مرّت الذكرى الثانية للسابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر، ورافقها الكثير من السجالات والمرافعات والنقاشات، بين مختلف الأطراف المؤيّدة والمعارضة بشكل جذري للحدث، وما بينها من طيف سياسي واسع ومتذبذب بين التأييد والتحفّظ.
الملاحظ في التناول العربي للذكرى، خصوصاً إذا ما قورن بما كان عليه في الذكرى الأولى، هدوء اللهجة وخفوت النزعة الحماسية للحرب نسبياً، وذلك بعد تصفية أغلب قيادات “حماس” العسكرية، وتحوّل الحرب في القطاع إلى حرب إبادة من طرف واحد.
لكن بالرغم من تراجع النزعة الحماسية في ضوء الكارثة الإنسانية في قطاع غزّة، ومع الأخذ بعين الاعتبار موافقة حركة “حماس” على اتّفاق أقرب إلى الاستسلام لوقف الحرب، لا تزال اللغة التبريرية في ما خصّ عمليّة “طوفان الأقصى”، حاضرة بشكل ملحوظ في الفضاء التواصلي العربي.
عمليّة عسكرية منظّمة أو ردّ فعل تلقائي؟
من جملة التبريرات الجاهزة، يبرز التبرير المستند إلى رؤية “جبرية” في قراءة الحدث، وهو أهمّها، ويجري التعبير عنه بصيغ متعدّدة: ما حصل كان قدراً، لم يكن باليد حيلة، لم يكن في الإمكان أكثر ممّا كان، إسرائيل لم تترك إلا هذا الخيار، إسرائيل كانت لتصنع ما صنعته دون مبرّر فهي لا تحتاج إلى ذلك، ما حصل هو ردّ فعل “تلقائي” على العنف الكولونيالي الذي تمارسه إسرائيل منذ سبعة عقود.
من يقول ذلك يختزل أيّ عمل إنساني إلى أحد جانبين حدّيين، فإما أن يكون العمل فعلاً محضاً، وإما أن يكون “ردّ فعل” محضاً، على مؤثّرات خارجية لأفعال تمارسها ذات ما متعالية وكلّية القدرة.
يصعب تصوّر شيء كهذا ينطبق حتى على أبسط الأعمال البشرية، فكيف به ينطبق على أعقدها؟ فكلّ عمل يأتيه الإنسان يتشكّل ضمن بنية مؤلّفة من عناصر متعدّدة، تجمع بينها علاقات مختلفة لا تنقسم فيها العناصر إلى واحدة فاعلة وأخرى منفعلة، بل تنشأ بينها دينامية وجدلية من التأثير والتأثّر بنسب متفاوتة، أيّ أن كلّ عمل إنساني هو مزيج نسب متفاوتة من الفعل وردّ الفعل ضمن بنى معقّدة.
يغفل هذا الضرب من الافتراض أن القرار الذي اتُّخذ في السابع من أكتوبر، كان قراراً سياساً وعسكرياً بامتياز، وأن “القرارات” عادة ليست “عفوية”، وأن “الواقع” الذي يصوّره البعض أن “حماس” أقدمت على “طوفان الأقصى” كردّ فعل عليه، هو واقع شاركت الحركة نفسها في صناعته، عبر سلسلة خيارات أخذتها منذ نشأتها إلى تاريخ السابع من أكتوبر، مروراً باتّفاقية أوسلو والانتفاضة الثانية، وصولاً إلى الانقلاب في عام 2006، وليس انتهاء بخيارات متّصلة بـنحو 18 سنة من حكم قطاع غزّة بالحديد والنار، وصياغة تحالفاتها مع قوى إقليمية عديدة في المنطقة.
علاوة على ذلك، التعاطي مع “7 أكتوبر” كردّ على وحشية الاحتلال الإسرائيلي فقط، يعني إنكار واقع الفلسطيني الإرادوي والاستراتيجي، أي يتجاهل المحلّل مدى صعوبة تنفيذ عمليّة مثل “7 أكتوبر”، من حيث جمع الموارد والتمويل وتجنيد الناس وإدارة الإعلام وحفر الأنفاق وتنظيمها. نتحدّث عن جهاز عسكري من عشرات آلاف المقاتلين والعاملين، وعمليّة توزير أدوار ضخمة وهائلة.
سرديات واهمة لا تبحث عن حلّ
هنا أيضاً تحضر سرديتان، ليس فقط عن عمليّة “الطوفان”، بل عن طبيعة الصراع والعلاقة مع المسألة الفلسطينية بالمجمل.
توجد اليوم سردية ترامبية- إبراهيمية، ترى أن حلّ مسألة معقّدة كالمسألة الفلسطينية، يُصنع من خلال إبرام جملة من الاتّفاقات والمعاهدات المرتبطة بالسلام، والترتيبات الأمنية والاقتصادية مع الدول العربية، تكون مترافقة مع وضع الفلسطينيين تحت وصايات متعدّدة عربية ودولية، غير منظّمة حتى بقرارات من مجلس الأمن، أي لا تتمتّع حتى بشرعية القانون الدولي.
أما الفلسطينيون فيتمّ إرضاؤهم عبر ضخّ بعض الاستثمارات لإعادة الإعمار، واستحداث سلّة من فرص العمل أو السفر لأجلهم، بالتوازي مع إنشاء “مناطق اقتصادية حرّة” فوق أرضهم، التي لا سيادة لهم عليها، وذلك مقابل حقّ بسيط وبديهي ومبدئي هو “الحقّ بالحياة”، أما “حقّ تقرير المصير” فيبدو غائباً كلّياً، حتى وكأنه شيء فائض عن الحاجة.
إقرأوا أيضاً:
على المقلب الآخر، ثمّة مكابرة حقيقية في اختزال إسرائيل ببُعدها الكولونيالي الاستيطاني فقط، والبناء سياسياً على مقولات رثّة وبالية عن طبيعة مجتمعها “الهشّ”، الذي “لا يحتمل نموذج الحروب الطويلة”، وإصرار على تصوّر الصراع معها على قاعدة صفرية: إما نربح كلّ شيء، وإما نخسر كلّ شيء.
يُذكر هنا تعليق المؤرّخ الفلسطيني رشيد الخالدي على هذه القراءة (القومية البحتة) للمجتمع الإسرائيلي، وإصراره في تحليله على حقيقة التماسك المجتمعي والمؤسّساتي والسلطوي في إسرائيل، رغم التناقضات المتفجّرة في فترات حسّاسة.
الأنكى، أن ثمّة مراجعات تنطلق من ضرورة “ثأرية” للبحث عن سبل لـ”هزيمة العدو”، في خضم الصراع الأزلي على الوجود، دون طرح مشروع سياسي مقنع لطبيعة العلاقات الاجتماعية في فلسطين المتخيّلة بعد “التحرير”، وكأن هذه الأفكار لم تكن جزءاً من سلسلة الأفكار وأنماط التفكير، التي أوصلتنا والفلسطينيين إلى هذا الحضيض الذي نحن فيه، هذا كلّه عوض البحث عن سبل وتصوّرات لحماية الحقوق والعيش بأمن وسلام وكرامة، وحلّ هذه القضيّة ضمن شروط الممكن والمتاح والعادل معاً.
شعار “فلسطين حرّة”: العسكرة للشرق، السياسة للغرب
الانتفاضة الطلابية في جامعات أوروبا وأميركا الشمالية، كرّست حالة ضخمة من “الاعتراض الغربي” على الإبادة، ولكنّ تلك الحالة لم تكن محصورة بـ”الاعتراض”، بل على عكس الأدبيات والسرديات الطاغية حالياً في العالم العربي، وبالرغم من وجود تيّارات معادية للساميّة ضمنها، طرحت تيّارات أخرى واقعاً بديلاً يتمحور حول تصوّر “حرّ” لفلسطين، أي واقع سياسي كوزموبوليتاني، ديمقراطي، تعدّدي يحمي حقوق كلّ الفئات والسكّان في أراضي “فلسطين التاريخية”.
من هذا المنظور، السياسة “مسموحة” في الحلقة التضامنية الغربية – وهي سياسة “التخيّل”، وسياسة رسم مستقبل فلسطين على نقيض المشروع الإسرائيلي الراهن، وهي أيضاً “رسمة” فلسطينية بألوان “كونية”، أي ربط مفاهيم التحرّر في فلسطين بمفاهيم الديمقراطية والعلمنة في الغرب، رفضاً لسياسة تمييزية وتطهيرية ذات جذور عميقة في المجتمعات الغربية الكولونيالية.
ولكن هذا التخيّل محصور بردّه على النقاش الثقافي والسياسي القائم في دول عالم الشمال. في هذا السياق، إسرائيل تُقارن ببنى وتوقّعات سياسية وأخلاقية معاصرة في تلك المجتمعات، النقاش العربي غير موجود. الفاعل السياسي للمقيم في عالم الشمال؛ أما العربي، فهو محروم من الحوار حول محلّه الفعلي من الإعراب، ورؤيته لمستقبل المنطقة وفلسطين. فقط نقاتل للدفاع عن أنفسنا، أما التفكير عن تموضعنا ومستقبلنا وسط القتال، فأصبح نوعاً من أنواع “الكفر السياسي والأخلاقي”، يجب تجنّبه كي لا نزعج القيّمين الفعليين على قضايانا: الإسلاميين.
الخطوة “العربية” التالية: احتمالية تخطّي العجز
“نعم، فشلت عمليّة “7 أكتوبر”، ولكن البدائل معدومة”. المشكلة الأساسية أن المحلّل أو الكاتب الذي حسم “حتمية عمليّة 7 أكتوبر”، لا يبرّر فقط فعلاً سياسياً محدّداً بغض النظر عن نتائجه الملموسة، بل يلغي قدرتنا على التفكير برؤية تشمل احتمالات المقاومة الشعبية كافّة.
تتمحور “السياسة” هنا فقط حول لغة الألم واليأس والعجز، وهي لغة كتابية وخطابية مربحة في زمن الإبادات و”سوق الإحباط”. تبرير “حتمية عمليّة 7 أكتوبر” يؤدّي، حتماً، إلى حالة من العدمية الدائمة بعد “7 أكتوبر”.
والمفارقة أن المقيمين الناجيين في غزّة، بغضّ النظر عن انتمائهم السياسي، ليس لديهم ترف “البحث عن العدمية” وسط المجازر والجرائم المتكرّرة، والخيارات المطروحة أمامهم اليوم، ليست نابعة من الفرضيات التي يكرّسها محور “الممانعة”. منطق “الصاروخ بهدف تغيير موازين القوى” سقط، والعودة إلى هذا المنطق، ليست خياراً خارج فقاعة فكرية وإعلامية خسرت الرهان الاستراتيجي والايديولوجي والتكتيكي.
فما هي الخطوة التالية؟ تسليح العائلات وتكريس الحماية الاقتصادية والأمنية عبر العسكرة المفرطة والامتيازات الخاصّة؟ تحويل “حماس” إلى شرطة محلّية تؤكّد الولاء الفلسطيني داخل القطاع، مقابل غطاء غربي يهدف إلى تحييد التنظيم كقوّة عسكرية فعلية؟ إعادة افتعال المقاومة العسكرية بعد سنين من “الهدنة القاتلة” (أو القتل البطيء) والدفع باتّجاه حرب مستمرّة حتى تصل إسرائيل إلى “انفجار داخلي كبير”؟
كلّ الخطوات المطروحة أعلاه، لا تُناقش بوضوح في مساحات علمانية ويسارية فقدت المبادرة على الأرض. المؤسّسات التي تملك الموارد والسلاح والدوائر المحلّية ودعم العائلات، تخوض هذا النقاش من منظور الحفاظ على قوّتها وسلطتها واستدامتها.
في هذا السياق الصعب، الخطوة التالية ليست بالضرورة “مادّية” و”ميدانية”، بل تستطيع أن تكون “ثقافية”، من دون الافتراض أن “الأزمة الفلسطينية” هي أزمة “حضارة”، ولكن نظراً لخلاصة حقبة “7 أكتوبر”، قد تكون أزمة إيديولوجية واستراتيجية، والعودة إلى التاريخ ودروس نضالاتنا المشتركة، هي إحدى التمارين كي نصل إلى بديل منطقي لكلّ هذا الدمّ.
الفلسطيني في غزّة الذي يطرح هذه المراجعة علناً، وينتقد “حماس” بشراسة (رغم تعدّد المواقف في القطاع) ليس “خائناً”، وهو لا يلوم “الضحيّة”، فهو “الضحيّة”، ويطمح إلى استعادة دوره “كفاعل سياسي” وشريك في خيارات البنى القائمة في الحياة السياسية الفلسطينية العامّة. الصوت الفلسطيني النقدي قدّ يكون نقطة البداية، مستقبل لا يشبه هذا الحاضر الدموي والمأزوم والتراجيدي.
إقرأوا أيضاً:












