلّ اسم “فضيلة حسن سلام” مجرّد اسم في سجلّات المحاكم المصرية.

هذا السجل روى جريمة قتل بين الإخوة، يعتبرها البعض “جريمة شرف”، لا يعرف العالم بأنها كانت مأساة امرأة، امرأة تمتلك “فضيلة” أن تكون إنساناً في مجتمع لا يراها سوى جسد، فكان لها من اسمها نصيب، أمّي أصبحت فضيلة الاختيار الشجاع، وفضيلة المثابرة مع الأهل، وفضيلة الحقيقة دون زيف، وفضيلة المحبّة لإخوة أصبحوا فيما بعد هم قتلتها الفعليون.

 يتساءل زوجي لماذا أبكي؟ هو تكريم مستحقّ، أخبره أنني أعلم ذلك، لكن لا أعلم لماذا أبكي!

قبل 3 سنوات، اتّصلت بـ مشرفتي في موقع “درج” اقترح عليها تقريراً عن التعامل الإعلامي مع قضايا الشرف، تخبرني أن هذه الفكرة نفذت قبل أسابيع من التحاقي بالعمل، وفي لحظة من الصراحة أخبرتها بقصّة أمّي فطلبت مني أن أكتبها، أخبرتني أنها قصّة تستحقّ أن تُروى. 

تريّثت وتردّدت، خفت من ردود الفعل لأنني على مدار 32 عاماً كتمت القصّة داخلي، لم أخبرها حتى لأصدقائي المقرّبين، لا أريد لأحد أن يرى هذا الجرح في روحي، لكنّي كتبتها ونشرتها بعنوان “أنا أيضاً ابنة جريمة شرف” .

للمرّة الأولى يخرج اسم أمّي إلى النور وتخرج قصّتها إلى الناس، وأصبح الجميع يعرف أن أمّي خسرت حياتها هي وجنينها بثماني رصاصات غدراً من إخوتها، فقط لأنها تحدّت إرادة قبيلتها من عشائر البدو التي تمنع بناتها من الزواج من خارجها، وتزوّجت أبي “الفلاح” بوصف قبيلتها. 

شعرت من خلال كتابتي قصّتها أنني رددت لها بعضاً من اعتبارها، اعتذرت لها عن سنوات الاختباء، لكنّ الثمن كان أياماً من عدم القدرة على مغادرة السرير، سيل من الذكريات المختبئة في عقلي انفجر دفعة واحدة، لم أفهم ماذا حدث وقتها، لكنّ الطبيب النفسي أخبرني أنه جزء من التعافي، فالمقال حرّرني، ووصف الطبيب حالتي بأنها ثمن للتعافي الوشيك.

انتظرت أمّي أكثر من ثلاثة عقود كي يُفَكّ قيدها بكتابة قصّتها لعلّ روحها تتحرّر من الوصم ومن مرارة النسيان، وكأنها أتت إلى العالم لتعيش لعنتين جذريتين، لعنة الحبّ الممنوع ولعنة القتل بدم بارد من إخوتها.

 كانت أمّي تستحقّ أن تعيش حياتها من دون لعنات، وتمرّ في الحياة بتجارب تبدأ صغيرة ثم تكبر بحلوها ومرّها، ونكبر نحن أبناءها معها ونحن “شبعانين” من رائحتها وحنانها، لكنّ أمّي حُرمت من أن تستكمل تجربة الأمومة، الأمومة التي يتمّ تكريمها عليها الآن، هل أُخفى المفارقة التي تشبه مرحلة الاعتذار عن الكولونيالية وما بعدها؟

كان التصفيق حاراً في قاعة نقابة الصحافيين؛ وهم يعلنون اسم “فضيلة حسن سلام” أمّاً مثالية، شعرت بوجودها الكثيف في القاعة، وكأنها تتّكئ على كتفي وأنا أتسلّم الجائزة، أمّي لم تكن عجوزاً في حضورها غير المرئي أمس على المسرح، فقد قُتلت في عزّ شبابها.

كانت فضيلة في الحفل بالأمس مكتملة الجمال، كانت عيناها مكحّلتين ووجنتاها ورديتين وقلبها ينبض بقوّة مثل قلبي، كان خيالي يجمعنا معاً في لحظة استثنائية على المسرح، هذه اللحظة يتعذّر فيها الحديث أو التعبير، فالدموع كانت مضاعفة لأنها دموعي ودموع فضيلة، والرعشة كانت زلزالاً لأنها رعشتي ورعشة فضيلة.

ذهبت بالأمس إلى التكريم وحيدة وخائفة، لكنّي وجدت بجانبي الكثير من الزملاء والأصدقاء، يخبرونني أنهم إلى جانبي كرامة لأمّي لأنها تستحقّ، ارتجّت القاعة بالتصفيق حين ذُكر اسم فضيلة، وتحرّرت الدموع وانسكبت، بكيت لأن العالم قرّر في لحظات بسيطة – وأخيراً- أن يعتذر لها، يعتذر لها عن قتلها، ويعتذر لها عن اعتبارها عاراً، ويعتذر لها بالنيابة عني، احتضن هذا العالم خوفي وألمي في النهاية.

يعلم القريبون منّي أنني شخصية صدامية سريعة الغضب، يخبرني طبيبي أن ذلك عرض طبيعي لمرض السكّر، هذا العرض جعلني أدفع ثمناً آخر للتعافي بهذه العصبية حين يُذكر قتل أمّي كـ “مسبّة”، ويتفاخر صاحب الوصف بنسبه “الشريف”، وكأن قتل أمّي جعل نسبها ونسبي “غير شريف”، عمري بكامله استنزفه البكاء والغضب والاكتئاب والاختباء من مواجهة العالم.

 يخبرني زوجي في جلسة مع بعض الأصدقاء أنه رغم دعمه لي، لكنّه تمنّى لو كنت لم أكتب المقال، لا لشيء سوى خوفه على أماني النفسي وحزنه على حالي في كل مرّة أنهار أمامه، أخبره أني أحياناً أتمنّى ذلك، لكنّ أمّي كانت تستحقّ هذا الاعتذار، أمّي ليست عاراً يختبئ، بل شرف يتوارى أمامه المجتمع خجلاً.

 في جلسة مع معالجة نفسية وصلت إلى الحقيقة، لا يمكن أن يهاجمني أحد من نقطة ضعف إلا لو اعتبرتها أنا نقطة ضعف، كان هذا هو التعافي الذي أبحث عنه.

بالأمس بعد التكريم سألتني إحدى الحاضرات في الحفل عن قصّة أمّي التي لا تعرفها، لم أتحدّث كثيراً، طلبت هاتفها المحمول وفتحت لها مقالي على “درج”، قرأته ثم بكت واحتضنتني. اعتذار آخر من العالم عن ثمن التعافي الذي اضطرّرت لدفعه، وعن ثمن الحرّية الذي اضطرّت أمي لدفعه.

في طريقي إلى التكريم جهّزت الكثير من الكلمات التي سأقولها إذا أُتيحت لي فرصة الحديث، كنت سأشكر النقابة ولجنة المرأة و”درج” وأصدقائي وزملائي الذين دعموني، كنت سأتحدّث عن أمّي وقصّتها ووداعها الذي لم أحظَ به، لكنّ كل هذه الكلمات تبخّرت أمام حضورها الخفيّ، لكنّي الآن أعلم ماذا كان يجب أن أقول، كان يجب أن أروي الدرس الوحيد الذي علّمتني إيّاه فضيلة بموتها، فكل الأمّهات يعلّمن بناتهن عن الحياة، لكنّ أمّي لم يتّسع لها الوقت سوى لتعليمي درساً وحيداً، وهو أن الحرّية قد تكون أهمّ بكثير من الحياة نفسها.

02.05.2026
زمن القراءة: 4 minutes

انتظرت أمّي أكثر من ثلاثة عقود كي يُفَكّ قيدها بكتابة قصّتها لعلّ روحها تتحرّر من الوصم ومن مرارة النسيان، وكأنها أتت إلى العالم لتعيش لعنتين جذريتين، لعنة الحبّ الممنوع ولعنة القتل بدم بارد من إخوتها.

على مسرح نقابة الصحافيين، تعطيني إيمان عوف مقرّرة لجنة المرأة في النقابة الميكروفون لألقي كلمة في تكريم أمّي، أرفض… فقد اختنق صوتي بدموع لم تستطع الخروج وإن بدت على ملامحي.

 لم تكن أمّي في حياتها تحلم أن تكون أمّاً مثالية، ولا أنا كنت أريدها أن تكون أمّاً مثالية، كنت أريدها فقط أن تكون أمّاً دون ألقاب، مجرّد أمّ أتشاجر معها واختلف معها وأبكي في حضنها، لكنّها أصبحت مثالية بثمن باهظ جداً، كان الثمن حياتها.

حين تمّ إبلاغي رسمياً بتكريم أمّي، قضيت ساعات على مكتبي أبكي. لولا قصّتها التي كتبتها قبل نحو أربعة أعوام، لظلّ اسم “فضيلة حسن سلام” مجرّد اسم في سجلّات المحاكم المصرية.

هذا السجل روى جريمة قتل بين الإخوة، يعتبرها البعض “جريمة شرف”، لا يعرف العالم بأنها كانت مأساة امرأة، امرأة تمتلك “فضيلة” أن تكون إنساناً في مجتمع لا يراها سوى جسد، فكان لها من اسمها نصيب، أمّي أصبحت فضيلة الاختيار الشجاع، وفضيلة المثابرة مع الأهل، وفضيلة الحقيقة دون زيف، وفضيلة المحبّة لإخوة أصبحوا فيما بعد هم قتلتها الفعليون.

 يتساءل زوجي لماذا أبكي؟ هو تكريم مستحقّ، أخبره أنني أعلم ذلك، لكن لا أعلم لماذا أبكي!

قبل 3 سنوات، اتّصلت بـ مشرفتي في موقع “درج” اقترح عليها تقريراً عن التعامل الإعلامي مع قضايا الشرف، تخبرني أن هذه الفكرة نفذت قبل أسابيع من التحاقي بالعمل، وفي لحظة من الصراحة أخبرتها بقصّة أمّي فطلبت مني أن أكتبها، أخبرتني أنها قصّة تستحقّ أن تُروى. 

تريّثت وتردّدت، خفت من ردود الفعل لأنني على مدار 32 عاماً كتمت القصّة داخلي، لم أخبرها حتى لأصدقائي المقرّبين، لا أريد لأحد أن يرى هذا الجرح في روحي، لكنّي كتبتها ونشرتها بعنوان “أنا أيضاً ابنة جريمة شرف” .

للمرّة الأولى يخرج اسم أمّي إلى النور وتخرج قصّتها إلى الناس، وأصبح الجميع يعرف أن أمّي خسرت حياتها هي وجنينها بثماني رصاصات غدراً من إخوتها، فقط لأنها تحدّت إرادة قبيلتها من عشائر البدو التي تمنع بناتها من الزواج من خارجها، وتزوّجت أبي “الفلاح” بوصف قبيلتها. 

شعرت من خلال كتابتي قصّتها أنني رددت لها بعضاً من اعتبارها، اعتذرت لها عن سنوات الاختباء، لكنّ الثمن كان أياماً من عدم القدرة على مغادرة السرير، سيل من الذكريات المختبئة في عقلي انفجر دفعة واحدة، لم أفهم ماذا حدث وقتها، لكنّ الطبيب النفسي أخبرني أنه جزء من التعافي، فالمقال حرّرني، ووصف الطبيب حالتي بأنها ثمن للتعافي الوشيك.

انتظرت أمّي أكثر من ثلاثة عقود كي يُفَكّ قيدها بكتابة قصّتها لعلّ روحها تتحرّر من الوصم ومن مرارة النسيان، وكأنها أتت إلى العالم لتعيش لعنتين جذريتين، لعنة الحبّ الممنوع ولعنة القتل بدم بارد من إخوتها.

 كانت أمّي تستحقّ أن تعيش حياتها من دون لعنات، وتمرّ في الحياة بتجارب تبدأ صغيرة ثم تكبر بحلوها ومرّها، ونكبر نحن أبناءها معها ونحن “شبعانين” من رائحتها وحنانها، لكنّ أمّي حُرمت من أن تستكمل تجربة الأمومة، الأمومة التي يتمّ تكريمها عليها الآن، هل أُخفى المفارقة التي تشبه مرحلة الاعتذار عن الكولونيالية وما بعدها؟

كان التصفيق حاراً في قاعة نقابة الصحافيين؛ وهم يعلنون اسم “فضيلة حسن سلام” أمّاً مثالية، شعرت بوجودها الكثيف في القاعة، وكأنها تتّكئ على كتفي وأنا أتسلّم الجائزة، أمّي لم تكن عجوزاً في حضورها غير المرئي أمس على المسرح، فقد قُتلت في عزّ شبابها.

كانت فضيلة في الحفل بالأمس مكتملة الجمال، كانت عيناها مكحّلتين ووجنتاها ورديتين وقلبها ينبض بقوّة مثل قلبي، كان خيالي يجمعنا معاً في لحظة استثنائية على المسرح، هذه اللحظة يتعذّر فيها الحديث أو التعبير، فالدموع كانت مضاعفة لأنها دموعي ودموع فضيلة، والرعشة كانت زلزالاً لأنها رعشتي ورعشة فضيلة.

ذهبت بالأمس إلى التكريم وحيدة وخائفة، لكنّي وجدت بجانبي الكثير من الزملاء والأصدقاء، يخبرونني أنهم إلى جانبي كرامة لأمّي لأنها تستحقّ، ارتجّت القاعة بالتصفيق حين ذُكر اسم فضيلة، وتحرّرت الدموع وانسكبت، بكيت لأن العالم قرّر في لحظات بسيطة – وأخيراً- أن يعتذر لها، يعتذر لها عن قتلها، ويعتذر لها عن اعتبارها عاراً، ويعتذر لها بالنيابة عني، احتضن هذا العالم خوفي وألمي في النهاية.

يعلم القريبون منّي أنني شخصية صدامية سريعة الغضب، يخبرني طبيبي أن ذلك عرض طبيعي لمرض السكّر، هذا العرض جعلني أدفع ثمناً آخر للتعافي بهذه العصبية حين يُذكر قتل أمّي كـ “مسبّة”، ويتفاخر صاحب الوصف بنسبه “الشريف”، وكأن قتل أمّي جعل نسبها ونسبي “غير شريف”، عمري بكامله استنزفه البكاء والغضب والاكتئاب والاختباء من مواجهة العالم.

 يخبرني زوجي في جلسة مع بعض الأصدقاء أنه رغم دعمه لي، لكنّه تمنّى لو كنت لم أكتب المقال، لا لشيء سوى خوفه على أماني النفسي وحزنه على حالي في كل مرّة أنهار أمامه، أخبره أني أحياناً أتمنّى ذلك، لكنّ أمّي كانت تستحقّ هذا الاعتذار، أمّي ليست عاراً يختبئ، بل شرف يتوارى أمامه المجتمع خجلاً.

 في جلسة مع معالجة نفسية وصلت إلى الحقيقة، لا يمكن أن يهاجمني أحد من نقطة ضعف إلا لو اعتبرتها أنا نقطة ضعف، كان هذا هو التعافي الذي أبحث عنه.

بالأمس بعد التكريم سألتني إحدى الحاضرات في الحفل عن قصّة أمّي التي لا تعرفها، لم أتحدّث كثيراً، طلبت هاتفها المحمول وفتحت لها مقالي على “درج”، قرأته ثم بكت واحتضنتني. اعتذار آخر من العالم عن ثمن التعافي الذي اضطرّرت لدفعه، وعن ثمن الحرّية الذي اضطرّت أمي لدفعه.

في طريقي إلى التكريم جهّزت الكثير من الكلمات التي سأقولها إذا أُتيحت لي فرصة الحديث، كنت سأشكر النقابة ولجنة المرأة و”درج” وأصدقائي وزملائي الذين دعموني، كنت سأتحدّث عن أمّي وقصّتها ووداعها الذي لم أحظَ به، لكنّ كل هذه الكلمات تبخّرت أمام حضورها الخفيّ، لكنّي الآن أعلم ماذا كان يجب أن أقول، كان يجب أن أروي الدرس الوحيد الذي علّمتني إيّاه فضيلة بموتها، فكل الأمّهات يعلّمن بناتهن عن الحياة، لكنّ أمّي لم يتّسع لها الوقت سوى لتعليمي درساً وحيداً، وهو أن الحرّية قد تكون أهمّ بكثير من الحياة نفسها.