ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

فلاديمير لينين و”يسار الممانعة”: بين البراغماتية الثورية وأوهام النقاء

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يمكن التعامل مع إرث لينين في سياق الجدال مع يسار الممانعة دون فضح آلية التوظيف الانتقائي التي يمارسها هذا اليسار، المدّعي للثورية زوراً، وهو يعبّر عن إعجابه المستمر بنظام ثيوقراطي يسجّل أرقاماً قياسية من حالات الإعدام السياسية في كل سنة، وفي الوقت ذاته، يختطف فكر لينين لتبرير اللاواقعية في الممارسة السياسية. فهذا اليسار يمارس “مرض الطفولة اليساري” الذي كشفه لينين بنفسه.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في 30 آب/ أغسطس 1918، وبعد أن أنهى فلاديمير لينين خطابه أمام عمّال أحد مصانع موسكو، أطلقت “المناضلة الاشتراكية الثورية” كما أسموها آنذاك فاني كابلان، ثلاث رصاصات استقرّت في رئته وعنقه. كانت تلك الرصاصات تتويجاً لمنطقٍ تخويني لطالما رفعه “الطُهرانيون” بوجه كل من يجرؤ على ممارسة السياسة بناءً على شروط الواقع السياسي. ولئن كان لينين قد واجه الطُهرانية في صفوف خصومه، فإن تجربته المؤقّتة في السلطة لم تخلُ من الانزلاق إلى ممارسة الاستبداد السياسي تحت عنوان “الضرورة”، وهي مفارقة تثقل إرثه وتزيده تعقيداً. 

وقد انتشرت أجواء التخوين “الثورية” آنذاك ضد لينين، لدرجة أنه رفض العلاج في المستشفى، خوفاً من محاولات اغتيال جديدة، فتمّ إسعافه في غرفته في الكرملين، ومنع ذلك الأطبّاء من إجراء جراحة فورية له لاستخراج الرصاصات من جسده، ممّا سرّع من التدهور الحادّ لصحّته وإصابته بسكتات دماغية متتالية، فكيف لرجلٍ مثل لينين أن يحاول تكييف المبادئ مع الواقع من دون أن يتحوّل إلى “الخائن الأعظم للثورة”؟ 

يومها، رفع “الاشتراكيون الثوريون” ومن لفّ لفيفهم، شعارات نقاء الثورة في وجه تعقيدات الثورة، وفي النهاية في وجه معاهدة بريست – ليتوفسك وغيرها من القضايا، حين اضطرّ لينين إلى التخلّي مؤقّتاً عن مساحات شاسعة من الأراضي، ووسموه بالخائن الذي “باع البلاد للإمبريالية الألمانية”، تماماً كما يفعل اليوم ورثتهم من “يسار الممانعة”، حين يختزلون التاريخ والسياسة فكراً وممارسة في مطلقٍ أخلاقوي شعاراتي، رغم أن خصومهم ليسوا من عيار فلاديمير لينين، ولا يقودون حركات ثورية تسعى إلى تغيير مسار التاريخ البشري، بل إنهم ليسوا حتى سياسيين إصلاحيين يسعون إلى إحداث تغييرات في النظام السياسي ذاته مع الحفاظ على بنيته. ولكنّ هؤلاء “الثوريين” هم رفاق في الفكر والتفكير والسلوك لمن أطلقوا النار على لينين، بشكلٍ أو بآخر، بمعزل عن طبيعة خصومهم الحاليين وأهدافهم. والأنكى أنهم يتمسّكون بالشعارات الكبرى، ويتلطّون خلف المواقف الأخلاقية من مواقع فردية، دون إظهار أي جهد جماعي عملي لتكوين حركة وبلورة مشروع سياسي، وفي الوقت ذاته يقدّمون جميع أشكال النقد الهدّام لمن يسعون إلى إحداث أيّ تأثير في المشهد السياسي، حتى لو كان ذلك من مواقع غير ثورية في نظرهم.

أولئك الذين يتمترسون خلف الشعارات الثورية الجاهزة ما يزالون يحظون بالأضواء، منذ زمن لينين وما قبله. وليس من الضروري أن يكونوا طوباويين، إلا أنهم بالتأكيد يتعمّدون المبالغة والتشدّد في إظهار المواقف، فيستبدلون القراءة المادّية للواقع بالخطابات الثورية، ويتلاعبون بالألفاظ ويخادعون ليبدوا متفوّقين سياسياً وأخلاقياً وفكرياً أمام جمهور محقون، لا يجد سبيلاً للتعبير عن الظلم التاريخي الذي يُمارَس في حقّه، فيأتي إليه حملة الشعارات الثورية النقيّة، بنقائهم العقائدي، محوّلين كل تناقض معقّد، في كل جانب من جوانب أيّ مسألة، إلى ثنائية الأبيض والأسود، ثم يطلقون أحكام التخوين على كل من يمتلك جرأة التفكير خارجها.

وهنا يظهر لينين كسلاح ذي حدّين، بخاصّة حين يلجأ هؤلاء الذين يتعارضون معه جوهرياً، إلى الاستنجاد بأفكاره واسترجاعها وإسقاطها على واقع مغاير يعجزون هم عن تفسيره، بهدف تبرير أحداث يسلخونها قسراً عن سياقها المادّي التاريخي من جهة، ويتعاملون معها من منطلقات فكرية بنيوية ميكانيكية غير ديالكتيكية من جهة أخرى. 

إنهم يرتّبون العلاقة بين البنية والحدث ترتيباً أحادي الاتجاه، بحيث يصوّرون الحدث نتاجاً حتمياً للبنية، يؤكّدها فحسب ولا يتفاعل معها مؤثّراً في طبيعتها الجوهرية، ولا يلقي بثقله على مسار التاريخ معيداً تكوين شروطه المادّية، وكأن التاريخ في منطق فكرهم عبارة عن صيرورة نيتشوية مغلقة وتكرار أبدي للماهيات والأحداث. والأخطر من كل ذلك، بما لا يقاس، أنهم في سياق سقوطهم في فخّ البنيوية، واضعين الأحداث في سياقات تحتّم ولادتها دون أيّ هامش للتشكيك، يلغون بشكل تامّ دور الفرد في صناعة التاريخ أو التأثير في مساراته، متعارضين كلياً مع فكر لينين الذي يقول بوضوح: “وبالمثل، فإن فكرة الضرورة التاريخية لا تقلّل أدنى تقليل من دور الفرد في التاريخ: فكل التاريخ إنما يتكوّن من أفعال الأفراد الذين هم دون شكّ، فاعلون. والسؤال الحقيقي الذي ينشأ عند تقييم النشاط الاجتماعي للفرد هو: ما هي الظروف التي تضمن نجاح أفعاله؟ وما هي الضمانات بأن هذه الأفعال لن تظلّ عملاً معزولاً يضيع في خضم أفعال معاكسة؟” (What the “Friends of the People” Are and How They Fight the Social-Democrats – 1894)

إسرائيل في نظر هؤلاء هي نفسها إسرائيل على مرّ الأزمنة، ثابتة في الجوهر لا تتغيّر ولن تتغيّر. يتوقّف الديالكتيك المادّي عند حدود هذا الكيان، فيستحيل ماهية جامدة في نظر العقل اليساري الممانع. وبالنسبة إلى هذا العقل، فإن معاهدات السلام ليست سوى تبلور للهزائم العربية السابقة، لا عوامل ومؤثّرات متداخلة ومعقّدة دفعت إلى هذا القدر من الرداءة في تعامل الأنظمة العربية مع القضيّة الفلسطينية عبر التاريخ، وعلى رأسها النظام اللبناني. واختزال معاهدات السلام مع إسرائيل بردّ الفعل على الهزيمة، على ما فيه من صحّة جزئية، يعجز عن تفسير ما هو جديد من مظاهر الصراع التاريخي في راهن التاريخ. 

فإذا كانت إسرائيل لم تتغيّر (ولن تتغيّر؟)، وإذا كان النظام اللبناني في المقابل يمارس وظيفته ذاتها منذ عقود، وإذا كان “حزب الله” وحركة “حماس” لم يتغيّرا ولم يُغيّرا في مستوى الصراع بدورهما، استناداً إلى توقّعاتهما الذاتية، فبأيّ منطق نفسّر انتقال إسرائيل من “عقيدة الضاحية” إلى “نموذج غزّة”؟ ومن الحرب الاستنزافية إلى الإبادة الجماعية؟ ومن الاحتلال إلى التطهير العرقي؟ ومن المناوشات المحدودة إلى التدمير الكامل لقطاع غزّة وجنوب لبنان؟ لهذا، فإن الردّ بأن وتيرة الصراع قد تصاعدت، هكذا من تلقاء نفسها، فقط لأن “إسرائيل هي إسرائيل”، وهي “شرّ مطلق” (ولا شكّ في شرورها)، لهو بالغ السخف. فلا يمكن للتحليل المادّي أن يلغي جزءاً أساسياً من عوامل التصعيد لا يُفهم إلا بالكشف عن الطرف الآخر من التناقض، وأيّ تموضع أخلاقي لا يمكن أن يلغي عمليّة النقد مهما اشتدّت حاجة المصفقّين للشعارات الأخلاقية إلى سماع المزيد من الكلام المريح.

جزء أساسي في ظهور تلك العوامل التصعيدية مرتبط بعمليّة اتّخاذ القرار من جهة حركات المقاومة، المرتبطة بدورها بمحور تديره إيران، والتي تحدّد بدورها الإطار العام لسلوكه وأهدافه بدعمها المشروط لتلك الحركات. قبل أن تفقد تلك الحركات، وبخاصّة “حزب الله”، الهامش المتبقّي من الاستقلالية السياسية نتيجة لحربي الإسناد. وبالتالي، فإن التحوّلات النوعية التي طبعت السلوك الإسرائيلي لم تكن نتاج شرّ إسرائيل فقط، بل نتاج تحوّلات كميّة بلغت حدّ الانفجار، وقد لعبت قرارات يحيى السنوار شخصياً دوراً أساسياً في بلوغ هذا الحدّ، وسط ميزان قوى شديد الاختلال، ورهانات غيبية بالغة الاختلال بدورها، لا تمتّ إلى العقل والسلوك السياسي اللينيني بأيّ صلة. وبالتالي، لا يمكن لأفكار لينين أن تُستخدَم في مسعى تبريرها بأيّ شكل من الأشكال، بل هي سلاح لتعريتها وكشف تناقضاتها الخطيرة. 

ولعلّ التناقض الأخطر في فكر اليسار الممانع يكمن في الإذابة المتكرّرة لكل حدث تاريخي في البنية التاريخية، فتتحوّل البنية إلى قدر تاريخي مكثّف بذاته. وعصب الجمود الفكري الذي يتّسم به يسار الممانعة يتمظهر بالذات في رفض النقد لقرار السنوار الهائل والمصيري والكارثي في آن معاً، بإشعال السابع من أكتوبر 2023، محيلاً الحدث بكليّته إلى البنية التاريخية، وإلى العدوانية الإسرائيلية المتأتية من طبيعتها الاستعمارية، ورابطاً قرار السنوار أحادياً بتراكم الحصار الإسرائيلي على غزّة، مبرّئاً إيّاه من أيّ مسؤولية سياسية. وهذا الرفض لممارسة النقد هو في العمق رفض لتحميل المسؤولية في السياسة، من غزّة إلى جنوب لبنان. 

والقرارات الكارثية تأتي من الاستخفاف بالعدو، والاستخفاف بالعدو يأتي من الجهل بالعدو، والجهل بالعدو يأتي من بنية أيديولوجية قائمة على اختزال التعقيدات والتناقضات في معسكر العدو. أما بالنسبة إلى “حزب الله”، فالمفارقة الأساسية تكمن بين تحمّل المسؤولية وتحميلها، فمن يتحكّم بقرار الحرب، لا يُعقَل أن يعفي نفسه ويُحمّلها لغيره ممّن لا يملك هذا القرار، وما يزال هذا التناقض قائماً، ومن شأنه تفجير حرب ثالثة تعمّق الهزيمة المحقّقة في أيّ لحظة.

إن العديد من الثوريين الشعاراتيين، المنساقين خلف الشعارات الثورية الحماسية، الذين توجّه إليهم لينين بنقد مباشر في كتابه “مرض الطفولة اليساري” (1920)، ماسحاً الأرض بنقائهم العقائدي، معرّياً رفضهم الأخلاقوي لجميع التكتيكات المرنة، وعجزهم عن استخدام التناقضات في معسكر الخصوم، وإسقاطهم لما يمتلكون من وعي نظري على الواقع ومركّباته، محدّداً التمايز بدقّة بين قيادة الحركة السياسية بناءً على ما تراكم لديها من تجارب ووعي، وبين تحديد المنطلقات السياسية بناءً على الوعي الذي “يتمنّون” من عليائهم لها أن تمتلكه… العديد من هؤلاء ينسبون إلى لينين مقولات لم يتلفّظ بها أساساً، أو يصرّون على استرجاع اللينينية واستخدامها في سياق تبرير تصوّراتهم الحضاروية للصراع القائم في الشرق الأوسط بلون اليسار الذي ينتمون إليه انتماءً دينياً عقائدياً مفعماً بشعور العصبية القبلية، ومن منطلقات أخلاقية وأيديولوجية محضة، منفصلة تماماً عن الواقع المادّي وما يتطلّبه من أدوات للتأثير فيه أو تغييره من مواقع مختلفة عن تلك التي يفرضها المحوران الأساسيان في الصراع اليوم، أي محور واشنطن- تل أبيب ومحور طهران. 

والأول يسعى إلى إعادة تقسيم وتقاسم المنطقة وثرواتها، فيما يسعى الثاني، بوضوح ومنذ زمن طويل، إلى تفتيت الدول القائمة وسلطة المؤسّسات والقانون وإضعافهما، وفرض واقع الميليشيات والأسواق السوداء والعصابات المنظّمة، وفي سعيه هذا يخدم مسعى المحور الذي يتحارب وإيّاه، والذي يستفيد بدوره من ضعف هياكل الدولة لفرض شروط ومسارات سياسية واقتصادية تتعارض جوهرياً ومصلحة شعوب المنطقة.

بالنسبة إلى أولئك المدّعين الدفاع عن “النظرية الثورية”، فإن وجود الأدوات مسألة ثانوية يجري البحث فيها لاحقاً. وعدم وجود الأدوات في الفكر الماركسي هو عملياً نسف لهذا الفكر من جذوره. الفرق بينهم وبين لينين أن الأخير لم يكن مجرّد مفكّر سياسي، بل كان سياسياً حقيقياً، بينما هم يسترجعون لينين المفكّر، ويعملون على تغييب لينين السياسي، والعلاقة بينهما تكاملية، ولكنّها تناقضية في الوقت ذاته. وليس من الضروري، ولا من الممكن أيضاً، أن تتطابق أهداف هؤلاء “الثوريين” في زماننا الحالي مع أهداف لينين في زمانه، ولكنّ منهجية تفكيرهم تتناقض في العمق مع منهجية تفكير لينين في جميع الأزمنة. ومع ذلك، فإن الإصرار على الاستنجاد بلينين، بأساليب مجتزأة وملتوية، يأتي في مسعى تبرير ما يعجزون عن تبريره، أولاً لغياب الأدوات العملية التي تربط الفكر بالممارسة، وثانياً لأنهم لا يملكون الأدوات النظرية التي بها يحلّلون واقعهم الملموس اليوم، فيكتفون بتغليب ثنائية الحقّ والباطل.

لم يكن لينين رمادياً أبداً، إلا أنه كان براغماتياً ثورياً، يجيد التنازل في اللحظة التي تتطلّب التنازل، تفادياً لتقديم تنازلات أكبر وأخطر في أوقات لاحقة، بناءً على ميزان القوى المادّي، دون أن يتخلّى عن المبادئ التي يحملها. وهو أمر يعجز عن إدراكه الثوريون الشعاراتيون، بل يرون فيه خيانة كبرى لمبادئ الثورة التي يختزلونها بخطاب المزايدات الأخلاقية، و”على أبصارهم غشاوة” تمنعهم من التحليل المادّي للواقع الملموس. 

فلينين كان ماركسياً صلباً، لا “يدعو” إلى الثورة من باب التمنّي، بل يحلّل الشروط المادّية التاريخية للثورة، أو لهذا الإجراء الثوري أو ذاك الإصلاحي، في اللحظة التاريخية المحدّدة. وفي الكثير من الأحيان يتراجع، أو يغلّب التكتيك على الاستراتيجيا، معيداً بذلك إنتاج الاستراتيجيات عبر التغيير في التكتيكات، وبالطبع على حساب التمسّك الأعمى بالأيديولوجيا، وأحياناً على حساب كل ما رفعه سابقاً من شعارات، في كل لحظة تاريخية اصطدمت فيها الأيديولوجيا بتغيّرات موضوعية يجب التعامل معها بواقعية.

لم يكن لينين، الدارس بعمق للمنهج الماركسي، ينظر إلى الأيديولوجيا بالطريقة نفسها التي نظر إليها العديد من الشيوعيين والاشتراكيين والثوريين، وبالتحديد غير المعتنقين للفلسفة الماركسية أو المتأثّرين بها بعمق. لقد كان كل شيء متغيّراً في كل لحظة بالنسبة إلى لينين، على جميع المستويات، وقد كلّفه ذلك حياته في نهاية المطاف، على يد مدّعي الثورية من ببغاوات الأدلجة. 

وعلى عكس المفكّرين الأيديولوجيين الجامدين، من مدارس تطويع الواقع للنظرية، وضرورات الواقع للشعور الأخلاقي، كان لينين يمتلك قدرة استثنائية على قراءة الواقع بدقّة وتغيير مواقفه بناءً على المعطيات المتغيّرة، وكان يُخضِع الشعارات والأهداف البلشفية للنقد قبل شعارات الخصوم وأهدافهم.

يطيب لمن ينسخون ببغائياً نصوص لينين أن يردّدوا مقولته: “لا حركة ثورية دون نظرية ثورية” (“ما العمل؟” 1902). إلا أنهم يتجاهلون، عمداً أو جهلاً، مقولة أخرى له، كان يكرّرها نقلاً عن كارل ماركس وفريدريك إنجلز بشكل دائم أيضاً، وهي: “إن نظريتنا ليست عقيدة، بل هي دليل للعمل” (“رسائل حول التكتيك” 1917).

براغماتية لينين كانت تجسيداً حيّاً للديالكتيك الماركسي، انطلاقاً من “التحليل المادّي للواقع الملموس”. لم تكن براغماتيته تخليّاً عن المبادئ، إلا أنها لم تكن أيضاً جموداً أيديولوجياً، ولا بحثاً عن يقين مطلق، ولا تكريساً لإطار أخلاقي لأيّ صراع يحوّله إلى مطلق حقّ ضدّ مطلق باطل، وذلك على الرغم من حدّيتها. جمعت آراء لينين بين الحدّة الصارمة والموضوعية الواقعية في آن واحد. 

هذه الازدواجية المرنة في فكر لينين لا نجد أثراً لها في فكر يسار محور الممانعة، ولا في فكر اليسار الليبرالي في الوقت ذاته. فاليسار الليبرالي يجنح نحو الإصلاحية، ويرفض وجود أيّ شكل من أشكال الحتميات التاريخية، حتى لو كان ذلك بناءً على تحليل علمي صارم، ويستكين في المنطقة الرمادية دون أن يقيم مراجعات ذاتية، سواء لمنطق الاستكانة أو للرمادي من التموقع. ولا بأس بتبني هذا المنطق أو اختيار ذاك التموقع أو إعادة التموقع إن كان قائماً على أرضية النقد الذاتي، لكنّ هذا ليس هو الحال مع اليسار الليبرالي. والصورة أكثر قتامة بكثير حين يتعلّق الأمر بيسار محور الممانعة، فهو لا يكتفي بالاختيار بين أبيض وأسود، بل يلتحق التحاقاً تامّاً براية ليست رايته، ومن ثم يبرّر التحاقه على المستوى النظري مستنداً إلى سلّة جاهزة من الإسقاطات الأخلاقوية.

وكما حاولت كابلان تصفية لينين جسدياً لأنها رأت فيه “خائناً للثورة”، يسعى هؤلاء اليوم إلى تصفية أيّ فكر براغماتي ثوري معنوياً، مشكّكين في كل من يطرح إشكالية ويمارس نقداً ولو بسيطاً، ومحوّلين “الثقافة الثورية” من “دليل للعمل” إلى سلّة إسقاطات أخلاقوية تبرّر التحاقهم اللامشروط بمحور طهران، فيستحيلون بذلك طُهرانيون وطَهرانيون في آن معاً.

وليست معاهدة بريست – ليتوفسك يتيمة، فهناك ما يكفي من الأمثلة التاريخية على براغماتية لينين الثورية. فكيف يفسّر هؤلاء تراجع لينين عن التطبيق الفوري للاشتراكية في عام 1921، وتقديمه لـ “السياسة الاقتصادية الجديدة” (NEP) إنقاذاً للاتحاد السوفياتي حديث النشأة من انهيار محتمل، بعد أن أدرك “حتمية المجاعة” والانهيار الاقتصادي بعد الحرب الأهلية؟ هل يتّهمونه بالعمالة للرأسمالية لأنه أدخل عناصر من الرأسمالية (مثل التجارة الحرّة وإن بشكل مضبوط، والملكية الخاصّة الصغيرة) إلى الاتحاد السوفياتي لإنقاذ المجتمع السوفياتي من جوع حتمي؟

لا يمكن التعامل مع إرث لينين في سياق الجدال مع يسار الممانعة دون فضح آلية التوظيف الانتقائي التي يمارسها هذا اليسار، المدّعي للثورية زوراً، وهو يعبّر عن إعجابه المستمر بنظام ثيوقراطي يسجّل أرقاماً قياسية من حالات الإعدام السياسية في كل سنة، وفي الوقت ذاته، يختطف فكر لينين لتبرير اللاواقعية في الممارسة السياسية. فهذا اليسار يمارس “مرض الطفولة اليساري” الذي كشفه لينين بنفسه. وكما نظرت كابلان إلى معاهدة السلام مع ألمانيا فرأت فيها خيانة مطلقة، لا خطوة اضطرارية لإنقاذ الاتحاد السوفياتي الفتي، ينظر هؤلاء اليوم إلى كل محاولة لفهم إكراهات الواقع وكأنها بيع للأرض والتاريخ، ومعاداة غير مفهومة لطائفة واسعة من الشعب اللبناني. 

وهنا يجب التمييز بدقّة بين محاولة فهم هذا الواقع البائس، وبين قرارات السلطة اللبنانية التي يمكن أن تصيب مرةً وتخفق مرّات، ولا خلط بين دور المثقّف النقدي ودور السلطة. ولا مقارنة على الإطلاق أيضاً بين قائد ثوري تاريخي من عيار فلاديمير لينين، رغم أساليبه الحادّة، وبين قادة السلطة في لبنان اليوم، الذين لا يملكون مشروعاً حقيقياً، ولا مشروعية جماهيرية صلبة، ولا قدرة على التأثير في المسار التاريخي ووضع حدّ حقيقي للتدهور المتسارع، ويعبّرون عن عجز كبير أمام آلة القتل الإسرائيلية المنفلتة من كل عقال، ويفتحون المجال باستمرار للميليشيات المدعومة من الخارج لملء الفراغ الذي تتركه الدولة التي يقودونها. إلا أن التخويينيين هم أنفسهم، ينظرون إلى التاريخ والسياسة من الموقع ذاته، بنظرة سادية مكتفية ومنتشية بذاتها، ولكل وضع سياسي معقّد أضحيات سياسية يجب أن يقدّموها على مذبح الجماهير الغاضبة.

لقد آمن لينين، في مواجهة شروط زمانه إبّان الثورة الصناعية الثانية والتوسّع الاستعماري في أوائل القرن العشرين، بأن “الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية”، وأن السلام معها لا يمكن أن يكون إلا “هدنة مؤقّتة”، حتى لو امتدّت لعقود. بالتالي، ليست براغماتية لينين الثورية غاية قائمة بذاتها، بل كانت وسيلة لإعادة تجميع القوى وإحداث التغيير المطلوب في ميزان القوى الموضوعي، لاستكمال ما يجب تحقيقه من أهداف، أو إعادة تحديد تلك الأهداف انطلاقاً من قراءة متجدّدة للواقع. الأمر نفسه ينطبق على إسرائيل، بكونها دولة استعمارية استيطانية، ترفض بشكلٍ قاطع الحقوق التاريخية للفلسطينيين، وتمارس قدراً أكبر من العدوانية ضدّ شعوب المنطقة. فإن السلام معها لا يعدو كونه سوى هدنة مؤقّتة، في انتظار تغيّرٍ في ميزان القوى، أو تغيّر محتمل لكن غير حتمي أو مستبعد حتى الآن في طبيعة إسرائيل نفسها، وبالتالي في طبيعة تعاملها مع المسألة الفلسطينية.

27.07.2026
زمن القراءة: 11 minutes

لا يمكن التعامل مع إرث لينين في سياق الجدال مع يسار الممانعة دون فضح آلية التوظيف الانتقائي التي يمارسها هذا اليسار، المدّعي للثورية زوراً، وهو يعبّر عن إعجابه المستمر بنظام ثيوقراطي يسجّل أرقاماً قياسية من حالات الإعدام السياسية في كل سنة، وفي الوقت ذاته، يختطف فكر لينين لتبرير اللاواقعية في الممارسة السياسية. فهذا اليسار يمارس “مرض الطفولة اليساري” الذي كشفه لينين بنفسه.

في 30 آب/ أغسطس 1918، وبعد أن أنهى فلاديمير لينين خطابه أمام عمّال أحد مصانع موسكو، أطلقت “المناضلة الاشتراكية الثورية” كما أسموها آنذاك فاني كابلان، ثلاث رصاصات استقرّت في رئته وعنقه. كانت تلك الرصاصات تتويجاً لمنطقٍ تخويني لطالما رفعه “الطُهرانيون” بوجه كل من يجرؤ على ممارسة السياسة بناءً على شروط الواقع السياسي. ولئن كان لينين قد واجه الطُهرانية في صفوف خصومه، فإن تجربته المؤقّتة في السلطة لم تخلُ من الانزلاق إلى ممارسة الاستبداد السياسي تحت عنوان “الضرورة”، وهي مفارقة تثقل إرثه وتزيده تعقيداً. 

وقد انتشرت أجواء التخوين “الثورية” آنذاك ضد لينين، لدرجة أنه رفض العلاج في المستشفى، خوفاً من محاولات اغتيال جديدة، فتمّ إسعافه في غرفته في الكرملين، ومنع ذلك الأطبّاء من إجراء جراحة فورية له لاستخراج الرصاصات من جسده، ممّا سرّع من التدهور الحادّ لصحّته وإصابته بسكتات دماغية متتالية، فكيف لرجلٍ مثل لينين أن يحاول تكييف المبادئ مع الواقع من دون أن يتحوّل إلى “الخائن الأعظم للثورة”؟ 

يومها، رفع “الاشتراكيون الثوريون” ومن لفّ لفيفهم، شعارات نقاء الثورة في وجه تعقيدات الثورة، وفي النهاية في وجه معاهدة بريست – ليتوفسك وغيرها من القضايا، حين اضطرّ لينين إلى التخلّي مؤقّتاً عن مساحات شاسعة من الأراضي، ووسموه بالخائن الذي “باع البلاد للإمبريالية الألمانية”، تماماً كما يفعل اليوم ورثتهم من “يسار الممانعة”، حين يختزلون التاريخ والسياسة فكراً وممارسة في مطلقٍ أخلاقوي شعاراتي، رغم أن خصومهم ليسوا من عيار فلاديمير لينين، ولا يقودون حركات ثورية تسعى إلى تغيير مسار التاريخ البشري، بل إنهم ليسوا حتى سياسيين إصلاحيين يسعون إلى إحداث تغييرات في النظام السياسي ذاته مع الحفاظ على بنيته. ولكنّ هؤلاء “الثوريين” هم رفاق في الفكر والتفكير والسلوك لمن أطلقوا النار على لينين، بشكلٍ أو بآخر، بمعزل عن طبيعة خصومهم الحاليين وأهدافهم. والأنكى أنهم يتمسّكون بالشعارات الكبرى، ويتلطّون خلف المواقف الأخلاقية من مواقع فردية، دون إظهار أي جهد جماعي عملي لتكوين حركة وبلورة مشروع سياسي، وفي الوقت ذاته يقدّمون جميع أشكال النقد الهدّام لمن يسعون إلى إحداث أيّ تأثير في المشهد السياسي، حتى لو كان ذلك من مواقع غير ثورية في نظرهم.

أولئك الذين يتمترسون خلف الشعارات الثورية الجاهزة ما يزالون يحظون بالأضواء، منذ زمن لينين وما قبله. وليس من الضروري أن يكونوا طوباويين، إلا أنهم بالتأكيد يتعمّدون المبالغة والتشدّد في إظهار المواقف، فيستبدلون القراءة المادّية للواقع بالخطابات الثورية، ويتلاعبون بالألفاظ ويخادعون ليبدوا متفوّقين سياسياً وأخلاقياً وفكرياً أمام جمهور محقون، لا يجد سبيلاً للتعبير عن الظلم التاريخي الذي يُمارَس في حقّه، فيأتي إليه حملة الشعارات الثورية النقيّة، بنقائهم العقائدي، محوّلين كل تناقض معقّد، في كل جانب من جوانب أيّ مسألة، إلى ثنائية الأبيض والأسود، ثم يطلقون أحكام التخوين على كل من يمتلك جرأة التفكير خارجها.

وهنا يظهر لينين كسلاح ذي حدّين، بخاصّة حين يلجأ هؤلاء الذين يتعارضون معه جوهرياً، إلى الاستنجاد بأفكاره واسترجاعها وإسقاطها على واقع مغاير يعجزون هم عن تفسيره، بهدف تبرير أحداث يسلخونها قسراً عن سياقها المادّي التاريخي من جهة، ويتعاملون معها من منطلقات فكرية بنيوية ميكانيكية غير ديالكتيكية من جهة أخرى. 

إنهم يرتّبون العلاقة بين البنية والحدث ترتيباً أحادي الاتجاه، بحيث يصوّرون الحدث نتاجاً حتمياً للبنية، يؤكّدها فحسب ولا يتفاعل معها مؤثّراً في طبيعتها الجوهرية، ولا يلقي بثقله على مسار التاريخ معيداً تكوين شروطه المادّية، وكأن التاريخ في منطق فكرهم عبارة عن صيرورة نيتشوية مغلقة وتكرار أبدي للماهيات والأحداث. والأخطر من كل ذلك، بما لا يقاس، أنهم في سياق سقوطهم في فخّ البنيوية، واضعين الأحداث في سياقات تحتّم ولادتها دون أيّ هامش للتشكيك، يلغون بشكل تامّ دور الفرد في صناعة التاريخ أو التأثير في مساراته، متعارضين كلياً مع فكر لينين الذي يقول بوضوح: “وبالمثل، فإن فكرة الضرورة التاريخية لا تقلّل أدنى تقليل من دور الفرد في التاريخ: فكل التاريخ إنما يتكوّن من أفعال الأفراد الذين هم دون شكّ، فاعلون. والسؤال الحقيقي الذي ينشأ عند تقييم النشاط الاجتماعي للفرد هو: ما هي الظروف التي تضمن نجاح أفعاله؟ وما هي الضمانات بأن هذه الأفعال لن تظلّ عملاً معزولاً يضيع في خضم أفعال معاكسة؟” (What the “Friends of the People” Are and How They Fight the Social-Democrats – 1894)

إسرائيل في نظر هؤلاء هي نفسها إسرائيل على مرّ الأزمنة، ثابتة في الجوهر لا تتغيّر ولن تتغيّر. يتوقّف الديالكتيك المادّي عند حدود هذا الكيان، فيستحيل ماهية جامدة في نظر العقل اليساري الممانع. وبالنسبة إلى هذا العقل، فإن معاهدات السلام ليست سوى تبلور للهزائم العربية السابقة، لا عوامل ومؤثّرات متداخلة ومعقّدة دفعت إلى هذا القدر من الرداءة في تعامل الأنظمة العربية مع القضيّة الفلسطينية عبر التاريخ، وعلى رأسها النظام اللبناني. واختزال معاهدات السلام مع إسرائيل بردّ الفعل على الهزيمة، على ما فيه من صحّة جزئية، يعجز عن تفسير ما هو جديد من مظاهر الصراع التاريخي في راهن التاريخ. 

فإذا كانت إسرائيل لم تتغيّر (ولن تتغيّر؟)، وإذا كان النظام اللبناني في المقابل يمارس وظيفته ذاتها منذ عقود، وإذا كان “حزب الله” وحركة “حماس” لم يتغيّرا ولم يُغيّرا في مستوى الصراع بدورهما، استناداً إلى توقّعاتهما الذاتية، فبأيّ منطق نفسّر انتقال إسرائيل من “عقيدة الضاحية” إلى “نموذج غزّة”؟ ومن الحرب الاستنزافية إلى الإبادة الجماعية؟ ومن الاحتلال إلى التطهير العرقي؟ ومن المناوشات المحدودة إلى التدمير الكامل لقطاع غزّة وجنوب لبنان؟ لهذا، فإن الردّ بأن وتيرة الصراع قد تصاعدت، هكذا من تلقاء نفسها، فقط لأن “إسرائيل هي إسرائيل”، وهي “شرّ مطلق” (ولا شكّ في شرورها)، لهو بالغ السخف. فلا يمكن للتحليل المادّي أن يلغي جزءاً أساسياً من عوامل التصعيد لا يُفهم إلا بالكشف عن الطرف الآخر من التناقض، وأيّ تموضع أخلاقي لا يمكن أن يلغي عمليّة النقد مهما اشتدّت حاجة المصفقّين للشعارات الأخلاقية إلى سماع المزيد من الكلام المريح.

جزء أساسي في ظهور تلك العوامل التصعيدية مرتبط بعمليّة اتّخاذ القرار من جهة حركات المقاومة، المرتبطة بدورها بمحور تديره إيران، والتي تحدّد بدورها الإطار العام لسلوكه وأهدافه بدعمها المشروط لتلك الحركات. قبل أن تفقد تلك الحركات، وبخاصّة “حزب الله”، الهامش المتبقّي من الاستقلالية السياسية نتيجة لحربي الإسناد. وبالتالي، فإن التحوّلات النوعية التي طبعت السلوك الإسرائيلي لم تكن نتاج شرّ إسرائيل فقط، بل نتاج تحوّلات كميّة بلغت حدّ الانفجار، وقد لعبت قرارات يحيى السنوار شخصياً دوراً أساسياً في بلوغ هذا الحدّ، وسط ميزان قوى شديد الاختلال، ورهانات غيبية بالغة الاختلال بدورها، لا تمتّ إلى العقل والسلوك السياسي اللينيني بأيّ صلة. وبالتالي، لا يمكن لأفكار لينين أن تُستخدَم في مسعى تبريرها بأيّ شكل من الأشكال، بل هي سلاح لتعريتها وكشف تناقضاتها الخطيرة. 

ولعلّ التناقض الأخطر في فكر اليسار الممانع يكمن في الإذابة المتكرّرة لكل حدث تاريخي في البنية التاريخية، فتتحوّل البنية إلى قدر تاريخي مكثّف بذاته. وعصب الجمود الفكري الذي يتّسم به يسار الممانعة يتمظهر بالذات في رفض النقد لقرار السنوار الهائل والمصيري والكارثي في آن معاً، بإشعال السابع من أكتوبر 2023، محيلاً الحدث بكليّته إلى البنية التاريخية، وإلى العدوانية الإسرائيلية المتأتية من طبيعتها الاستعمارية، ورابطاً قرار السنوار أحادياً بتراكم الحصار الإسرائيلي على غزّة، مبرّئاً إيّاه من أيّ مسؤولية سياسية. وهذا الرفض لممارسة النقد هو في العمق رفض لتحميل المسؤولية في السياسة، من غزّة إلى جنوب لبنان. 

والقرارات الكارثية تأتي من الاستخفاف بالعدو، والاستخفاف بالعدو يأتي من الجهل بالعدو، والجهل بالعدو يأتي من بنية أيديولوجية قائمة على اختزال التعقيدات والتناقضات في معسكر العدو. أما بالنسبة إلى “حزب الله”، فالمفارقة الأساسية تكمن بين تحمّل المسؤولية وتحميلها، فمن يتحكّم بقرار الحرب، لا يُعقَل أن يعفي نفسه ويُحمّلها لغيره ممّن لا يملك هذا القرار، وما يزال هذا التناقض قائماً، ومن شأنه تفجير حرب ثالثة تعمّق الهزيمة المحقّقة في أيّ لحظة.

إن العديد من الثوريين الشعاراتيين، المنساقين خلف الشعارات الثورية الحماسية، الذين توجّه إليهم لينين بنقد مباشر في كتابه “مرض الطفولة اليساري” (1920)، ماسحاً الأرض بنقائهم العقائدي، معرّياً رفضهم الأخلاقوي لجميع التكتيكات المرنة، وعجزهم عن استخدام التناقضات في معسكر الخصوم، وإسقاطهم لما يمتلكون من وعي نظري على الواقع ومركّباته، محدّداً التمايز بدقّة بين قيادة الحركة السياسية بناءً على ما تراكم لديها من تجارب ووعي، وبين تحديد المنطلقات السياسية بناءً على الوعي الذي “يتمنّون” من عليائهم لها أن تمتلكه… العديد من هؤلاء ينسبون إلى لينين مقولات لم يتلفّظ بها أساساً، أو يصرّون على استرجاع اللينينية واستخدامها في سياق تبرير تصوّراتهم الحضاروية للصراع القائم في الشرق الأوسط بلون اليسار الذي ينتمون إليه انتماءً دينياً عقائدياً مفعماً بشعور العصبية القبلية، ومن منطلقات أخلاقية وأيديولوجية محضة، منفصلة تماماً عن الواقع المادّي وما يتطلّبه من أدوات للتأثير فيه أو تغييره من مواقع مختلفة عن تلك التي يفرضها المحوران الأساسيان في الصراع اليوم، أي محور واشنطن- تل أبيب ومحور طهران. 

والأول يسعى إلى إعادة تقسيم وتقاسم المنطقة وثرواتها، فيما يسعى الثاني، بوضوح ومنذ زمن طويل، إلى تفتيت الدول القائمة وسلطة المؤسّسات والقانون وإضعافهما، وفرض واقع الميليشيات والأسواق السوداء والعصابات المنظّمة، وفي سعيه هذا يخدم مسعى المحور الذي يتحارب وإيّاه، والذي يستفيد بدوره من ضعف هياكل الدولة لفرض شروط ومسارات سياسية واقتصادية تتعارض جوهرياً ومصلحة شعوب المنطقة.

بالنسبة إلى أولئك المدّعين الدفاع عن “النظرية الثورية”، فإن وجود الأدوات مسألة ثانوية يجري البحث فيها لاحقاً. وعدم وجود الأدوات في الفكر الماركسي هو عملياً نسف لهذا الفكر من جذوره. الفرق بينهم وبين لينين أن الأخير لم يكن مجرّد مفكّر سياسي، بل كان سياسياً حقيقياً، بينما هم يسترجعون لينين المفكّر، ويعملون على تغييب لينين السياسي، والعلاقة بينهما تكاملية، ولكنّها تناقضية في الوقت ذاته. وليس من الضروري، ولا من الممكن أيضاً، أن تتطابق أهداف هؤلاء “الثوريين” في زماننا الحالي مع أهداف لينين في زمانه، ولكنّ منهجية تفكيرهم تتناقض في العمق مع منهجية تفكير لينين في جميع الأزمنة. ومع ذلك، فإن الإصرار على الاستنجاد بلينين، بأساليب مجتزأة وملتوية، يأتي في مسعى تبرير ما يعجزون عن تبريره، أولاً لغياب الأدوات العملية التي تربط الفكر بالممارسة، وثانياً لأنهم لا يملكون الأدوات النظرية التي بها يحلّلون واقعهم الملموس اليوم، فيكتفون بتغليب ثنائية الحقّ والباطل.

لم يكن لينين رمادياً أبداً، إلا أنه كان براغماتياً ثورياً، يجيد التنازل في اللحظة التي تتطلّب التنازل، تفادياً لتقديم تنازلات أكبر وأخطر في أوقات لاحقة، بناءً على ميزان القوى المادّي، دون أن يتخلّى عن المبادئ التي يحملها. وهو أمر يعجز عن إدراكه الثوريون الشعاراتيون، بل يرون فيه خيانة كبرى لمبادئ الثورة التي يختزلونها بخطاب المزايدات الأخلاقية، و”على أبصارهم غشاوة” تمنعهم من التحليل المادّي للواقع الملموس. 

فلينين كان ماركسياً صلباً، لا “يدعو” إلى الثورة من باب التمنّي، بل يحلّل الشروط المادّية التاريخية للثورة، أو لهذا الإجراء الثوري أو ذاك الإصلاحي، في اللحظة التاريخية المحدّدة. وفي الكثير من الأحيان يتراجع، أو يغلّب التكتيك على الاستراتيجيا، معيداً بذلك إنتاج الاستراتيجيات عبر التغيير في التكتيكات، وبالطبع على حساب التمسّك الأعمى بالأيديولوجيا، وأحياناً على حساب كل ما رفعه سابقاً من شعارات، في كل لحظة تاريخية اصطدمت فيها الأيديولوجيا بتغيّرات موضوعية يجب التعامل معها بواقعية.

لم يكن لينين، الدارس بعمق للمنهج الماركسي، ينظر إلى الأيديولوجيا بالطريقة نفسها التي نظر إليها العديد من الشيوعيين والاشتراكيين والثوريين، وبالتحديد غير المعتنقين للفلسفة الماركسية أو المتأثّرين بها بعمق. لقد كان كل شيء متغيّراً في كل لحظة بالنسبة إلى لينين، على جميع المستويات، وقد كلّفه ذلك حياته في نهاية المطاف، على يد مدّعي الثورية من ببغاوات الأدلجة. 

وعلى عكس المفكّرين الأيديولوجيين الجامدين، من مدارس تطويع الواقع للنظرية، وضرورات الواقع للشعور الأخلاقي، كان لينين يمتلك قدرة استثنائية على قراءة الواقع بدقّة وتغيير مواقفه بناءً على المعطيات المتغيّرة، وكان يُخضِع الشعارات والأهداف البلشفية للنقد قبل شعارات الخصوم وأهدافهم.

يطيب لمن ينسخون ببغائياً نصوص لينين أن يردّدوا مقولته: “لا حركة ثورية دون نظرية ثورية” (“ما العمل؟” 1902). إلا أنهم يتجاهلون، عمداً أو جهلاً، مقولة أخرى له، كان يكرّرها نقلاً عن كارل ماركس وفريدريك إنجلز بشكل دائم أيضاً، وهي: “إن نظريتنا ليست عقيدة، بل هي دليل للعمل” (“رسائل حول التكتيك” 1917).

براغماتية لينين كانت تجسيداً حيّاً للديالكتيك الماركسي، انطلاقاً من “التحليل المادّي للواقع الملموس”. لم تكن براغماتيته تخليّاً عن المبادئ، إلا أنها لم تكن أيضاً جموداً أيديولوجياً، ولا بحثاً عن يقين مطلق، ولا تكريساً لإطار أخلاقي لأيّ صراع يحوّله إلى مطلق حقّ ضدّ مطلق باطل، وذلك على الرغم من حدّيتها. جمعت آراء لينين بين الحدّة الصارمة والموضوعية الواقعية في آن واحد. 

هذه الازدواجية المرنة في فكر لينين لا نجد أثراً لها في فكر يسار محور الممانعة، ولا في فكر اليسار الليبرالي في الوقت ذاته. فاليسار الليبرالي يجنح نحو الإصلاحية، ويرفض وجود أيّ شكل من أشكال الحتميات التاريخية، حتى لو كان ذلك بناءً على تحليل علمي صارم، ويستكين في المنطقة الرمادية دون أن يقيم مراجعات ذاتية، سواء لمنطق الاستكانة أو للرمادي من التموقع. ولا بأس بتبني هذا المنطق أو اختيار ذاك التموقع أو إعادة التموقع إن كان قائماً على أرضية النقد الذاتي، لكنّ هذا ليس هو الحال مع اليسار الليبرالي. والصورة أكثر قتامة بكثير حين يتعلّق الأمر بيسار محور الممانعة، فهو لا يكتفي بالاختيار بين أبيض وأسود، بل يلتحق التحاقاً تامّاً براية ليست رايته، ومن ثم يبرّر التحاقه على المستوى النظري مستنداً إلى سلّة جاهزة من الإسقاطات الأخلاقوية.

وكما حاولت كابلان تصفية لينين جسدياً لأنها رأت فيه “خائناً للثورة”، يسعى هؤلاء اليوم إلى تصفية أيّ فكر براغماتي ثوري معنوياً، مشكّكين في كل من يطرح إشكالية ويمارس نقداً ولو بسيطاً، ومحوّلين “الثقافة الثورية” من “دليل للعمل” إلى سلّة إسقاطات أخلاقوية تبرّر التحاقهم اللامشروط بمحور طهران، فيستحيلون بذلك طُهرانيون وطَهرانيون في آن معاً.

وليست معاهدة بريست – ليتوفسك يتيمة، فهناك ما يكفي من الأمثلة التاريخية على براغماتية لينين الثورية. فكيف يفسّر هؤلاء تراجع لينين عن التطبيق الفوري للاشتراكية في عام 1921، وتقديمه لـ “السياسة الاقتصادية الجديدة” (NEP) إنقاذاً للاتحاد السوفياتي حديث النشأة من انهيار محتمل، بعد أن أدرك “حتمية المجاعة” والانهيار الاقتصادي بعد الحرب الأهلية؟ هل يتّهمونه بالعمالة للرأسمالية لأنه أدخل عناصر من الرأسمالية (مثل التجارة الحرّة وإن بشكل مضبوط، والملكية الخاصّة الصغيرة) إلى الاتحاد السوفياتي لإنقاذ المجتمع السوفياتي من جوع حتمي؟

لا يمكن التعامل مع إرث لينين في سياق الجدال مع يسار الممانعة دون فضح آلية التوظيف الانتقائي التي يمارسها هذا اليسار، المدّعي للثورية زوراً، وهو يعبّر عن إعجابه المستمر بنظام ثيوقراطي يسجّل أرقاماً قياسية من حالات الإعدام السياسية في كل سنة، وفي الوقت ذاته، يختطف فكر لينين لتبرير اللاواقعية في الممارسة السياسية. فهذا اليسار يمارس “مرض الطفولة اليساري” الذي كشفه لينين بنفسه. وكما نظرت كابلان إلى معاهدة السلام مع ألمانيا فرأت فيها خيانة مطلقة، لا خطوة اضطرارية لإنقاذ الاتحاد السوفياتي الفتي، ينظر هؤلاء اليوم إلى كل محاولة لفهم إكراهات الواقع وكأنها بيع للأرض والتاريخ، ومعاداة غير مفهومة لطائفة واسعة من الشعب اللبناني. 

وهنا يجب التمييز بدقّة بين محاولة فهم هذا الواقع البائس، وبين قرارات السلطة اللبنانية التي يمكن أن تصيب مرةً وتخفق مرّات، ولا خلط بين دور المثقّف النقدي ودور السلطة. ولا مقارنة على الإطلاق أيضاً بين قائد ثوري تاريخي من عيار فلاديمير لينين، رغم أساليبه الحادّة، وبين قادة السلطة في لبنان اليوم، الذين لا يملكون مشروعاً حقيقياً، ولا مشروعية جماهيرية صلبة، ولا قدرة على التأثير في المسار التاريخي ووضع حدّ حقيقي للتدهور المتسارع، ويعبّرون عن عجز كبير أمام آلة القتل الإسرائيلية المنفلتة من كل عقال، ويفتحون المجال باستمرار للميليشيات المدعومة من الخارج لملء الفراغ الذي تتركه الدولة التي يقودونها. إلا أن التخويينيين هم أنفسهم، ينظرون إلى التاريخ والسياسة من الموقع ذاته، بنظرة سادية مكتفية ومنتشية بذاتها، ولكل وضع سياسي معقّد أضحيات سياسية يجب أن يقدّموها على مذبح الجماهير الغاضبة.

لقد آمن لينين، في مواجهة شروط زمانه إبّان الثورة الصناعية الثانية والتوسّع الاستعماري في أوائل القرن العشرين، بأن “الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية”، وأن السلام معها لا يمكن أن يكون إلا “هدنة مؤقّتة”، حتى لو امتدّت لعقود. بالتالي، ليست براغماتية لينين الثورية غاية قائمة بذاتها، بل كانت وسيلة لإعادة تجميع القوى وإحداث التغيير المطلوب في ميزان القوى الموضوعي، لاستكمال ما يجب تحقيقه من أهداف، أو إعادة تحديد تلك الأهداف انطلاقاً من قراءة متجدّدة للواقع. الأمر نفسه ينطبق على إسرائيل، بكونها دولة استعمارية استيطانية، ترفض بشكلٍ قاطع الحقوق التاريخية للفلسطينيين، وتمارس قدراً أكبر من العدوانية ضدّ شعوب المنطقة. فإن السلام معها لا يعدو كونه سوى هدنة مؤقّتة، في انتظار تغيّرٍ في ميزان القوى، أو تغيّر محتمل لكن غير حتمي أو مستبعد حتى الآن في طبيعة إسرائيل نفسها، وبالتالي في طبيعة تعاملها مع المسألة الفلسطينية.